هيئة الأصول الحكومية في عُمان: خطوة جديدة لتعزيز القيمة الاقتصادية للملكية العامة

  • 2026-06-21
  • 16:06

هيئة الأصول الحكومية في عُمان: خطوة جديدة لتعزيز القيمة الاقتصادية للملكية العامة

  • كتب فيصل أبوزكي

يأتي إقرار مجلس الوزراء في سلطنة عُمان إنشاء هيئة الأصول الحكومية في مرحلة اقتصادية بالغة الدلالة. فالقرار يتجاوز كونه إجراءً تنظيمياً جديداً في هيكل الدولة، ويعكس انتقالاً أوسع في طريقة إدارة المال العام والثروة العامة، من منطق حيازة الأصول إلى منطق قياس قيمتها الاقتصادية، وتعظيم عوائدها، وربطها مباشرة بكفاءة المالية العامة ومسار التنويع الاقتصادي.

لذلك يمكن اعتبار الهيئة الجديدة كإحدى الأدوات المؤسسية التي تحتاجها عُمان في المرحلة الثانية من تنفيذ رؤية عُمان 2040، حيث تصبح جودة الإدارة العامة، وحوكمة الأصول، ورفع إنتاجية رأس المال الحكومي جزءاً أساسياً من معادلة النمو.

يضع تصريح وزير المالية العماني، سلطان بن سالم الحبسي، القرار في إطاره المباشر. فالهيئة ستعمل، بحسب ما أوضح، على إرساء إطار مؤسسي متكامل لحوكمة وإدارة واستغلال الأصول الحكومية في السلطنة، ووضع معايير ونماذج تشغيلية موحدة لإدارتها، بما يعزز كفاءة استخدامها ويحافظ على قيمتها السوقية، ويطور منظومة لتعظيم استثمارها واستغلالها.

وتكشف هذه العبارات أن المسألة تتعلق بمنظومة كاملة لإدارة الثروة العامة، تبدأ من الحصر والتقييم والتصنيف، وتمتد إلى التشغيل والاستثمار والتخارج والشراكة مع القطاع الخاص، وتنتهي برفع مساهمة الأصول في الإيرادات العامة.

تعظيم العائد على أصول الدولة

خلال السنوات الأخيرة، قطعت عُمان شوطاً مهماً في إعادة ضبط ماليتها العامة. فقد ساعد الانضباط المالي وتحسن أسعار الطاقة وإدارة الدين على تعزيز الثقة بالاقتصاد العُماني وفتح المجال أمام مرحلة جديدة من النمو.

غير أن الاستدامة المالية في دولة منتجة للطاقة تحتاج إلى قاعدة أوسع من مصادر الدخل، وإلى إدارة أكثر كفاءة لكل ما تملكه الدولة من شركات، وأراضٍ، وعقارات، وبنية تحتية، ومرافق، وحقوق اقتصادية، وأصول قابلة للتطوير أو الاستثمار.

من هنا تبرز أهمية هيئة الأصول الحكومية. فالمال العام لا يتمثل فقط في الإيرادات الضريبية أو النفطية أو الرسوم الحكومية، وإنما أيضاً في الأصول المملوكة للدولة وقدرتها على توليد تدفقات مالية مستدامة.

قد يكون بعض هذه الأصول مستغلاً بكفاءة عالية، وبعضها قد يحتاج إلى إعادة هيكلة أو دمج أو تطوير، وبعضها قد يملك قيمة كامنة لا تظهر في الحسابات العامة طالما بقي خارج إطار حوكمة موحد. يمكن أن تسد الهيئة الجديدة هذه الفجوة عبر بناء قاعدة بيانات وطنية دقيقة للأصول، وتحديد قيمتها، وقياس أدائها، ووضع مؤشرات لعائدها الاقتصادي والمالي.

وهذا ما يحول إدارة الأصول الحكومية إلى سياسة مالية موازية. فكل أصل غير مستغل يمثل تكلفة فرصة ضائعة، وكل أصل يدار بكفاءة يمكن أن يتحول إلى مصدر دخل، أو منصة لجذب الاستثمار، أو ضمانة لتحسين جودة الخدمات، أو رافعة لتطوير قطاعات جديدة. وهنا يكون جوهر التحول الذي تسعى إليه عُمان هو رفع إنتاجية الدولة ذاتها، وتحويل ملكيتها الواسعة إلى مساهمة أكبر في النمو والإيرادات.

رؤية عُمان 2040 وحاجة الاقتصاد إلى مؤسسات تنفيذية أكثر كفاءة

ترتكز رؤية عُمان 2040 على اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة وتنافسية، وعلى قطاع خاص أكثر حضوراً، وعلى إدارة حكومية أكثر كفاءة. وقد جاءت الخطة الخمسية الحادية عشرة 2026–2030 بوصفها المرحلة التنفيذية الثانية للرؤية، مع تركيز واضح على التصنيع، والسياحة، والاقتصاد الرقمي، والتعدين، والأمن الغذائي، والطاقة المتجددة، والنقل واللوجستيات.

يتطلب تطويرهذه القطاعات وجود أصول حكومية منظمة ومهيأة للاستثمار تتضمن أراضٍ صناعية وسياحية، وموانئ، ومناطق اقتصادية، وبنية تحتية رقمية، ومرافق لوجستية، وشركات عامة تستطيع أن تعمل وفق قواعد تجارية أكثر وضوحاً.

وهذا ما يجعل هيئة الأصول الحكومية حلقة وصل بين الرؤية الاقتصادية والقدرة التنفيذية للدولة. فالخطط التنموية تقوم على أصول قابلة للتعبئة، ويتطلب القطاع الخاص وضوحاً في الملكية والتسعير والعقود والحوكمة، ويبحث المستثمر الأجنبي عن جهة قادرة على تنظيم الفرص وتحويلها إلى مشاريع قابلة للتمويل.

وتمثل الهيئة، في هذا السياق، الإطار المؤسسي الذي يربط بين ما تملكه الدولة من أصول وبين ما تسعى إليه من نمو واستثمار وتنويع اقتصادي.

 لذلك، فإن نجاح الهيئة لن يقاس فقط بما تضيفه من إيرادات مباشرة إلى الخزينة، وإنما أيضاً بما تخلقه من قابلية أعلى للاستثمار، وبما تتيحه من شراكات بين الحكومة والقطاع الخاص.

تكامل مع جهاز الاستثمار العُماني

يطرح إنشاء هيئة الأصول الحكومية سؤالاً مؤسسياً مهماً حول موقعها إلى جانب جهاز الاستثمار العُماني. الجهاز قائم فعلاً كذراع سيادية واستثمارية تدير أصول الدولة محلياً وخارجياً، وتستثمر عبر محافظ وصناديق تشمل صندوق التنمية الوطني، وصندوق الأجيال القادمة، وصندوق عُمان المستقبل. كما يتولى الجهاز دوراً مهماً في تحسين أداء الشركات الحكومية، وتوجيه بعض الاستثمارات نحو قطاعات رؤية عُمان 2040، وتعزيز العوائد وتنويع المخاطر.

أما الهيئة الجديدة، وفق ما يظهر من تصريح وزير المالية، فتبدو أقرب إلى منصة حوكمة شاملة للأصول الحكومية بمفهومها الواسع، بما يشمل وضع المعايير والنماذج التشغيلية، وتنظيم إدارة واستغلال الأصول، وتطوير منظومة لتعظيم الاستثمار فيها.

وهذا قد يفتح المجال أمام توزيع أكثر وضوحاً للأدوار. يدير جهاز الاستثمار العُماني الاستثمارات والمحافظ والشركات وفق منطق استثماري، بينما تضع هيئة الأصول الحكومية الإطار العام لحصر الأصول الحكومية وتنظيم استخدامها ورفع كفاءتها وربطها بإيرادات الدولة والتنمية الاقتصادية.

سيكون هذا التكامل بالغ الأهمية. فنجاح التجربة يتطلب تفادي التداخل المؤسسي، وتحديد العلاقة بين وزارة المالية، والهيئة الجديدة، وجهاز الاستثمار العُماني، والوزارات المالكة أو المستخدمة للأصول، والبلديات والمحافظات، والشركات الحكومية. وكلما كانت الحدود المؤسسية أكثر وضوحاً، زادت قدرة الهيئة على إنتاج قيمة حقيقية بدل أن تتحول إلى طبقة إدارية إضافية.

تحرير القيمة الكامنة في الأراضي والعقارات والبنية التحتية

تمتلك الحكومات عادة محفظة واسعة من الأصول التي لا تظهر قيمتها الكاملة في الموازنة العامة. فأصول كالأراضي غير المطورة، والمباني الحكومية، والمرافق، والموانئ، والمناطق الصناعية، والعقارات السياحية، وحقوق الانتفاع، كلها يمكن أن تتحول إلى مصادر قيمة إذا جرى تصنيفها وإدارتها وتسعيرها بطريقة اقتصادية.

وفي حالة عُمان، تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بسبب موقع السلطنة الجغرافي، وتوسع المناطق الاقتصادية واللوجستية، وطموحها إلى تطوير الدقم وصحار وصلالة ومسقط وغيرها كمراكز إنتاج وتجارة وخدمات.

يمكن أن تساهم الهيئة في بناء خريطة وطنية للأصول، تميز بين الأصول الاستراتيجية التي يجب الاحتفاظ بها، والأصول القابلة للتشغيل التجاري، والأصول المناسبة للشراكة مع القطاع الخاص، والأصول التي يمكن إعادة تدوير رأس المال منها عبر البيع أو التأجير طويل الأجل أو التطوير المشترك.

تتيح هذه المقاربة للدولة أن تحتفظ بدورها السيادي والتنظيمي، وفي الوقت نفسه تفتح المجال أمام رأس المال الخاص والخبرة التشغيلية لتطوير أصول معطلة أو منخفضة العائد.

أثر مباشر على الإيرادات العامة ومناخ الاستثمار

حين تتحدث وزارة المالية عن تعظيم مساهمة الأصول الحكومية في الإيرادات العامة، فهي تشير إلى مصدر دخل يتسم بأهمية متزايدة في الاقتصادات الخليجية. فتنويع الإيرادات لم يعد محصوراً بالضرائب والرسوم، وإنما يشمل أرباح الشركات الحكومية، وعوائد التخارجات، والإيجارات، وحقوق الامتياز، وتوزيعات الأرباح، وعوائد الشراكات، وتحسين كفاءة الإنفاق الرأسمالي.

وكل تحسن في عائد الأصول العامة يخفف الضغط على الموازنة، ويمنح الحكومة مساحة أوسع للإنفاق على البنية التحتية والخدمات والتنمية الاجتماعية.

كما أن وجود هيئة متخصصة يمكن أن يرفع مستوى الشفافية أمام المستثمرين. فالمستثمر لا يبحث فقط عن فرصة، وإنما عن إطار مؤسسي واضح، وبيانات دقيقة، وقواعد مستقرة، وحقوق تعاقدية قابلة للتنفيذ.

وإذا استطاعت الهيئة أن تحول الأصول الحكومية إلى فرص استثمارية منظمة، فستساعد على زيادة تدفق الاستثمارات إلى القطاعات المستهدفة، وعلى توسيع مشاركة القطاع الخاص في مشاريع التنمية.

حوكمة الأصول كجزء من تحديث الدولة

تكمن الأهمية الأعمق لإنشاء هيئة الأصول الحكومية في بعدها الإداري والمؤسسي. فالتحول الاقتصادي يتطلب أن تصبح الدولة أكثر قدرة على إدارة مواردها، وقياس أدائها، واتخاذ قرارات مبنية على بيانات.

وتعني حوكمة الأصول أن كل أصل يجب أن تكون له هوية واضحة، وقيمة محددة، ومالك إداري، وخطة استخدام، ومؤشرات أداء، وتقدير للعائد والتكلفة. تساعد هذه الثقافة الإدارية على تقليل الهدر، وتحسين التخطيط، وتفادي ازدواجية الاستخدام، وربط القرارات الحكومية بالعائد الاقتصادي والاجتماعي.

في الاقتصادات الحديثة، أصبحت إدارة الأصول العامة علماً قائماً بذاته. فهي تجمع بين المالية العامة، والاستثمار، والتخطيط العمراني، وإدارة الشركات، والشراكات مع القطاع الخاص، والرقمنة، والحوكمة.

وإذا نجحت عُمان في بناء هذه المنظومة، فإن الهيئة الجديدة قد تصبح إحدى أهم أدوات التحول المؤسسي في الدولة، لأنها ستتعامل مع قاعدة ثروة واسعة يمكن أن تدعم النمو لعقود مقبلة.

مرحلة جديدة في إدارة الثروة العامة

يُظهر إنشاء هيئة الأصول الحكومية قناعة متزايدة بأن المرحلة المقبلة من التحول الاقتصادي في عُمان تتطلب تعظيم العائد من الموجودات القائمة بقدر حاجتها إلى استثمارات جديدة. فالسلطنة تمتلك موقعاً جغرافياً مهماً، وبنية تحتية متنامية، وشركات عامة، وأصولاً عقارية ولوجستية وصناعية وسياحية يمكن أن تشكل قاعدة أوسع للنمو إذا جرى إدارتها وفق منطق اقتصادي حديث.

قد تكون هذه الهيئة أداة مهمة لتحويل الأصول الحكومية من مخزون ثابت في دفاتر الدولة إلى رأس مال نشط في الاقتصاد.

ومن خلال الحوكمة، والتقييم، والتشغيل، والشراكة، وإعادة تدوير رأس المال، تستطيع عُمان أن تعزز إيراداتها العامة، وتدعم مستهدفات رؤية 2040، وتمنح القطاع الخاص فرصاً أوسع للمشاركة في التنمية. فالتحول الاقتصادي لا يقوم فقط على إطلاق مشاريع جديدة، وإنما على إعادة اكتشاف القيمة الكامنة في ما تملكه الدولة، ثم تحويل هذه القيمة إلى نمو وإيرادات وفرص عمل واستدامة مالية.