أنظمة الإفلاس في الخليج... الحلقة الجديدة في إصلاح بيئة الأعمال
أنظمة الإفلاس في الخليج... الحلقة الجديدة في إصلاح بيئة الأعمال
-
بهيج أبو غانم
تتطور أنظمة الإفلاس في دول الخليج مع التحولات الاقتصادية التي تشهدها المنطقة. فمع توسع دور القطاع الخاص وازدياد عدد الشركات الصغيرة والناشئة وتنوع مصادر التمويل، أصبحت حالات التعثر جزءاً طبيعياً من دورة الأعمال.
لذلك أصبحت كفاءة التعامل مع الشركات المتعثرة عنصراً أساسياً في بيئة الاستثمار، إلى جانب سهولة تأسيس الأعمال والحصول على التمويل، سواء عبر إنقاذ الشركات القابلة للاستمرار أو تصفية غير القابلة للحياة بطريقة منظمة.
لهذا، اتجهت معظم دول الخليج خلال السنوات الأخيرة إلى تحديث قوانين الإفلاس لديها. وتقوم الفكرة الجديدة على التدخل قبل انهيار الشركة، وإعطائها فرصة لإعادة تنظيم ديونها إذا كان نشاطها قابلاً للاستمرار، مع توفير مسار أسرع لتصفية الشركات التي فقدت جدواها الاقتصادية. وهو توجه يتفق مع المبادئ التي تطرحها لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي والبنك الدولي، والتي تربط فاعلية أنظمة الإعسار بسرعة معالجة التعثر، والحفاظ على الوظائف، وإعادة استخدام أصول الشركات غير القابلة للاستمرار في أنشطة أكثر إنتاجية، وتحسين فرص الحصول على الائتمان.

السعودية تبني منظومة متعددة المسارات
كانت السعودية من أبرز الدول الخليجية التي أعادت بناء منظومة الإفلاس مع صدور النظام عام 2018. وأدخل النظام التسوية الوقائية وإعادة التنظيم المالي إلى جانب التصفية، وأنشأ مسارات خاصة لصغار المدينين. وتوضح لجنة الإفلاس أن التسوية الوقائية تسمح للمدين بالاتفاق مع دائنيه مع الاحتفاظ بإدارة النشاط، فيما تتم إعادة التنظيم المالي تحت إشراف أمين متخصص.
ويكتسب تخصيص إجراءات مبسطة لصغار المدينين أهمية خاصة. فالأنظمة المصممة لإعادة هيكلة شركة كبيرة قد تكون مكلفة ومعقدة بالنسبة إلى مؤسسة صغيرة. وفي السعودية، يشمل الإطار إجراءات مبسطة للمدينين الذين لا تتجاوز ديونهم مليوني ريال، مع إمكانية استمرار النشاط خلال التسوية أو إعادة التنظيم.
ويزداد دور هذه الأدوات مع توسع تمويل القطاع الخاص وارتفاع عدد المنشآت. لكن فعاليتها ترتبط بقدرة الشركات على طلب الحماية مبكراً، قبل نفاد السيولة وفقدان العملاء والموردين. ففرص إنقاذ النشاط تتراجع كثيراً عندما تصل الشركة إلى المحكمة بعد استنزاف معظم مواردها المالية.
الإمارات تفصل بين الشركات والأفراد
أعادت الإمارات تحديث إطارها مع صدور قانون إعادة التنظيم المالي والإفلاس الاتحادي رقم 51 لعام 2023، ثم اللائحة التنفيذية في 2024. ويوفر القانون مسارات للتسوية الوقائية وإعادة الهيكلة والإفلاس، ضمن إطار أكثر تنظيماً لإدارة التعثر.
وتتميز التجربة الإماراتية بوجود إطار منفصل لمعالجة إعسار الأشخاص الطبيعيين، أي الأفراد العاجزين عن سداد ديونهم. وهذه نقطة مهمة في منطقة تتداخل فيها أحياناً ديون صاحب المشروع الشخصية مع ديون نشاطه، خصوصاً لدى المؤسسات الفردية والشركات الصغيرة التي يعتمد تمويلها على الضمانات الشخصية.
يضاف إلى ذلك وجود أنظمة متخصصة في المراكز المالية، ما يمنح الإمارات خبرة في قضايا إعادة الهيكلة ذات الطابع الدولي. ويكمن التحدي في ضمان التنسيق بين الأطر المختلفة، وتوفير إجراءات يمكن للشركات الصغيرة تحمل كلفتها، بحيث تكون إعادة الهيكلة متاحة أيضاً للمنشآت التي لا تملك القدرة على الاستعانة بفرق كبيرة من المستشارين.
البحرين وعُمان والكويت... الانتقال نحو الإنقاذ
اعتمدت البحرين قانون إعادة التنظيم والإفلاس في 2018، في تحول أعطى مساحة أوسع لاستمرار النشاط وإعادة تنظيم الديون. وقد استلهم النظام بعض المبادئ المرتبطة بإعادة التنظيم في الفصل الحادي عشر الأميركي.
وفي سلطنة عُمان، صدر قانون الإفلاس بالمرسوم السلطاني رقم 53 لعام 2019، وألغى الباب السابق المتعلق بالإفلاس والصلح الواقي في قانون التجارة، ليضع إطاراً مستقلاً لمعالجة التعثر.
أما الكويت، فأصدرت قانون الإفلاس رقم 71 لعام 2020 وأنشأت محكمة مختصة بالإفلاس. كما استمر تطوير الإطار القانوني، وظهر ذلك في تعديل مرتبط بالقانون خلال عام 2025.
وتشترك هذه التجارب في تقليص الاعتماد على التصفية باعتبارها المخرج الطبيعي من التعثر، وإعطاء مساحة أكبر لإعادة تنظيم الديون واستمرار النشاط عندما تكون الشركة قابلة للحياة.
قطر وفرصة تحديث الإطار
ما زالت أحكام الإفلاس الأساسية في قطر واردة في قانون التجارة رقم 27 لعام 2006، وتقوم في جانب مهم منها على مفهوم توقف التاجر عن دفع ديونه التجارية.
ولهذا تملك قطر مساحة أوسع لتحديث الإطار باتجاه أدوات التدخل المبكر وإعادة الهيكلة الحديثة، خصوصاً مع توسع دور القطاع الخاص واستمرار الجهود لجذب الاستثمار وتعزيز مكانة الدولة كمركز مالي وأعمال. ويمكن الاستفادة من التجارب الخليجية والدولية في تصميم إجراءات مبسطة للشركات الصغيرة، وتنظيم التمويل خلال إعادة الهيكلة، ومعالجة تداخل الديون الشخصية والتجارية لرواد الأعمال.
الإفلاس الفردي... الحلقة الأقل تطوراً
تركز معظم المناقشات الخليجية على إفلاس الشركات، مع أن الإفلاس أو الإعسار الفردي يحمل أهمية متزايدة لريادة الأعمال.
فصاحب المشروع الصغير قد يؤسس شركة، لكنه يقدم منزله أو أمواله الشخصية ضماناً للحصول على قرض. وعندما يفشل المشروع، تنتهي الشركة قانونياً بينما تبقى الديون والضمانات تلاحق المؤسس سنوات طويلة. في هذه الحالة، يصبح من الصعب الحديث عن فرصة ثانية حقيقية لرائد الأعمال.
توصي لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي بأن تعالج الأنظمة المبسطة جميع ديون صاحب المشروع الفردي ضمن إجراء واحد، أو أن تضمن التنسيق بين الإجراءات المرتبطة بها. كما تشدد على ضرورة توفير التصفية وإعادة التنظيم المبسطتين للمشروعات الصغيرة.
ويمكن القول إن الخليج حقق تطوراً مهماً خلال سنوات قليلة في تحديث أنظمة الإفلاس والتعثر، لكنه لا يزال بحاجة إلى نقاش أوسع حول إعسار الأفراد. المطلوب حماية المدين حسن النية، ووضع خطة سداد تتناسب مع دخله، والسماح بالإعفاء من جزء من الالتزامات بعد استيفاء شروط واضحة. وفي المقابل، يجب أن تبقى حالات الاحتيال وإخفاء الأصول وإساءة استخدام الائتمان خارج هذه الحماية.
القانون وحده لا ينقذ الشركات
قطعت دول الخليج شوطاً مهماً في التشريع، لكن التحدي الأساسي انتقل إلى التطبيق. وأولى المشكلات هي التأخر في طلب الحماية. فكثير من الشركات تبدأ التفاوض الجدي مع الدائنين بعدما تتوقف عن دفع الرواتب والموردين وتفقد رأس مالها التشغيلي.
تحتاج الأنظمة إلى أدوات إنذار مبكر تساعد الشركات، خصوصاً الصغيرة منها، على اكتشاف تدهور السيولة قبل بلوغ مرحلة العجز الكامل. ويضع الاتجاه الأوروبي الحديث آليات الإنذار المبكر وإعادة الهيكلة الوقائية في صلب التعامل مع التعثر.
وتبرز أيضاً مشكلة التمويل. فالشركة قد تحصل على موافقة لإعادة الهيكلة، لكنها تحتاج إلى سيولة لشراء المخزون ودفع الرواتب وتشغيل المصانع. ومن دون إطار يحمي التمويل الجديد ويحدد أولويته، تصبح قدرة الشركة على تنفيذ خطة الإنقاذ محدودة.
كما تحتاج المنطقة إلى مزيد من المتخصصين في إعادة الهيكلة. فهذه المهمة تتجاوز المحاسبة والقانون إلى فهم النشاط والتدفقات النقدية والتقييم والتفاوض مع الدائنين. وكلما طال الإجراء ارتفعت كلفته وتراجعت فرصة بقاء الشركة.
وتبقى كفاءة القضاء عاملاً حاسماً. فإعادة الهيكلة تحتاج إلى قضاة ودوائر متخصصة تستطيع فهم طبيعة الأزمة المالية واتخاذ القرارات بسرعة، لأن الشركة قد تفقد عقودها وعملاءها خلال فترة قصيرة حتى لو انتهت القضية لاحقاً إلى نتيجة قانونية جيدة.
دروس من التجارب العالمية
تقدم الولايات المتحدة نموذجاً يسمح للشركة، في كثير من الحالات، بمواصلة إدارة أعمالها خلال إجراءات الفصل الحادي عشر، مع خضوعها لرقابة المحكمة والتزامات واضحة تجاه الدائنين. والدرس الأبرز هنا هو الحفاظ على النشاط أثناء البحث عن تسوية.
وفي بريطانيا، تتعدد الأدوات بين الترتيبات الطوعية والإدارة وخطط إعادة الهيكلة، ما يتيح اختيار المسار الأنسب بحسب درجة التعثر وطبيعة الشركة. وتوفر بعض هذه الإجراءات حماية مؤقتة من تحركات الدائنين إلى حين البحث عن حل.
أما سنغافورة، فركزت على بناء مركز لإعادة الهيكلة الدولية، وطورت أدوات للتعامل مع القضايا العابرة للحدود والاعتراف بإجراءات أجنبية، بالتوازي مع رفع كفاءة المتخصصين في هذا المجال.
وتفيد هذه التجارب بأن النظام الفعال لا يعتمد على نموذج واحد. الأهم هو وجود أدوات مختلفة تناسب حجم الشركة وطبيعة تعثرها، مع قدرة على التحرك السريع والتعامل مع القضايا العابرة للحدود.
من قانون للإفلاس إلى سياسة لاستدامة الأعمال
انتقل ملف الإفلاس في الخليج من مرحلة تحديث القوانين إلى اختبار النتائج. فالمعيار أصبح قدرة هذه الأنظمة على التدخل مبكراً، وإنقاذ الشركات القابلة للاستمرار، واختصار مدة التصفية، وتحسين ما يسترده الدائنون.
كما أن تكامل الاقتصادات الخليجية يفرض تطوير التعاون في حالات الإفلاس العابرة للحدود. فشركة خليجية قد تكون مسجلة في دولة، وتحمل أصولاً في أخرى، وتقترض من بنوك في عدة أسواق. ومعالجة تعثرها من خلال إجراءات منفصلة قد تبدد قيمة كان يمكن الحفاظ عليها ضمن عملية منسقة.
إن تطوير أنظمة الإفلاس يرتبط مباشرة بالتحول نحو اقتصادات أكثر اعتماداً على القطاع الخاص وريادة الأعمال. فالاقتصاد الذي يشجع تأسيس آلاف الشركات يحتاج أيضاً إلى طريقة فعالة للتعامل مع تعثر بعضها.
والهدف هو فرز الشركات القابلة للحياة مبكراً، وإعادة تنظيمها بسرعة، وتحرير أصول الشركات غير المجدية، ومنح رائد الأعمال حسن النية فرصة للعودة إلى النشاط. عندها يتحول الإفلاس من نهاية للمشروع إلى إحدى أدوات استدامة الاقتصاد وتجديده.
الأكثر قراءة
-
جهاز قطر للاستثمار و"ICEYE" التموضع في اقتصاد الفضاء والذكاء السيادي
-
"مصدر" تدخل شراكة جديدة مع "ريبسول" في إسبانيا وتوسع محفظتها الاوروبية في الطاقة المتجددة
-
رئيس اتحاد الغرف السعودية يرحب باستئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة
-
السعودية ولبنان أمام معادلة الدولة أولاً، ثم الثقة والاقتصاد
-
تعديل قانون مؤسسة البترول الكويتية: توسيع الدور نحو الطاقة الجديدة وتعزيز الحوكمة والمرونة التشغيلية

