الشرع يضع الاقتصاد في قلب عودة سوريا إلى المنطقة والعالم
الشرع يضع الاقتصاد في قلب عودة سوريا إلى المنطقة والعالم
-
كتب فيصل أبوزكي
تكشف مقابلة الرئيس السوري أحمد الشرع الأخيرة مع قناة الجزيرة أن دمشق تعيد ترتيب سياستها الخارجية حول هدف داخلي محدد وهو إخراج الاقتصاد السوري من العزلة، وفتح الطريق أمام الاستثمار والتجارة والتمويل. فحديثه عن الولايات المتحدة وروسيا ودول الخليج وإسرائيل ولبنان لم يأت في مسارات منفصلة، وإنما رسم الإطار السياسي الذي ترى الحكومة أنه ضروري لإطلاق التعافي وإعادة سوريا إلى محيطها الاقتصادي.
وتقوم هذه المقاربة على تحويل الانفتاح السياسي الذي تحقق خلال الفترة الماضية إلى نتائج اقتصادية. فرفع العقوبات يفتح القنوات المصرفية والتجارية، والعلاقات الخليجية توفر رأس المال والخبرة، ويخفض التفاهم مع القوى الدولية المخاطر، فيما تهيئ مشروعات الطرق والطاقة والمطارات البنية التي تسمح لسوريا باستثمار موقعها بين العراق ولبنان والخليج وتركيا وشرق المتوسط.
ومن هذا المنطلق، تعرض المقابلة مشروعاً يتجاوز إصلاح الدمار الذي خلفته الحرب. فالحكومة تحاول بناء وظيفة اقتصادية جديدة لسوريا، تقوم على الربط والتجارة والاستثمار، بعد عقود ارتبطت فيها أهمية البلاد بالصراعات الإقليمية والتحالفات العسكرية.
السياسة الخارجية تصبح جزءاً من برنامج التعافي
أبرز ما تكشفه المقابلة أن السياسة الخارجية لم تعد ملفاً منفصلاً عن الاقتصاد. فقد ربط الشرع رفع العقوبات بالعلاقة مع الولايات المتحدة، وربط الانفتاح الخليجي بالاستثمارات، وتحدث عن روسيا من زاوية الحفاظ على ما يخدم المصالح السورية، فيما قدّم الاستقرار في الجوار باعتباره ضرورة تمنع استنزاف البلاد في صراعات جديدة.
تضع هذه الروابط السياسة الخارجية في خدمة برنامج التعافي وإعادة الإعمار. فسوريا تحتاج إلى أكثر من مصدر للتمويل والتكنولوجيا والأسواق. يستطيع رأس المال الخليجي الدخول في مشروعات الطاقة والمطارات والعقارات والسياحة، فيما يساعد الانفتاح على الولايات المتحدة وأوروبا في استعادة الوصول إلى النظام المالي الدولي والتأمين والتكنولوجيا والأسواق. وتستطيع روسيا والصين المحافظة على حضور في قطاعات الطاقة والصناعة والنقل والبناء ضمن علاقات يعاد ضبطها وفق أولويات المرحلة الجديدة.
وتسعى دمشق بذلك إلى بناء شبكة مصالح متوازنة تسمح لها بالحصول على التمويل والخبرة من أطراف متعددة. ويمنح تنويع الشراكات الحكومة مساحة أوسع للتفاوض، ويحد من تعرض الاقتصاد لقرارات طرف خارجي واحد.
غير أن هذه السياسة تتطلب إدارة دقيقة للتناقضات بين القوى المنخرطة في سوريا والمنطقة. فمصالح الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل وتركيا ودول الخليج لا تتطابق، وقد ترتبط الاستثمارات والتمويل بمطالب سياسية وأمنية مختلفة. وستظهر قدرة دمشق على حماية مشروعها الاقتصادي في مدى نجاحها في منع هذه التناقضات من التحول إلى قيود جديدة على التعافي وإعادة الإعمار.
رفع العقوبات ينقل المسؤولية إلى الداخل
يمثل رفع العقوبات تحولاً أساسياً، لأنه يزيل مجموعة من القيود التي عطلت التجارة والتحويلات والتمويل ودخول الشركات الأجنبية. فقد كانت الشركات التي تفكر في العمل داخل سوريا تواجه مخاطر قانونية ومصرفية مرتفعة، حتى عندما لا تشمل العقوبات نشاطها بصورة مباشرة، بسبب خشية المصارف وشركات التأمين من التعامل مع السوق السورية.
ومع تراجع هذه القيود، تنتقل المسؤولية بصورة أكبر إلى الداخل السوري. فالمشكلة الرئيسية تصبح قدرة المؤسسات على استقبال الاستثمار وإدارته وحمايته. ويشمل ذلك القوانين، والقضاء التجاري، والمصارف، وآليات منح التراخيص، وحقوق المستثمرين، ووضوح العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص.
وهنا تبرز أهمية حديث الشرع عن تعديل قوانين الاستثمار وإصلاح المنظومة القانونية والمصرفية. فإزالة العقوبات تفتح الباب، بينما تحدد البيئة الداخلية حجم الأموال التي ستدخل ومدة بقائها والقطاعات التي ستتجه إليها.
كما أن رفع العقوبات لا يضمن تلقائياً تدفق الاستثمارات الكبرى. فالشركات تقارن بين الأسواق وفق العائد والمخاطر وسهولة تحويل الأرباح واستقرار التشريعات. ولهذا سيكون على سوريا أن تنافس دولاً أخرى في المنطقة تعمل منذ سنوات على تطوير بيئة الأعمال والبنية التحتية والحوافز الاستثمارية.
الخليج أكثر من مصدر للتمويل
يحضر الخليج في المقابلة باعتباره الشريك الاقتصادي الأقرب إلى سوريا في المرحلة الحالية. وقد تحدث الشرع عن استثمارات في الطاقة والمطارات والعقارات والسياحة، وهي قطاعات تجمع بين الحاجة السورية الكبيرة والخبرة التي بنتها الشركات الخليجية خلال العقود الماضية.
لكن الأهمية الأعمق لهذا المسار تكمن في أن دمشق تبحث عن نموذج لتنظيم الاستثمار وإدارة المشروعات، إلى جانب حاجتها إلى التمويل. ويظهر ذلك في قول الشرع إن الاستفادة من نتائج التجارب الخليجية تمثل استثماراً بحد ذاتها.
وتحتاج سوريا إلى خبرات في تطوير المطارات والمناطق الصناعية والمدن والخدمات اللوجستية والطاقة، وفي بناء الشراكات بين الدولة والقطاع الخاص. كما هي بحاجة إلى مؤسسات قادرة على إعداد المشروعات وتقييمها وطرحها أمام المستثمرين.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة بسبب محدودية الموارد العامة واتساع الاحتياجات. فإعادة تأهيل الكهرباء والطرق والمياه والمطارات والسكن تتطلب تمويلاً يفوق قدرة الموازنة الحكومية. ولذلك سيعتمد جانب كبير من التعافي على قدرة الدولة على تحويل المشروعات إلى فرص استثمارية قابلة للتمويل والتنفيذ.
وسيكون الفارق بين النجاح والتعثر مرتبطاً بنوعية العقود وتوزيع المخاطر وضمان حقوق المستثمرين. فالمستثمر الخليجي يستطيع توفير المال والخبرة، لكنه يتطلب جهة حكومية قادرة على اتخاذ القرار، وأطر قانونية تسمح بتنفيذ المشروعات وتسوية النزاعات.
الموقع السوري والبنى التحتية والمصالح المشتركة
وصف الشرع سوريا بأنها "عقدة ربط تجارية كبيرة"، وهي عبارة تشير إلى أحد أهم مرتكزات التصور الاقتصادي الجديد. فالجغرافيا السورية تضع البلاد بين العراق والخليج وتركيا وشرق المتوسط، وتمنحها فرصة للمشاركة في حركة التجارة والطاقة بين هذه المناطق.
لكن الموقع الجغرافي لا يتحول تلقائياً إلى عوائد اقتصادية. فالممر التجاري يفترض تواجد طرق وسكك حديدية ومعابر ومرافئ وطاقة واتفاقات عبور. كما يحتاج إلى حجم كافٍ من التجارة يجعل استخدامه مجدياً للشركات والدول.
ومن هنا تأتي أهمية مشروعات الطرق والطاقة والمطارات التي أشار إليها الشرع. فهذه الاستثمارات هي التي تحول الموقع من ميزة على الخريطة إلى بنية تدر رسوماً، وتخلق وظائف، وتخفض كلفة النقل، وتربط المنتجين السوريين بالأسواق.
كما يتطلب نجاح هذا المسار بناء مصالح مشتركة مع دول الجوار. فالممرات الإقليمية لا تنشأ بقرار سوري منفرد، وإنما باتفاقات تتعلق بالجمارك والعبور والتأمين والمواصفات والتسويات المالية. وستكون دمشق في موقع أفضل إذا قدمت مشروعاتها ضمن شبكات أوسع تشمل العراق وتركيا ولبنان والأردن ودول الخليج.
وبذلك تصبح العلاقات الخارجية جزءاً من البنية الاقتصادية نفسها. فالتفاهم السياسي مع الجوار يؤثر في حركة الشاحنات والطاقة والبضائع، ويحدد ما إذا كانت سوريا ستدخل في شبكات الربط الإقليمي أو تبقى على هامشها.
الاستقرار يخفض كلفة الاقتصاد
جاء حديث الشرع عن لبنان وإسرائيل وإيران في إطار تجنب الصدامات والصراعات التي يمكن أن تعيد استنزاف سوريا. وتحمل هذه المقاربة معنى اقتصادياً واضحاً، لأن مخاطر الحرب تنعكس مباشرة على كلفة التمويل والتأمين والنقل والاستثمار.
فالشركات لا تقيّم السوق على أساس حجم الطلب والفرص وحدهما. هي تضع في حساباتها احتمالات تعطيل الطرق، وتضرر المنشآت، وتوقف التحويلات، وتغير القوانين، وصعوبة تنفيذ العقود. وكلما ارتفعت هذه المخاطر، ارتفع العائد الذي يطلبه المستثمر، أو تراجع عن الدخول إلى السوق.
لهذا يصبح الاستقرار أحد عناصر القدرة التنافسية للاقتصاد السوري. فهو يخفض كلفة المشروعات، ويشجع المستثمرين على الالتزام لفترات أطول، ويتيح توجيه الموارد إلى البنية التحتية والخدمات بدلاً من الإنفاق الأمني والعسكري.
وتكشف المقابلة أن دمشق تريد طمأنة المستثمرين والشركاء إلى أن أولويتها خلال المرحلة المقبلة هي البناء والتنمية. وستحتاج هذه الرسالة إلى أن تنعكس في سياسات ثابتة ومؤسسات قادرة على إدارة الأزمات ومنع امتدادها إلى النشاط الاقتصادي.
المصانع الجديدة تكشف بداية تحرك الإنتاج
أشار الشرع إلى دخول نحو 3700 مصنع جديد منذ بداية عام 2025، إلى جانب مشروعات الطرق والطاقة وإصلاح حقول النفط. ويهدف هذا الرقم إلى إظهار أن النشاط الاقتصادي بدأ يستعيد جزءاً من طاقاته بعد سنوات من الانكماش وتعطل الإنتاج.
غير أن قراءة الرقم تحتاج إلى معرفة حجم هذه المصانع وطبيعتها وتوزيعها القطاعي والجغرافي، وعدد المنشآت التي بدأت التشغيل الفعلي. فالأثر الاقتصادي يرتبط بحجم الاستثمار والوظائف والإنتاج، ومدى قدرة المصانع على تلبية الطلب المحلي أو التصدير.
وتكمن أهمية عودة الصناعة في قدرتها على توسيع أثر التعافي إلى قطاعات أخرى. فالمصانع تحتاج إلى مواد أولية ونقل وتعبئة وتمويل وخدمات، وتوفر في المقابل سلعاً تقلل الاعتماد على الواردات وتدعم الصادرات.
لكن توسع الصناعة سيظل مرتبطاً بتوفير الكهرباء والوقود والتمويل واللوجستيات. ولذلك فإن مشروعات الطاقة والطرق والمصارف تشكل أجزاء مترابطة من البرنامج نفسه.
كما أن عودة ملايين النازحين واللاجئين ترفع أهمية هذا المسار. فالعائدون يزيدون الطلب على السكن والسلع والخدمات، ويوفرون في الوقت نفسه قوة عاملة تحتاج إلى وظائف. ويمكن للصناعة والبناء والخدمات أن تستوعب جانباً من هذه العمالة عندما تتوسع الاستثمارات بوتيرة كافية.
من الانفتاح السياسي إلى دورة اقتصادية جديدة
تكشف مقابلة الشرع أن سوريا دخلت مرحلة أصبح فيها السؤال الأساسي مرتبطاً بقدرتها على تحويل الانفتاح الخارجي إلى دورة اقتصادية داخلية. فرفع العقوبات والعلاقات الخليجية وتحسن الصلات مع الغرب توفر ظروفاً أفضل، بينما تحدد الإصلاحات الداخلية ما إذا كانت هذه الظروف ستنتج استثمارات ومصانع ووظائف وصادرات.
وتقوم الرؤية المطروحة على سلسلة مترابطة تتضمن تخفيف الصراعات يخفض المخاطر، ورفع العقوبات يعيد فتح القنوات المالية، والإصلاح القانوني يطمئن المستثمرين، والاستثمار يمول البنية التحتية، والبنية التحتية تسمح لسوريا بالاستفادة من موقعها في التجارة والطاقة.
ويكمن التحدي في تنفيذ الرؤية والاصلاحات بطريقة مستدامة. فالتأخر في إصلاح المصارف يمكن أن يعرقل الاستثمار، وضعف الكهرباء يمكن أن يعطل الصناعة، وغياب القواعد الواضحة يمكن أن يبقي التعهدات عند حدودها السياسية.
لهذا ستعتمد نتائج المرحلة الجديدة على مدى قدرة الحكومة على تحويل تحسن العلاقات الخارجية إلى اقتصاد أكثر استقرارا وانتاجية.
تكمن أهمية المقابلة في أنها تضع الاقتصاد في صلب عودة سوريا إلى المنطقة والعالم. فدمشق تحاول الانتقال من إدارة العزلة إلى إدارة الاندماج، ومن توظيف الموقع في الصراعات إلى استثماره في التجارة والطاقة ورأس المال. ويحدد نجاح هذه النقلة شكل الاقتصاد السوري ومكانة البلاد الإقليمية خلال السنوات المقبلة.
الأكثر قراءة
-
"زين" و"إس تي سي" ترسمان خريطة الاستثمارات الرقمية في سوريا
-
دوكاب تعيّن ماتيو بافاريسكو رئيساً تنفيذياً للمجموعة
-
سكة الحجاز... مشروع يعيد المشرق إلى خريطة التجارة بين الخليج وأوروبا
-
المراعي في الربع الثاني: مبيعات أعلى وهوامش أقل مع ارتفاع الكلفة
-
"السعودية لإعادة التمويل العقاري" تسعّر صكوكاً دولية بـ2.75 مليار دولار

