أكاديمية أبوظبي العالمي... الكفاءات قبل رأس المال

  • 2026-08-06
  • 15:22

أكاديمية أبوظبي العالمي... الكفاءات قبل رأس المال

  • الاقتصاد والأعمال

تستقطب أبوظبي بوتيرة متسارعة البنوك الخاصة ومديري الأصول ومكاتب العائلات والثروات القادمة من المنطقة والعالم. لكن الأموال والمؤسسات، مهما بلغ حجمها، لا تكفي وحدها لصناعة مركز عالمي لإدارة الثروات. فاستدامة هذا النمو تتوقف على وجود متخصصين قادرين على إدارة استثمارات معقدة وعابرة للحدود، ومواكبة احتياجات أصحاب الثروات، وتنظيم انتقالها بين الأجيال.

هنا يتحدد الدور الذي تؤديه أكاديمية أبوظبي العالمي. فبصفتها الذراع التعليمية للمركز، تعمل الأكاديمية على بناء الكفاءات التي تحتاج إليها منظومة مالية تتسع بسرعة، وتحويل نمو الأعمال والثروات إلى خبرات محلية مستدامة.

من جانبه أشار علي المهيري، مدير أول العمليات والتمكين، إلى أن تدفق الثروات الخاصة وتوسع مكاتب العائلات والبنوك الخاصة ومديري الأصول يفرضان إعداد جيل جديد من المتخصصين وفق المعايير الدولية. ويختصر الفكرة بالقول إن "الميزة التنافسية المستدامة لأبوظبي العالمي لن تُقاس بحجم رأس المال المستقطب فحسب، وإنما بعمق القدرات البشرية التي تُبنى محلياً لإدارته".

 التعليم جزء من البنية المالية

تنظر الأكاديمية إلى التعليم والتأهيل المهني بوصفهما جزءاً أساسياً من البنية التي يحتاج إليها أي مركز مالي يسعى إلى تثبيت موقعه على المدى الطويل.

فاستقطاب المؤسسات المالية يخلق طلباً على اختصاصيين في إدارة الأصول والأسواق الخاصة والاستثمارات البديلة، إلى جانب خبراء في الحوكمة والتخطيط المالي وانتقال الثروة بين الأجيال.

وتعمل الأكاديمية على تحويل هذه الاحتياجات إلى برامج تعليمية ومهنية متخصصة، تُصمم بالتعاون مع مؤسسات أكاديمية ومهنية دولية، بما يربط التدريب بالتغيرات الفعلية التي يشهدها القطاع.

ويشرح المهيري أن الأكاديمية تتعامل مع توسع منظومة إدارة الثروات في أبوظبي من زاوية تزويد القطاع بالكوادر اللازمة لمواصلة نموه، وترسيخ موقع الأكاديمية بوصفها المؤسسة المعنية ببناء وتطوير رأس المال البشري الذي تقوم عليه هذه الصناعة.

ويقول إن رأس المال قادر بطبيعته على الانتقال بين الأسواق والبحث عن البيئات الأكثر ملاءمة، بينما تتحدد قوة المركز المالي واستدامته بقدرته على تكوين خبرات محلية ومؤسسات تعليمية ومسارات مهنية تحافظ على تدفق الكفاءات إلى السوق.

مستشار الثروات يتجاوز إدارة المحافظ

يرتبط جانب كبير من التحول في إدارة الثروات بتغير طبيعة الخدمات التي يطلبها العملاء، ولا سيما أصحاب الثروات الكبيرة والعائلات التي تدير استثمارات وأعمالاً في أكثر من دولة.

فمستشار الثروات لم يعد مسؤولاً فقط عن اختيار الأدوات الاستثمارية وبناء المحافظ ومتابعة عوائدها. أصبح دوره يشمل تقديم المشورة بشأن الحوكمة وإدارة المخاطر والتخطيط طويل الأمد وترتيب انتقال الثروة وإدارة العلاقات بين أفراد العائلة والتعامل مع القواعد القانونية والتنظيمية في دول مختلفة.

وأضاف المهيري إن "عميل اليوم يبحث عن شريك موثوق قادر على التعامل مع  نطاق واسع من الاحتياجات المتشابكة"، مشيراً إلى أن هذه الاحتياجات تمتد من تخطيط التعاقب بين الأجيال إلى حوكمة مكاتب العائلات وإدارة المخاطر والتنسيق بين المتخصصين في الاستثمار والقانون والضرائب.

ويفرض هذا التوسع في المسؤوليات مزيجاً مختلفاً من المهارات. فإلى جانب المعرفة بالأسواق والاستثمار، يحتاج المستشار إلى فهم سلوك العملاء، وإدارة العلاقات العائلية المعقدة، والتواصل بوضوح، واتخاذ القرارات وفق معايير مهنية وأخلاقية مرتفعة.

كما يحتاج إلى الإلمام بالأسواق الخاصة والاستثمارات البديلة، التي أصبحت تشغل مساحة أكبر ضمن محافظ أصحاب الثروات، وإلى القدرة على الجمع بين تخصصات متعددة ضمن رؤية واحدة تخدم الأهداف المالية والعائلية للعميل.

وبحسب المهيري، فإن تطوير هذه المهارات "ليس ترفاً مهنياً، وإنما ضرورة استراتيجية" لتلبية توقعات قاعدة عملاء عالمية تزداد خبرة وتنوعاً.

أقسام متخصصة لإدارة الثروات والأصول

تركز الأكاديمية جانباً من عملها في هذا المجال من خلال  أقسام إدارة الثروات والأصول، التي توفر برامج تستهدف العاملين الحاليين في القطاع، والقيادات الناشئة، وأفراد الأجيال الجديدة في العائلات المالكة للثروات والأعمال.

وتشمل هذه البرامج شهادة إدارة الثروات والاستثمار، وبرامج في حوكمة مكاتب العائلات وتخطيط التعاقب، إضافة إلى برنامج قيادة الجيل القادم في مكاتب العائلات.

ويستهدف البرنامج الأخير أفراد العائلات والقيادات الشابة التي يُتوقع أن تتولى مستقبلاً مسؤولية الإشراف على الثروات والأعمال والاستثمارات العائلية. ويعكس ذلك انتقال التدريب من التركيز على العاملين في المؤسسات المالية فقط إلى إعداد أصحاب الثروة أنفسهم للمشاركة في إدارة شؤون العائلة واتخاذ قراراتها الاستراتيجية.

وتعزز الأكاديمية هذا التوجه من خلال تعاونها مع مجلس أبوظبي للشركات العائلية ، بهدف تصميم برامج ومبادرات لبناء القدرات تتناسب مع احتياجات الشركات والعائلات في الإمارة.

ويتيح هذا التعاون ربط الخبرة التعليمية للأكاديمية بالتحديات الفعلية التي تواجهها الأعمال العائلية، ومنها صياغة هياكل الحوكمة، وتحديد مسؤوليات الأجيال المختلفة، والفصل بين ملكية العائلة والإدارة التنفيذية، ووضع آليات واضحة لاتخاذ القرارات وانتقال المسؤوليات.

تحول عالمي في صناعة إدارة الثروات

تأتي هذه البرامج في وقت يشهد فيه قطاع إدارة الثروات تغيرات واسعة. فالعملاء يتجهون إلى خدمات استشارية أكثر شمولاً، وترتفع حصة الأسواق الخاصة والاستثمارات البديلة، بينما تزداد أهمية التخطيط لانتقال الثروات بين الأجيال.

ويتزامن ذلك مع توسع استخدام التقنيات الرقمية وانتقال العائلات ورؤوس الأموال بين الدول بحثاً عن بيئات مستقرة ومرنة وقادرة على توفير الخدمات القانونية والمالية المطلوبة.

ويرى المهيري أن هذه التحولات تنقل مدير الثروات من دور مدير المحفظة إلى دور المستشار الاستراتيجي متعدد الاختصاصات. ولذلك لم يعد تقييمه يعتمد فقط على أداء الاستثمارات، وإنما أيضاً على قدرته على بناء علاقة طويلة الأمد مع العميل، وفهم ظروف العائلة وأهدافها، وتقديم رؤية متكاملة تتجاوز النتائج المالية القصيرة الأجل.

وفي هذا السياق، يوفر أبوظبي العالمي الإطار القانوني والتنظيمي والتجاري الذي يسمح لمكاتب العائلات والمؤسسات المالية بالعمل ضمن بيئة دولية تستند إلى قانون العموم الإنجليزي وتتبنى معايير واضحة للحوكمة.

أما الأكاديمية فتتولى بناء الجانب البشري المكمل لهذه البيئة.

ويقول المهيري إن البنية التنظيمية والمؤسسية، مهما بلغت درجة تطورها، تبقى بحاجة إلى كوادر قادرة على استخدامها وتحويلها إلى خدمات فعلية للعملاء. لذلك تركز الأكاديمية على مجالات مثل حوكمة العائلات، وتخطيط التعاقب، والحفاظ على الثروات على المدى الطويل.

تحويل رأس المال إلى أثر مستدام

يعكس توسع برامج الأكاديمية توجهاً أوسع في أبوظبي يقوم على ربط نمو القطاع المالي بتطوير المعرفة والكفاءات المحلية.

فوجود رأس المال والمؤسسات العالمية يمكن أن يرفع حجم النشاط المالي في المدى القريب، لكن استدامة هذا النشاط تتطلب قاعدة من المتخصصين القادرين على إدارة العلاقات والاستثمارات والمخاطر وفق المعايير التي يتوقعها العملاء العالميون.

ويصف المهيري الأكاديمية بأنها “الجسر الذي يربط بين التعليم والقطاع والسياسات”، وحاضنة لإعداد جيل يستطيع المنافسة عالمياً وقيادة المرحلة المقبلة من نمو القطاع.

وتنسجم هذه المهمة مع توجه دولة الإمارات نحو اقتصاد قائم على المعرفة، ومع طموح أبوظبي إلى ترسيخ موقعها بين المراكز المالية الدولية. فكلما توسعت منظومة إدارة الثروات، ارتفعت الحاجة إلى خبرات لا تكتفي باستيعاب الممارسات العالمية، وإنما تستطيع تطبيقها بما يتناسب مع طبيعة المنطقة وعائلاتها ومؤسساتها.

ومن هذا المنظور، تصبح الكفاءات المحلية جزءاً من الجاذبية الاستثمارية للمركز المالي نفسه. فالمؤسسات والعائلات لا تبحث فقط عن إطار تنظيمي أو مكان لتسجيل أعمالها، وإنما عن منظومة متكاملة تضم مستشارين ومديرين وخبراء قادرين على تقديم خدمات متقدمة ومستقرة.

ويختصر المهيري هذه الفكرة بالقول إن "الكفاءات هي التي تحوّل تدفقات رأس المال إلى أثر مستدام، وتمنح المراكز المالية قدرتها التنافسية طويلة الأمد."

وهنا تتحدد وظيفة أكاديمية أبوظبي العالمي وهي ألا يقتصر نمو أبوظبي في إدارة الثروات على زيادة عدد المؤسسات والأموال التي تستقطبها، وإنما أن يرافقه بناء قاعدة بشرية ومهنية قادرة على إدارة هذا التوسع والحفاظ عليه وقيادته إلى مراحل أكثر نضجاً.