صناعة سورية.. فرصة لبناء قاعدة إنتاجية جديدة

  • 2026-08-27
  • 15:16

صناعة سورية.. فرصة لبناء قاعدة إنتاجية جديدة

  • الاقتصاد والأعمال

أطلقت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية مؤخراً برنامج "صناعة سورية" بهدف استعادة الكفاءة الإنتاجية للمنشآت الصناعية، وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي وتنمية الصادرات. وتبرز أهمية البرنامج في توقيته، إذ تواجه سوريا اليوم مهمة تتعدى إعادة تشغيل المصانع المتوقفة إلى تحديد شكل القاعدة الصناعية التي تريدِ بناءها للسنوات المقبلة.

ويفتح البرنامج أمام المنشآت المؤهلة باب الاستفادة من مزايا ومسارات دعم تستهدف رفع كفاءتها الإنتاجية وتعزيز قدرتها على التوسع والتصدير، على أن ترتبط الاستفادة بمعايير تشمل الترخيص والقيمة المضافة المحلية والجودة. ولم يحدد قرار إطلاق البرنامج بصورة تفصيلية طبيعة الحوافز وأحجامها، لكنه يؤسس لإطار لتوجيه الدعم إلى المنشآت التي تحقق أهدافاً إنتاجية وتنافسية واضحة، مع مراجعة البرنامج سنوياً وفق النتائج والمتغيرات الاقتصادية.

وتتمثل الفرصة في استخدام إعادة الإعمار لتحديث الصناعة بدلاً من توجيه الموارد إلى استعادة منشآت وخطوط إنتاج كما كانت قبل الحرب. فإعادة تأهيل المصانع وشراء المعدات وتطوير المدن الصناعية واستعادة الطاقة يمكن أن تؤسس لقاعدة إنتاجية أحدث وأكثر كفاءة، ترفع القيمة المضافة المحلية وتلبي حصة أكبر من الطلب الداخلي وتملك قدرة أفضل على التصدير.

ويتقاطع هذا الاتجاه مع "برنامج التعافي الصناعي للجمهورية العربية السورية 2026-2030"، الذي تقوده وزارة الاقتصاد والصناعة وطُوّر بمساهمة فنية من منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية "يونيدو". وتبلغ موازنته الإجمالية 150 مليون دولار، ويستهدف بناء قاعدة صناعية حديثة وتنافسية ومستدامة، عبر تحديث المناطق الصناعية والتكنولوجيا والجودة والطاقة والمهارات وجذب الاستثمار.

40 في المئة قيمة مضافة محلية

يشترط برنامج "صناعة سورية" ألا تقل القيمة المضافة المحلية عن 40 في المئة من المنتج النهائي للمنشآت المستفيدة. كما يشترط أن تكون المنشأة مرخصة أو في طور التسوية التشغيلية، وأن تلتزم بالمواصفات القياسية السورية ومعايير الجودة.

وتوجه هذه الشروط الدعم نحو إنتاج أكثر ارتباطاً بالاقتصاد المحلي. فزيادة الاعتماد على المواد والخدمات والمدخلات السورية توسع الروابط بين المصانع والموردين وشركات النقل والصيانة والتعبئة، وتساعد على تكوين سلاسل إنتاج مترابطة بدلاً من اقتصار النشاط على تجميع مكونات مستوردة.

إعادة الإعمار فرصة لتحديث المصانع

يقدر البنك الدولي كلفة إعادة بناء الأصول المادية المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 ملياراً. وبلغت الأضرار المادية المباشرة 108 مليارات دولار، منها 52 ملياراً في البنية التحتية.

ومن المتوقع أن تولد هذه الاحتياجات طلباً كبيراً على الأسمنت والحديد والكابلات والزجاج والأنابيب والمعدات الكهربائية وغيرها. وتلبية المصانع السورية حصة أكبر من هذا الطلب تعني بقاء نسبة أكبر من الإنفاق داخل الاقتصاد، بما يعزز القيمة المضافة وفرص العمل والاستثمار.

كما تتيح إعادة تأهيل المصانع فرصة لتحديث خطوط الإنتاج بمعدات أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة وأفضل في ضبط الجودة، واستخدام الرقمنة والأتمتة لتحسين الإنتاج وتقليل الهدر. وهذا ينسجم مع رؤية "يونيدو" التي تؤكد ضرورة بناء قاعدة صناعية حديثة بدلاً من إعادة الأنظمة الصناعية المتقادمة كما كانت.

أي صناعات؟

يصعب تحديث مختلف القطاعات بالسرعة نفسها، ولذلك تبرز أهمية توجيه الاستثمار نحو الصناعات التي تمتلك فيها سوريا موارد محلية أو خبرات سابقة أو طلباً داخلياً كبيراً. ويضع برنامج "يونيدو" ضمن قطاعاته ذات الأولوية الصناعات الزراعية والغذائية، والنسيج والملابس، ومواد البناء، والمنتجات الخشبية، والصناعات الهندسية والكيميائية.

ويمنح طلب إعادة الإعمار أفضلية لمواد البناء والصناعات الهندسية، بينما تستفيد الصناعات الغذائية والنسيجية من ارتباطها بالإنتاج الزراعي. ويمكن زيادة العائد عبر تطوير سلاسل إنتاج ترفع القيمة المضافة، مثل تصنيع المنتجات الزراعية وتعبئتها وتبريدها، والتوسع في تصنيع الموارد الأولية بدلاً من بيعها في صورتها الخام.

الكهرباء تحدد القدرة على المنافسة

تبقى الطاقة أحد أهم محددات التعافي الصناعي، إذ تتراجع فعالية الحوافز إذا واجه المصنع نقصاً مستمراً في الكهرباء أو اضطر إلى استخدام مصادر مرتفعة الكلفة.

وكان البنك الدولي قد وافق في يونيو 2025 على منحة بقيمة 146 مليون دولار لمشروع طارئ لإعادة تأهيل شبكة الكهرباء ودعم تطوير القطاع، في أول مشروع للبنك الدولي في سوريا منذ نحو أربعة عقود. كما يضع برنامج "يونيدو" تحديث بنية الطاقة وإدخال المصادر المتجددة ورفع الكفاءة ضمن مكوناته الأساسية.

وتضيف المعدات الصناعية الحديثة ميزة أخرى عبر خفض استهلاك الطاقة لكل وحدة إنتاج، إلى جانب إمكان استخدام الطاقة المتجددة كحل مساند لبعض المنشآت.

المدن الصناعية كمراكز للإنتاج والخدمات

تظهر مؤشرات متزايدة على عودة النشاط داخل المدن الصناعية. ففي عدرا، مُنحت 503 رخص خلال النصف الأول من 2026، بينها 186 رخصة للمرة الأولى. وفي حسياء جرى تخصيص 15 مستثمراً جديداً برأسمال يقارب 230 مليار ليرة سورية، كما بدأت ثلاثة مشاريع للبنية التحتية تخدم 224 مقسماً صناعياً.

ويمكن لهذه المدن أن تصبح مراكز إنتاج متكاملة توفر الكهرباء والمياه والطرق والاتصالات والمختبرات والخدمات في موقع واحد، بما يخفض كلفة الاستثمار، خصوصاً على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. وهو نموذج يدعو إليه برنامج "يونيدو" عبر تطوير المناطق الصناعية إلى مراكز حديثة ومتكاملة.

التمويل والتكنولوجيا الحلقة الأصعب

يتطلب تحديث الصناعة تمويلاً لشراء خطوط الإنتاج والمعدات والمواد الأولية ورأس المال العامل، وهو ما يصعب على كثير من المنشآت تأمينه ذاتياً بعد سنوات الحرب وضعف النشاط.

لذلك ترتبط نتائج "صناعة سورية" بتوفير تمويل صناعي طويل الأجل وضمانات ائتمان وتمويل للمعدات والصادرات، إلى جانب جذب المستثمرين والشركاء من الخارج. ويمكن لهذه الشراكات أن توفر رأس المال والتكنولوجيا والخبرة الإدارية والوصول إلى الأسواق، وهي عناصر يضعها برنامج التعافي الصناعي ضمن أدوات تحديث القطاع.

التصدير يبدأ من المصنع

إدراج تنمية الصادرات ضمن أهداف "صناعة سورية" يوسع أفق البرنامج خارج السوق المحلية. فطلب إعادة الإعمار يمكن أن يدعم المصانع لسنوات، لكن نموها على المدى الأطول يرتبط بقدرتها على المنافسة خارجياً.

ولهذا ترتبط الصادرات بالجودة والمواصفات والمختبرات والشهادات منذ بداية عملية الإنتاج، إلى جانب كفاءة النقل والمعابر والمرافئ والإجراءات الجمركية. ويضع برنامج "يونيدو" إعادة بناء البنية التحتية للجودة وتحسين الوصول إلى الأسواق الإقليمية والعالمية ضمن أولوياته.

 

بناء صناعة 2035 لا صناعة 2010

يتوقع أن تظهر القيمة الحقيقية لبرنامج "صناعة سورية" إذا أصبح جزءاً من سياسة صناعية مترابطة تجمع الحوافز بالطاقة والتمويل والتكنولوجيا والبنية التحتية والجودة والتصدير. فاستعادة مستويات الإنتاج القديمة وحدها لن تكون كافية إذا عادت المصانع بالتكنولوجيا وكلفة الإنتاج والقدرة التنافسية نفسها.

وتملك سوريا فرصة لربط الإنفاق الكبير المتوقع على إعادة الإعمار ببناء طاقة إنتاجية محلية حديثة. ويمكن للطلب على مواد البناء والتجهيزات والسلع أن يوفر سوقاً أولى للمصانع، فيما يسمح الاستثمار في الآلات والمهارات والجودة بالتوسع لاحقاً في التصدير.

وبذلك يمكن أن تصبح إعادة الإعمار محركاً لتحديث الصناعة عبر مصانع أحدث، واستهلاك أقل للطاقة، وقيمة مضافة محلية أعلى وروابط أوسع بين القطاعات. وتتمثل القيمة الأبعد لبرنامج "صناعة سورية" في توظيف حاجة البلاد إلى إعادة البناء في تأسيس صناعة تناسب اقتصاد العقد المقبل، بدلاً من استعادة الصناعة بالصورة التي كانت عليها قبل خمسة عشر عاماً.