خبرة الأزمات تعيد ولد الشيخ أحمد إلى الواجهة من بوابة "التعاون الإسلامي"
خبرة الأزمات تعيد ولد الشيخ أحمد إلى الواجهة من بوابة "التعاون الإسلامي"
-
الاقتصاد والأعمال
يصل إسماعيل ولد الشيخ أحمد إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي محملاً بخبرة مهنية قل نظيرها بين من تولوا مناصب دولية وإقليمية مماثلة. فقد أمضى نحو ثلاثة عقود بين العمل الأممي والإنساني والدبلوماسي والوساطة في النزاعات، قبل أن يتولى وزارة الخارجية في بلاده. وهذه الخلفية تمنحه ثقلاً خاصاً في قيادة منظمة تضم 57 دولة، في وقت تنتشر فيه الأزمات والحروب والتوترات في عدد كبير من بلدانها الأعضاء أو في محيطها المباشر.
يتجاوز انتخاب الدبلوماسي الموريتاني أميناً عاماً للمنظمة في 27 أغسطس 2026 دلالته الإدارية. فهو يفتح أمام منظمة التعاون الإسلامي فرصة لإعادة تنشيط جانب من دورها السياسي، وخصوصاً قدرتها على التحرك بين الدول الأعضاء ومحاولة منع النزاعات أو المساهمة في احتوائها وفتح قنوات للحوار عندما تتعثر المسارات الأخرى.
يأتي ولد الشيخ أحمد إلى هذه المهمة بعدما عمل في بعض أكثر البيئات تعقيداً في المنطقة والعالم. فقد شغل مواقع قيادية في الأمم المتحدة، وعمل ممثلاً مقيماً ومنسقاً إنسانياً في سوريا واليمن، وتولى رئاسة بعثة الأمم المتحدة للاستجابة الطارئة لأزمة إيبولا، قبل تعيينه مبعوثاً خاصاً للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن عام 2015.
والتجربة اليمنية بحد ذاتها تمنحه معرفة مباشرة بطبيعة النزاعات التي تتداخل فيها الاعتبارات المحلية والإقليمية والدولية. فالوساطة هناك فرضت عليه التعامل مع أطراف متصارعة، وقوى إقليمية ودولية، ومجلس الأمن، وفي الوقت نفسه المحافظة على قنوات اتصال تسمح باستمرار العملية السياسية. ولم تؤد مهمته إلى تسوية الحرب، لكنها وفرت له خبرة عملية في حدود الوساطة وكيفية بناء التفاهمات التدريجية عندما يكون الحل الشامل بعيد المنال.
أضاف ولد الشيخ أحمد إلى ذلك تجربة مختلفة عندما أصبح وزيراً لخارجية موريتانيا بين 2018 و2022. فقد انتقل من موقع الوسيط الدولي إلى موقع المسؤول عن سياسة دولة ومصالحها وتحالفاتها. والجمع بين التجربتين مهم لمنصب الأمانة العامة، لأن التحرك داخل منظمة التعاون الإسلامي يقوم أساساً على إيجاد مساحات مشتركة بين حكومات تختلف حساباتها وعلاقاتها وأولوياتها.
وهنا تظهر أهمية التوقيت. فالمنظمة تضم دولاً تواجه نزاعات مفتوحة أو تداعيات أمنية وسياسية كبيرة، من فلسطين والسودان واليمن إلى مناطق أخرى في أفريقيا وآسيا. وفي بعض هذه الملفات تملك منظمة التعاون الإسلامي شرعية سياسية نابعة من عضويتها الواسعة وقربها من الأطراف، لكنها لم تحول هذا الامتداد دائماً إلى حضور وساطي يعادل وزنها.
الفرصة المتاحة أمام الأمين العام الجديد هي العمل على تضييق هذه الفجوة. فالمنظمة، وهي ثاني أكبر منظمة حكومية دولية بعد الأمم المتحدة من حيث عدد الأعضاء، تملك شبكة سياسية واسعة وقدرة على جمع دول لا تلتقي بالسهولة نفسها ضمن أطر أخرى. وإذا جرى تفعيل هذا الوزن عبر دبلوماسية أكثر نشاطاً، يمكن أن تصبح الأمانة العامة منصة للحوار والتحرك الوقائي والوساطة، إلى جانب دورها التقليدي في بلورة المواقف الجماعية.
ولا يستطيع الأمين العام بالطبع أن يتحرك منفرداً عن إرادة الدول الأعضاء. فالمنظمة قائمة على التوافق، وتبقى فاعليتها مرتبطة بمدى استعداد أعضائها لمنحها مساحة سياسية للتحرك. لكن شخصية الأمين العام وخبرته وشبكة علاقاته يمكن أن توسع هذه المساحة وأن تحول الأمانة العامة من جهة تتابع القرارات إلى طرف أكثر نشاطاً في صناعة المبادرات وتقريب المواقف.
وقد أعطى ولد الشيخ أحمد منذ توليه مهامه مؤشراً إلى الاتجاه الذي يريد سلوكه، مؤكداً عزمه على تعزيز العمل الإسلامي المشترك وتفعيل دور المنظمة إقليمياً ودولياً. كما بحث خلال تسلمه المسؤولية أبرز الملفات السياسية والتنموية والتنظيمية وسبل تعزيز الأمن والاستقرار.
لذلك فإن ما يحمله ولد الشيخ أحمد إلى جدة لا يقتصر على سيرة دبلوماسية طويلة. إنه يحمل خبرة مباشرة في البلدان المتأزمة، وفي العمل الإنساني والوساطة والتفاوض وإدارة العلاقات بين الحكومات. وإذا وجد دعماً سياسياً من الدول الأعضاء، فقد تتيح هذه الخلفية لمنظمة التعاون الإسلامي فرصة لاستعادة مساحة أكبر من دورها السياسي والتحول تدريجياً إلى منصة وساطة أكثر حضوراً في الأزمات التي تقع داخل عالمها الأوسع.
الأكثر قراءة
-
"لوبريف" تُحول تقلبات السوق إلى أرباح قياسية وتدفقات نقدية قوية
-
أحمد رواد رمضان يقود هيئة الاستثمار في مرحلة استقطاب رؤوس الأموال لإعادة الإعمار
-
الشركات السعودية تعيد شراء أسهمها مع تطور السوق والحوكمة
-
حوكمة كهرباء لبنان... مفتاح الاستثمار والتعافي
-
بنك HSBC للخدمات المصرفية الخاصة يعيّن فراس الجرماني رئيساً لسوق الإمارات

