"موانئ أبوظبي" و"بروج" تستكشفان ممرات بديلة للتصدير
"موانئ أبوظبي" و"بروج" تستكشفان ممرات بديلة للتصدير
-
أولاً- الاقتصاد والأعمال
في خطوة تعكس تسارع توجه الإمارات نحو بناء سلاسل إمداد أكثر مرونة بعد اضطرابات حرب إيران وما رافقها من ضغوط على الملاحة والطاقة والتجارة، أعلنت مجموعة "موانئ أبوظبي" وشركة "بروج" للبتروكيماويات توقيع اتفاقية شراكة لاستكشاف فرص إنشاء بوابة تصدير بديلة على الساحل الشرقي للدولة، بما يتيح تعزيز مرونة عمليات التصدير وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة جيوسياسياً.

الفجيرة كخيار استراتيجي خارج هرمز
وبحسب ما أعلنته الشركتان، فإن التعاون سيركّز على الاستفادة من منظومة الربط البحري والخدمات المينائية التي توفرها مرافئ الفجيرة التي تديرها مجموعة موانئ أبوظبي على الساحل الشرقي للإمارات، مع دراسة تطوير بنية تحتية متخصصة للبولي أوليفين، بما يسمح بإنشاء مسار تصدير بديل لصادرات البتروكيماويات الإماراتية بعيداً عن المسارات التقليدية عبر مضيق هرمز.
ويحمل اختيار الساحل الشرقي دلالات استراتيجية تتجاوز الجغرافيا. فالفجيرة ليست مجرد ميناء إضافي، بل منفذ بحري مباشر على بحر العرب والمحيط الهندي، يتيح الالتفاف على عنق الزجاجة الذي مثّله مضيق هرمز خلال الحرب الأخيرة. ومع أن دول الخليج لطالما أدركت حساسية المضيق، فإن حرب إيران نقلت هذا الإدراك من مستوى إدارة المخاطر النظرية إلى مستوى بناء بدائل تشغيلية حقيقية يمكن استخدامها عند الأزمات.

من كفاءة التكلفة إلى أولوية الاستمرارية
قبل الحرب، كانت الأولوية في كثير من سلاسل الإمداد العالمية تقوم على خفض الكلفة وتعظيم الكفاءة التشغيلية عبر تركيز الشحن والتخزين والإنتاج في مسارات محددة. لكن ما حدث خلال السنوات الأخيرة، من جائحة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية ثم حرب إيران، دفع الحكومات والشركات إلى إعادة النظر في هذه المقاربة.
أصبحت القدرة على الاستمرار أثناء الأزمات لا تقل أهمية عن الكلفة نفسها. ولهذا السبب، تتجه الاقتصادات الكبرى ودول الخليج إلى بناء شبكات لوجستية متعددة المسارات، حتى لو كانت أكثر كلفة، لأنها تمنح الاقتصاد قدرة أعلى على امتصاص الصدمات.
ومن هنا يمكن قراءة اتفاق موانئ أبوظبي و"بروج" باعتباره جزءاً من تحوّل أوسع في التفكير الاقتصادي الخليجي يتمثل بالانتقال من نموذج يعتمد على وفرة الطاقة والموقع الجغرافي فقط، إلى نموذج يركز على المناعة والمرونة الاقتصادية وقدرة البنية التحتية على العمل في ظروف الاضطراب الجيوسياسي.

البتروكيماويات في قلب المعادلة الجديدة
تكتسب الخطوة أهمية إضافية نظراً إلى طبيعة قطاع البتروكيماويات نفسه. فهذا القطاع يعتمد على التدفقات المستمرة للمواد الخام والتصدير المنتظم للأسواق العالمية، وأي تعطّل في الشحن أو ارتفاع حاد في التأمين البحري يمكن أن ينعكس سريعاً على الكلفة والهوامش والقدرة التنافسية.
وخلال حرب إيران، واجهت المنطقة ارتفاعات حادة في تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى اضطرابات في جداول السفن وتزايد المخاوف لدى المشترين العالميين بشأن استمرارية الإمدادات. لذلك، فإن بناء مسارات تصدير بديلة أصبح جزءاً من استراتيجية حماية الحصة السوقية والحفاظ على موثوقية المورد الخليجي في الأسواق العالمية، لا سيما في آسيا.
كما إن "بروج"، باعتبارها من أكبر منتجي البولي أوليفين في المنطقة، تحتاج إلى بنية لوجستية قادرة على التعامل مع أحجام تصدير ضخمة بصورة مستقرة، خصوصاً مع احتدام المنافسة العالمية في قطاع البتروكيماويات وتراجع هوامش الربحية في بعض الأسواق.
الإمارات تبني شبكة مرونة اقتصادية متكاملة
ولا تبدو هذه الخطوة معزولة عن المسار الاقتصادي الأوسع في الإمارات. ففي السنوات الأخيرة، استثمرت الدولة بكثافة في الموانئ والمناطق الصناعية والخدمات البحرية والسكك الحديدية والطاقة والبنية الرقمية، بهدف تعزيز موقعها كمركز عالمي للتجارة والخدمات اللوجستية.
لكن حرب إيران أعطت لهذه الاستثمارات بعداً جديداً. فلم تعد الموانئ مجرد أدوات للنمو التجاري، بل تحولت إلى عناصر أساسية في الأمن الاقتصادي الوطني والإقليمي. وأصبحت المرونة التشغيلية والقدرة على الحفاظ على تدفق التجارة خلال الأزمات جزءاً من التنافسية الاقتصادية للدول.
وفي هذا السياق، برزت الفجيرة بشكل خاص كإحدى أهم نقاط الارتكاز الاستراتيجية في الخليج بسبب موقعها خارج هرمز ولكونها مركزاً رئيسياً لتخزين الوقود وخدمات السفن والطاقة والتجارة البحرية.
الخليج يعيد رسم خريطة التجارة والطاقة
وتشير هذه التحركات إلى أن الخليج يتجه تدريجياً نحو إعادة رسم خريطة تدفقات التجارة والطاقة في المنطقة. فالسعودية توسّع استخدام خط الأنابيب شرق ـ غرب وموانئ البحر الأحمر، والإمارات تعزز دور الساحل الشرقي والفجيرة، فيما تتسارع مشاريع السكك الحديدية والممرات البرية واللوجستية بين دول الخليج.
ويتجاوز الهدف من هذه التوجهات مسألة زيادة الطاقة التصديرية، ليشمل خلق منظومة قادرة على العمل حتى في حال تعطل أحد المسارات الرئيسية. أي أن المنطقة بدأت تبني ما يشبه شبكة أمان اقتصادية متعددة المنافذ، تقلل من مخاطر الاختناق الجيوسياسي وتمنح المستثمرين والشركات العالمية ثقة أكبر باستمرارية الأعمال.
رسالة إلى الأسواق والمستثمرين
تحمل الاتفاقية أيضاً رسالة مهمة إلى الأسواق والمستثمرين العالميين، مفادها أنه إضافة إلى إدارة تداعيات الحرب، تعمل بلدان الخليج على تحويل الدروس التي كشفتها الأزمة إلى مشاريع وبنى تحتية واستثمارات طويلة الأمد.
ففي عالم يتجه نحو مزيد من الانقسام الجيوسياسي واضطراب التجارة العالمية، قد تصبح المرونة والقدرة على الاستمرار من أهم عناصر جذب الاستثمار، تماماً كما كانت الطاقة الرخيصة والموقع الجغرافي في العقود الماضية.
وقال سيف المزروعي، الرئيس التنفيذي لقطاع الموانئ في مجموعة موانئ أبوظبي، إن المجموعة تتطلع إلى الاستفادة من قدراتها المتكاملة في الموانئ والخدمات اللوجستية لدعم الصادرات الصناعية الحيوية وتعزيز الربط التجاري الإقليمي والعالمي. فيما اعتبر هزيم سلطان السويدي، الرئيس التنفيذي لشركة "بروج"، أن الشراكة تمثل خطوة مهمة لبناء شبكة لوجستية أكثر مرونة وتنوعاً بما يدعم استمرارية الإمدادات ويعزز موثوقية الشركة كمورد عالمي.
الأكثر قراءة
-
زيارة ترامب إلى الصين…اختبار الهدنة التجارية ومعاني حرب إيران
-
رودولف سعادة بين مرفأين… رهان رجل الشحن العالمي على لبنان ما بعد الحرب
-
إدانة مسؤولي "السعودي الألماني الصحية"… دليل جديد على قوة الحوكمة في السوق المالية السعودية
-
عبدالله بن حمد العطية… سيرة رجل من زمن بناء الدول
-
نظام التنفيذ الجديد في السعودية: تحديث عدلي يُعزز الثقة بالمعاملات والاستثمارات

