الربط الكهربائي الخليجي... من أمن الإمدادات إلى المنافسة على الاقتصاد الرقمي
الربط الكهربائي الخليجي... من أمن الإمدادات إلى المنافسة على الاقتصاد الرقمي
-
بهيج أبو غانم
يدخل مشروع الربط الكهربائي الخليجي مرحلة تتجاوز الوظيفة التي أنشئ من أجلها قبل أكثر من 15 عاماً.
فالاجتماع السابع والستون للجنة الاستشارية والتنظيمية للربط الكهربائي، الذي عقد في الكويت، لم يركز فقط على أداء الشبكة وموثوقيتها، بل ناقش أيضاً حجم الكهرباء التي يمكن نقلها بين الدول عبر الشبكة، والرسوم التي تدفع مقابل استخدام القدرات الإضافية المتاحة للنقل في عام 2027، إلى جانب مشاريع التوسعة والربط الثنائي وتجارة الطاقة بين دول مجلس التعاون. وهي موضوعات تعكس انتقال المشروع تدريجياً من شبكة للدعم وقت الطوارئ إلى بنية تحتية لسوق كهرباء إقليمية أوسع.
ويأتي هذا التحول في بيئة تختلف جذرياً عن تلك التي شهدت بدء تشغيل الشبكة المشتركة في عام 2009. فقد أعادت حرب إيران أمن البنية التحتية إلى واجهة الاهتمام الخليجي، بعدما أظهرت أن منشآت الطاقة والنقل والمرافق الحيوية يمكن أن تدخل مباشرة في دائرة الصراع. وشملت الضربات الإيرانية على دول الخليج بنى مدنية واقتصادية حيوية، كما أبقت الحرب مخاطر استهداف محطات الكهرباء وتحلية المياه ضمن حسابات أمن البنية التحتية في المنطقة.
فالكهرباء تمثل أساساً لتشغيل بقية المرافق الحيوية. تعتمد عليها محطات المياه والموانئ والمطارات وشبكات الاتصالات والمصانع ومراكز البيانات. لذلك أصبحت قدرة النظام الكهربائي على امتصاص الصدمات واستعادة التوازن جزءاً من قدرة الاقتصاد على مواصلة العمل خلال الأزمات.
من أعطال الشبكة إلى مخاطر الحرب
قامت الفكرة الأصلية للربط الخليجي على حاجة مشتركة تواجه جميع شبكات الكهرباء الوطنية. فكل دولة تحتاج إلى الاحتفاظ بقدرات توليد احتياطية لمواجهة ارتفاع مفاجئ في الطلب أو خروج محطة كبيرة من الخدمة. وربط الشبكات الست يسمح بتقاسم جزء من هذا الاحتياطي ونقل الكهرباء بين الدول عند الحاجة.

وتصف هيئة الربط الشبكة بأنها شبكة أمان تحمي من الانقطاعات وترفع موثوقية الإمدادات، وفي الوقت نفسه تقلل تكاليف الوقود وتؤخر الحاجة إلى بناء محطات توليد جديدة.
لكن حرب إيران وسعت مفهوم الطوارئ. فقد ينخفض إنتاج الكهرباء نتيجة استهداف محطة أو خط نقل، أو تعطل منشأة غاز تغذي محطات التوليد، أو هجوم سيبراني على أنظمة التحكم. وفي هذه الحالات، يتيح الربط لمشغل الشبكة تعويض جزء من النقص سريعاً باستيراد الكهرباء من دولة أخرى، بدلاً من الاعتماد حصراً على قدرات التوليد المحلية.
ولا يمنع الربط إصابة المنشآت أو يلغي مخاطر الحرب. وتكمن قيمته في الحد من احتمال أن يؤدي توقف محطة أو وحدة توليد كبيرة إلى انقطاع واسع للكهرباء.
بهذا المعنى، أصبحت الشبكة شكلاً من أشكال الاحتياطي الكهربائي الموزع جغرافياً، إذ لا يبقى الدعم محصوراً بمحطات داخل الدولة نفسها، ويمكن أن يأتي من شبكات الدول الأخرى. وهي الفكرة نفسها التي برزت بعد الحرب في الموانئ وسلاسل الإمداد والنفط: تقليل الاعتماد على منشأة أو مسار واحد، وتوفير بدائل عند تعطل جزء من النظام.
اقتصاديات شبكة واحدة
للربط قيمة اقتصادية واضحة حتى في الظروف العادية. فبدلاً من أن تبني كل دولة قدرات توليد احتياطية كبيرة لمواجهة الطوارئ وحدها، يسمح الربط بتقاسم جزء من هذا الاحتياطي، ما يخفض الحاجة إلى استثمارات إضافية في محطات قد لا تستخدم إلا لفترات محدودة.
كما يمكن إنتاج كمية أكبر من الكهرباء في المحطات الأقل كلفة والأعلى كفاءة، ونقل جزء منها عبر الشبكة إلى الدول التي تواجه كلفة توليد أعلى. وهذا يقلل استهلاك الوقود ونفقات التشغيل والصيانة.
وبحسب هيئة الربط، تجاوزت الوفورات الاقتصادية المتراكمة للمشروع ثلاثة مليارات دولار بنهاية عام 2023، قبل أن ترتفع، وفق أحدث بيانات الهيئة، إلى نحو 3.6 مليار دولار منذ بدء تشغيل المشروع.
وتكتسب هذه الحسابات معنى أكبر بعد الحرب. فكلفة الكهرباء لا تحتسب فقط بسعر إنتاج الكيلوواط ساعة. هناك أيضاً خسائر توقف مصنع أو ميناء أو مصفاة أو مطار، وانقطاع شبكات الاتصالات والخدمات الرقمية. وقد تبدو سعة إضافية على الشبكة قليلة الاستخدام في الأيام العادية، ثم تصبح بالغة القيمة خلال ساعات من الأزمة.
لذلك لم تعد جدوى الربط تحسب فقط بالوقود والاستثمارات التي يوفرها. دخلت في الحساب أيضاً الخسائر التي يمكن تجنبها عندما تساعد الشبكة على استمرار نشاط اقتصادي أو مرفق حيوي في العمل خلال الأزمات.
من تبادل الدعم إلى تجارة الكهرباء
ويتغير أيضاً أسلوب استخدام الشبكة. ففي المرحلة الأولى، كان التركيز على الدعم المتبادل عند حدوث عطل. أما المرحلة المقبلة فتتجه أكثر نحو نقل الكهرباء لأسباب اقتصادية.
إذا كانت كلفة التوليد في دولة أقل خلال فترة معينة، يصبح من المجدي نقل الكهرباء إلى دولة أخرى بدلاً من تشغيل محطة أعلى كلفة فيها. ومع اتساع قدرات النقل وتطور آليات التسعير، يمكن استخدام موارد التوليد الخليجية بكفاءة أكبر.
ومن هنا تكتسب السعات الإضافية أهمية تجارية. فكلما توفرت قدرة غير مستخدمة على خطوط الربط، أمكن تخصيصها لنقل الكهرباء بين دولتين مقابل رسوم. وهذا يفسر النقاش الحالي حول رسوم استخدام السعات وتجارة الطاقة وتطوير القواعد التنظيمية اللازمة لسوق كهرباء أكثر نشاطاً.
وتعمل هيئة الربط الكهربائي لدول مجلس التعاون على زيادة قدرة الشبكة على هذا النوع من التبادل في اتجاهين: رفع سعات الربط داخل الخليج، وتوسيع نطاق الشبكة إلى أسواق جديدة.
فالهيئة تعمل على زيادة قدرة الربط مع الشبكة الإماراتية من 2400 إلى 3500 ميغاواط، من خلال إنشاء خط نقل بجهد 400 كيلوفولت بين محطة السلع في الإمارات ومحطة سلوى في السعودية، وتوسعة محطات مرتبطة به. ويحظى المشروع بتمويل بقيمة 752 مليون درهم من صندوق أبوظبي للتنمية.
كما تنفذ الهيئة مشروعاً لربط سلطنة عمان مباشرة بالشبكة الخليجية، بدلاً من ارتباطها الحالي عبر شبكة الإمارات. ويشمل المشروع خطوطاً بجهد 400 كيلوفولت تمتد نحو 530 كيلومتراً بين الإمارات وعُمان، ومحطات نقل جديدة لزيادة قدرة التبادل.
ويمتد نشاط الهيئة للمرة الأولى خارج دول مجلس التعاون عبر مشروع الربط مع العراق. ويتضمن خطوطاً مزدوجة بجهد 400 كيلوفولت تمتد 295 كيلومتراً من محطة الوفرة في الكويت إلى محطة الفاو في جنوب العراق، لتوفير نحو 500 ميغاواط في المرحلة الأولى، مع إمكان رفع القدرة لاحقاً إلى 1800 ميغاواط وفتح المجال أمام تجارة الكهرباء بين العراق ودول الخليج.
لكن دول الخليج تواجه تحدياً مشتركاً. فالطلب يبلغ ذروته صيفاً وفي أوقات متقاربة بسبب التكييف، ما يعني أن عدة دول قد تحتاج إلى قدرات إضافية في الوقت نفسه. وتكون فوائد الربط أكبر عندما تختلف فترات الذروة بين سوق وأخرى. لذلك تزداد أهمية توسيع النطاق الجغرافي للشبكة وربطها مستقبلاً بأسواق ذات أنماط طلب ومصادر توليد مختلفة.
الطاقة المتجددة تزيد قيمة الربط
ويضيف توسع الطاقة الشمسية والرياح وظيفة أخرى للشبكة. إذ يتغير إنتاج الكهرباء من هذه المصادر خلال ساعات اليوم، وقد تمتلك دولة فائضاً في وقت تحتاج فيه دولة أخرى إلى طاقة إضافية.
فالربط يسمح بنقل فائض الكهرباء من دولة إلى أخرى في اللحظة نفسها، بينما تسمح البطاريات بتخزين الفائض واستخدامه في ساعات لاحقة. لذلك يؤدي الربط والتخزين وظيفتين متكاملتين مع توسع الطاقة المتجددة.
كما أن تنويع مصادر الكهرباء يعزز أمن الإمدادات. فالاعتماد الواسع على الغاز يجعل التوليد معرضاً لمخاطر تعطل الإنتاج أو المعالجة أو النقل. وكلما تنوعت مصادر التوليد بين الغاز والطاقة الشمسية والرياح والطاقة النووية والتخزين، ازدادت قدرة الشبكة الخليجية على تعويض النقص في دولة من فائض متاح في دولة أخرى.
غير أن اتساع الشبكة وزيادة الاعتماد عليها يرفعان أيضاً كلفة أي خلل يصيبها. لذلك تزداد أهمية الأمن السيبراني، وأنظمة عزل الأعطال، وتعدد مسارات النقل، ومراكز التشغيل البديلة، ومخزونات المعدات وقطع الغيار الحساسة. فالشبكة لا تحقق هدفها إذا تحول عطل محلي إلى اضطراب ينتقل إلى شبكات أخرى، ما يجعل القدرة على عزل الجزء المتضرر سريعاً جزءاً أساسياً من أمن المنظومة.
الكهرباء تدخل المنافسة على مراكز البيانات
ويضيف صعود مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي سبباً جديداً لتطوير الشبكة الخليجية. فدول المنطقة تنفق مليارات الدولارات لتعزيز موقعها في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي واستضافة البيانات. ويرتبط نجاح هذه الاستراتيجية بكفاية إمدادات الكهرباء واستقرارها وتنافسية أسعارها.

وتعد مراكز البيانات من أكثر الأنشطة كثافة في استهلاك الكهرباء. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يتضاعف استهلاكها العالمي تقريباً من نحو 485 تيراواط ساعة في عام 2025 إلى نحو 950 تيراواط ساعة في 2030، مع نمو أسرع في المراكز المخصصة للذكاء الاصطناعي. وكان استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات قد قفز 17 في المئة خلال 2025، مقابل نمو بنحو 3 في المئة للطلب العالمي على الكهرباء.
وهذه الأرقام تجعل الكهرباء عاملاً في تحديد خريطة الاقتصاد الرقمي العالمي. فالشركات التي تبني منشآت حوسبة بمليارات الدولارات تنظر إلى حجم الطاقة المتاحة وسرعة توصيلها وموثوقية الإمدادات وكلفتها على مدى سنوات.
في السعودية، ارتفعت القدرة التشغيلية لمراكز البيانات من 68 ميغاواط في عام 2021 إلى أكثر من 440 ميغاواط في 2025، مع وجود أكثر من 60 مركزاً واستثمارات تتجاوز 16 مليار ريال. وأعلنت المملكة أنها تعمل على بناء 6.9 غيغاواط من قدرات مراكز البيانات بحلول 2034، منها ثلاثة غيغاواط بحلول 2030، مستندة إلى قدرات كهربائية متاحة لدعم مشاريع الحوسبة والذكاء الاصطناعي.
وفي الإمارات، تبرز العلاقة بين الكهرباء والطموح الرقمي في مجمع الذكاء الاصطناعي الإماراتي الأميركي الذي يجري تطويره في أبوظبي بطاقة تصل إلى خمسة غيغاواط لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. ويضم المجمع مشروع "ستارغيت الإمارات" بقدرة تبلغ غيغاواط واحد، على أن تدخل أول مجموعة بقدرة 200 ميغاواط الخدمة في 2026. ويعتمد المشروع على مزيج من الطاقة النووية والشمسية والغاز، ما يوضح حجم الاحتياجات الكهربائية لمشاريع الحوسبة العملاقة.
ويمتد التوسع إلى بقية دول الخليج، من زيادة قدرات مراكز البيانات في قطر إلى تطوير البنية السحابية في البحرين والكويت. وتختلف أحجام المشاريع، لكن اتجاهها واحد: استضافة مزيد من البيانات والحوسبة داخل المنطقة، بما يضيف أحمالاً جديدة إلى شبكات الكهرباء.
وتتجاوز أهمية الكهرباء القطاع الرقمي. فبرامج التنويع الاقتصادي الخليجية تقوم أيضاً على توسع الصناعة والتعدين والخدمات اللوجستية والسياحة وغيرها من الأنشطة غير النفطية. وهذه القطاعات تحتاج إلى طاقة كافية ومستقرة وتنافسية حتى تتمكن من النمو وجذب الاستثمار. وكلما اتسعت القاعدة الاقتصادية غير النفطية، زادت قدرتها على توليد الإيرادات والوظائف وتقليل حساسية الاقتصاد والمالية العامة لتقلبات أسواق النفط.
من هنا تدخل قوة الشبكة الكهربائية في صلب التحول الاقتصادي الخليجي. ويدخل في حساب المستثمر كل من البنية التحتية والحوافز والموقع، إلى جانب قدرة الدولة على توفير الطاقة المطلوبة بسرعة وبصورة مستقرة وبكلفة تنافسية.
وهنا يعزز الربط موثوقية الإمدادات، لأنه يتيح للشبكة الوطنية الحصول على دعم من دول أخرى عند فقدان قدرات توليد أو ارتفاع الطلب بصورة مفاجئة.
وبعد حرب إيران، تزداد أهمية هذه الميزة. فالخليج يسعى إلى استضافة جزء أكبر من البنية الحوسبية العالمية وخدمات الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع بناء قاعدة أوسع من الصناعات والأنشطة غير النفطية. وهذه الاستثمارات تحتاج إلى كهرباء مستقرة وقابلة للتوسع حتى في الظروف الإقليمية الاستثنائية.
شبكة للسوق والاقتصاد الجديد
توسعة شبكة الربط لم تعد مسألة فنية تخص قطاع الكهرباء وحده. فكلما زاد اعتماد اقتصادات الخليج على الصناعات المتقدمة والخدمات الرقمية ومراكز البيانات، ارتفعت كلفة أي نقص أو اضطراب في الإمدادات. كما أظهرت حرب إيران أن وفرة قدرات التوليد داخل كل دولة لا تكفي وحدها لضمان استمرار النشاط في الظروف الاستثنائية.
من هنا تتغير قيمة الربط الخليجي. فزيادة السعات، وتطوير تجارة الكهرباء، وتوسيع الشبكة خارج دول المجلس يمكن أن تحولها إلى إحدى ركائز المرونة الاقتصادية في المنطقة. ومع تصاعد الطلب على الكهرباء، سيصبح نجاح المشروع مرتبطاً بقدرته على توفير طاقة مستقرة وتنافسية وقابلة للتوسع للاقتصاد الذي تبنيه دول الخليج خلال السنوات المقبلة.
الأكثر قراءة
-
بعد ربع قوي... "العالمية القابضة" تستثمر في سهمها
-
السعودية ولبنان أمام معادلة الدولة أولاً، ثم الثقة والاقتصاد
-
"سينومي سنترز" توصي بزيادة رأسمالها عبر أسهم منحة وبرنامج لتحفيز الموظفين
-
تعديل قانون مؤسسة البترول الكويتية: توسيع الدور نحو الطاقة الجديدة وتعزيز الحوكمة والمرونة التشغيلية
-
استحواذ جديد يعزز حضور "أديس" في السعودية ويضيف 3.8 مليارات ريال إلى أعمالها

