العراق يدرس منظومة أنابيب لفتح منفذين نفطيين عبر تركيا وسوريا

  • 2026-07-21
  • 18:50

العراق يدرس منظومة أنابيب لفتح منفذين نفطيين عبر تركيا وسوريا

  • الاقتصاد والأعمال

يدرس العراق إنشاء منظومة أنابيب تنقل نفط حقول الجنوب إلى مسارين جديدين ينتهيان عند الساحل الشرقي للبحر المتوسط، أحدهما عبر تركيا إلى ميناء جيهان، والآخر عبر سوريا إلى ميناء بانياس، في محاولة لتقليل اعتماده شبه الكامل على موانئ الخليج ومضيق هرمز.

ويشارك في دراسة المشروع ائتلاف يضم شركتي "كابيتال تي آي" و"شيفرون" الأميركيتين، وشركة "يو سي سي" القطرية، إلى جانب شركة عراقية من القطاع الخاص، وفق ما أعلنه وزير النفط العراقي باسم محمد خضير العبادي.

غير أن المشروع لا يزال في مرحلة الدراسات والمقارنة بين المسارات، ولم يمنح الائتلاف عقداً نهائياً للتنفيذ. فقد وافق مجلس الوزراء العراقي في 4 يوليو 2026 على أن توقع شركة نفط البصرة اتفاق مبادئ واتفاقاً لحماية سرية المعلومات مع الائتلاف، لإعداد دراسات الجدوى الفنية والمالية، من دون أن تنشأ عن ذلك التزامات مالية أو تعاقدية نهائية على وزارة النفط. كما أذن لشركة نفط البصرة بالتعاقد مع شركة "كي بي آر" لتقديم الخدمات الاستشارية المتعلقة بخط البصرة - حديثة.

مساران قيد المقارنة

تشمل الدراسات مقارنة مسارين رئيسيين. يبدأ الأول من البصرة ويمر بحديثة وكركوك قبل أن يتصل بخط التصدير المتجه إلى ميناء جيهان التركي. أما الثاني فيمتد من البصرة إلى حديثة، ثم يتجه غرباً نحو ميناء بانياس السوري.

وفي 15 يوليو 2026، أوضح وزير النفط العراقي باسم محمد خضير العبادي، في تصريح نقلته وكالة الأنباء العراقية، أن التصور المطروح يتضمن منظومة أنابيب تمتد من البصرة إلى فيشخابور وترتبط بخط التصدير المتجه إلى جيهان، إلى جانب فرع من حديثة إلى ميناء بانياس السوري.

وجاء تصريح الوزير بعد نحو 11 يوماً من موافقة مجلس الوزراء على الاتفاقات الأولية الخاصة بإعداد الدراسات الفنية والمالية ومقارنة مساري البصرة-حديثة-كركوك-جيهان والبصرة-حديثة-بانياس. وأضاف التصريح تفصيلاً يتعلق بفيشخابور بوصفها إحدى نقاط الربط المحتملة للمسار التركي.

ولا يشكل ذلك بالضرورة اختلافاً بين مشروعين منفصلين، لأن الدراسات ما زالت تقارن الخيارات الفنية ونقاط الربط الممكنة. وقد تكون فيشخابور جزءاً من المسار المتجه شمالاً بعد مروره بحديثة وكركوك، أو خياراً لربط الأنبوب الجديد بالشبكة القائمة في شمال العراق.

وسيحدد المسار النهائي وفق حالة الأنابيب القائمة، وكلفة إنشاء المقاطع الجديدة، ومواقع محطات الضخ والتخزين، والطاقة التي يمكن توفيرها للتصدير.

فيشخابور نقطة ربط وليست ميناء تصدير

تقع فيشخابور في محافظة دهوك، بالقرب من الحدود العراقية مع تركيا وسوريا، وتمثل منطقة مهمة لربط شبكات الأنابيب العراقية بالخط الممتد إلى الأراضي التركية.

ويعني وصول النفط من البصرة إلى فيشخابور  نقله من جنوب العراق إلى نقطة قريبة من الحدود، لكنه لا يعني أن الطريق إلى ميناء جيهان أصبح متاحاً بصورة تلقائية. فالمرحلة التالية تحتاج إلى خط عامل داخل شمال العراق، ثم إلى الجزء التركي من الشبكة، وإلى اتفاق حكومي ينظم نقل النفط عبر الأراضي التركية.

ومن هنا، لا يمكن وصف المشروع حتى الآن بأنه خط مباشر من البصرة إلى جيهان. والأدق أنه يدرس إنشاء ممر من البصرة إلى شمال العراق، تمهيداً لربطه بمنظومة التصدير التركية إذا استكملت الاتفاقات القانونية والتشغيلية المطلوبة.

الاتفاق مع تركيا لم يحسم نهائياً

يخضع تشغيل خط العراق- تركيا لاتفاق حكومي يعود إلى سبعينات القرن الماضي، وجرى تجديده في عام 2010 لمدة 15 عاماً. وتنتهي مدة الاتفاق الحالي في 27 يوليو 2026.

وفي 9 يوليو، أعلن وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار أن بغداد وأنقرة وصلتا إلى المرحلة النهائية من إعداد اتفاق لمدة 12 شهراً يسمح باستمرار تشغيل الخط، وأن التوقيع كان مستهدفاً خلال أيام. ولم يكن قد صدر، حتى تاريخ إعداد هذا النص، إعلان موثق يؤكد توقيع اتفاق طويل الأجل أو اتفاق خاص بالكميات التي قد ينقلها مشروع البصرة الجديد.

وبذلك، فإن التفاهم الجاري مع تركيا يهدف إلى تجنب حدوث فراغ قانوني عند انتهاء الاتفاق الحالي، لكنه لا يحسم الشروط النهائية لاستخدام الخط خلال السنوات المقبلة.

وسيتطلب مشروع البصرة إلى تفاهم أوسع مع أنقرة يحدد الطاقة التي يمكن تخصيصها للكميات الجديدة، ورسوم النقل، ونقاط التسليم وقياس الكميات، ومسؤوليات الصيانة والتشغيل، والتعامل مع الأعطال والتعويضات والمنازعات.

وتبدي تركيا اهتماماً بزيادة استخدام الخط الممتد إلى جيهان، الذي ظل يعمل بأقل من طاقته لسنوات. غير أن الرغبة السياسية في استقبال مزيد من النفط العراقي لم تتحول بعد إلى اتفاق تنفيذي ملزم بشأن مشروع البصرة–شمال العراق.

شبكتان محتملتان داخل شمال العراق

لا يعتمد الوصول إلى تركيا بالضرورة على مسار واحد داخل العراق. فهناك حالياً شبكة تمر عبر إقليم كردستان وتصل إلى فيشخابور ثم إلى الحدود التركية، واستخدمت في نقل نفط الإقليم ونفط كركوك.

وفي مارس 2026، استؤنف ضخ نفط كركوك إلى جيهان بعد اتفاق بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان. وبدأ الضخ بنحو 170 ألف برميل يومياً، مع خطة لرفعه تدريجياً إلى 250 ألف برميل يومياً. ونص الاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة وتأمين المنشآت وإعادة الإيرادات إلى الخزينة الاتحادية.

لكن العراق يعمل في الوقت نفسه على إعادة تأهيل خط اتحادي قديم يمتد من كركوك إلى الحدود التركية، ويمكن أن يسمح بالتصدير إلى جيهان من دون المرور عبر شبكة أنابيب إقليم كردستان. وكان هذا الخط قد توقف في عام 2014 بعد تعرضه لهجمات متكررة، وبدأت بغداد في مارس 2026 فحص مقاطع منه تمهيداً لإعادته إلى الخدمة.

وهذا يعني أن مشروع البصرة يمكن أن يرتبط مستقبلاً بأحد خيارين: استخدام الشبكة القائمة داخل الإقليم بموجب اتفاق مع أربيل، أو الربط بخط اتحادي مباشر إذا نجحت بغداد في إعادة تأهيله.

وستحدد الدراسات أي الخيارين أقل كلفة وأكثر قدرة على توفير تدفقات مستقرة، وما إذا كانت أجزاء من المسارين تحتاج إلى إنشاء جديد بدلاً من الاكتفاء بإصلاح الأنابيب القائمة.

خلافات بغداد وأربيل لا تزال مؤثرة

أسهم اتفاق مارس في استئناف نقل نفط كركوك، لكنه لا يعني انتهاء جميع الخلافات النفطية بين بغداد وأربيل.

فملف نقل نفط كركوك الاتحادي عبر شبكة الإقليم يختلف عن ملف النفط المنتج داخل إقليم كردستان بواسطة الشركات الأجنبية. ويتعلق الملف الأول بإتاحة الأنابيب ونقل الكميات وإعادة الإيرادات إلى الخزينة الاتحادية، بينما يشمل الثاني تسليم النفط إلى شركة تسويق النفط العراقية "سومو"، وكلفة الإنتاج والنقل، ومستحقات الشركات الأجنبية، وتوزيع الإيرادات.

ولذلك، فإن أي اعتماد طويل الأجل على شبكة الإقليم يحتاج إلى اتفاق واضح بشأن الطاقة المتاحة للنفط القادم من الجنوب، ورسوم الاستخدام، وإدارة محطات الضخ، ومسؤولية الصيانة، وضمان استمرار التدفقات عند ظهور خلافات مالية أو سياسية.

أما إذا اختارت بغداد المسار الاتحادي المباشر، فسيتوقف نجاحه على اكتمال إعادة تأهيل الخط المتضرر وتأمينه وربطه بالمنظومة الجديدة القادمة من البصرة.

مسار من البصرة إلى بانياس

يقوم الخيار السوري على جزأين مترابطين. الأول هو إنشاء أو تطوير خط ينقل النفط من البصرة إلى حديثة في غرب العراق. والثاني هو إعادة تأهيل المسار الممتد من حديثة باتجاه ميناء بانياس على الساحل السوري.

ويرتبط هذا المشروع بخط كركوك-بانياس التاريخي، الذي كان يمثل أحد منافذ النفط العراقي إلى البحر المتوسط قبل أن يتوقف عن العمل. وقد وقعت بغداد ودمشق مذكرتي تفاهم لإعداد الدراسات الفنية والمالية المتعلقة بإعادة تأهيل المسار ووضع الأسس التنفيذية للمشروع.

ويوفر خط بانياس للعراق منفذاً غربياً لا يعتمد على الأراضي التركية، لكنه بحاجة إلى القيام بأعمال واسعة تشمل إصلاح الأنابيب ومحطات الضخ والخزانات ومرافق التصدير داخل سوريا، إلى جانب تأمين المسار والاتفاق على رسوم النقل والتشغيل.

كما يحتاج المشروع إلى تحديد ما إذا كانت الأنابيب القديمة قابلة لإعادة التأهيل، أو أن أجزاء كبيرة منها ستحتاج إلى استبدال كامل بعد سنوات طويلة من التوقف والأضرار.

طاقة المشروع لم تعتمد بعد

تدور التصورات الأولية حول منظومة يمكن أن تنقل كميات كبيرة من نفط الجنوب إلى تركيا وسوريا، وتحدثت تقديرات عن طاقة إجمالية قد تصل إلى نحو مليوني برميل يومياً.

لكن لم تعتمد هذه الطاقة بصورة نهائية، ولم يعلن حتى الآن مقدار ما سيخصص لكل مسار. وستحدد الدراسات قطر الأنابيب، وعدد محطات الضخ، وحالة المرافق القائمة، والكلفة الاستثمارية، والطاقة الاقتصادية الممكن تشغيلها.

كما لم تعلن وزارة النفط جدولاً زمنياً نهائياً أو كلفة إجمالية للمشروع أو نموذج تمويله، وما إذا كان سيقام بعقد حكومي مباشر، أو من خلال شراكة استثمارية، أو مقابل رسوم تحصل عليها الشركات المنفذة والممولة على الكميات المنقولة.

لماذا يحتاج العراق إلى منافذ جديدة؟

تخرج غالبية صادرات النفط العراقي من الموانئ الجنوبية عبر الخليج ومضيق هرمز. ويمنح هذا المسار العراق قدرة تصديرية كبيرة، لكنه يجعل الجزء الأكبر من الإيرادات مرتبطاً بمنفذ جغرافي واحد.

وتزداد أهمية إيجاد منافذ بديلة عند تعرض الملاحة في الخليج للاضطراب، لأن توقف الصادرات ينعكس سريعاً على الإنتاج والإيرادات العامة. ويعتمد العراق على مبيعات النفط في تمويل معظم الإنفاق الحكومي، ما يجعل تعدد منافذ التصدير مسألة مالية واقتصادية تتجاوز الجوانب الفنية للأنابيب.

ويمكن للمسارين التركي والسوري أن يسمحا بنقل جزء من نفط الرميلة وغرب القرنة وبقية حقول الجنوب إلى البحر المتوسط، ويوفرا مرونة أكبر في توزيع الصادرات بين الخليج وتركيا وسوريا.

مشروع عراقي تحكمه اتفاقات إقليمية

تكشف الخطط الجديدة أن العراق يسعى إلى بناء شبكة لا تقتصر على مد أنبوب من البصرة إلى شمال البلاد أو غربها. فنجاح المسار التركي يتطلب اتفاقاً مستقراً مع أنقرة واختيار نقطة الربط داخل العراق، سواء عبر شبكة إقليم كردستان أو عبر خط اتحادي مباشر.

ويتطلب المسار السوري إعادة تأهيل الجزء الممتد إلى بانياس، وتأمين التمويل والمنشآت، وتحويل مذكرات التفاهم مع دمشق إلى عقود تشغيل وتنفيذ.

ويمثل إشراك شركات أميركية وقطرية خطوة أولى في إعداد المشروع وتحديد جدواه، لكنه لا يعني أن الائتلاف حصل على عقد البناء أو أن مساري جيهان وبانياس أصبحا جاهزين.

وسيكون الاختبار الحقيقي في قدرة بغداد على الانتقال من الدراسات واتفاقات المبادئ إلى قرارات استثمارية وعقود ملزمة، تجمع بين إنشاء الأنابيب داخل العراق وتسوية شروط العبور والتشغيل مع تركيا وسوريا وإقليم كردستان.