طاقة عُمان.. ذراع سيادية تحول الثروة النفطية إلى قاعدة لاقتصاد الطاقة الجديد

  • 2026-08-12
  • 15:18

طاقة عُمان.. ذراع سيادية تحول الثروة النفطية إلى قاعدة لاقتصاد الطاقة الجديد

  • كتب فيصل أبوزكي

جاء تدشين شركة طاقة عُمان هويتها الجديدة في 10 أغسطس 2026 ليعكس تطوراً أوسع في موقع الشركة داخل قطاع الطاقة والاقتصاد العُماني. فمنذ تأسيسها في نهاية عام 2020، انتقلت الشركة من بناء هيكل جديد لإدارة جانب أساسي من مصالح الدولة في النفط والغاز إلى مظلة تجمع إدارة الثروة الهيدروكربونية والتمويل والاستثمار وتطوير قطاعات الطاقة الجديدة، وفي مقدمتها الهيدروجين الأخضر.

ولهذا تتعدى أهمية الهوية الجديدة الجانب المؤسسي والتسويقي. فهي تأتي في وقت تتنامى فيه المهمة التي تؤديها "طاقة عُمان" داخل الاقتصاد، وتبرز الشركة باعتبارها إحدى الأدوات الرئيسية التي تستخدمها السلطنة لتعظيم العائد من النفط والغاز في الوقت الحاضر، وبناء قاعدة أوسع وأكثر تنوعاً لاقتصاد الطاقة في المستقبل.

وقال المهندس مازن بن راشد اللمكي، الرئيس التنفيذي للشركة، بمناسبة إطلاق الهوية الجديدة، إن "طاقة عُمان" تعمل على توجيه وتعزيز قطاع الطاقة في السلطنة، فيما أوضحت الشركة أن مهامها تشمل إدارة وتنمية الثروات الوطنية، ورفع كفاءة إدارة القطاع، وضخ الاستثمارات التي تعزز العوائد المالية والاقتصادية والمحتوى المحلي واستدامة قطاعات النفط والغاز والطاقة المتجددة.

تغيير طريقة إدارة الثروة

لفهم أهمية "طاقة عُمان"، لا بد من العودة إلى السبب الذي أنشئت من أجله. فقد تأسست في ديسمبر 2020 كشركة مساهمة عُمانية مقفلة مملوكة بالكامل لحكومة سلطنة عُمان، وأسندت إليها مجموعة من المهام التي تجمع بين إدارة المصالح الحكومية في النفط والغاز وتمويل الاستثمارات وتنمية قطاع الطاقة.

وتشمل هذه المهام تلقي إيرادات النفط والغاز الواقعة ضمن نطاق عملها، وتمويل النفقات الرأسمالية والتشغيلية المتعلقة بالإنتاج، وتحسين كفاءة إدارة الموارد، واستكشاف الفرص الاستثمارية الجديدة واستقطاب المزيد من رؤوس الأموال إلى القطاع.

والجانب الأكثر أهمية في هذا النموذج هو نقل جزء أساسي من تمويل النشاط النفطي والغازي من الموازنة الحكومية المباشرة إلى شركة تستطيع إدارة تدفقاتها النقدية والحصول على التمويل من الأسواق بصورة مستقلة.

وغير هذا التحول طبيعة العلاقة بين قطاع الطاقة والمالية العامة. فالدولة بقيت مالكة للثروة وللشركة، لكنها أنشأت في الوقت نفسه كياناً يستطيع إدارة الإيرادات والنفقات والاستثمارات والتمويل وفق أسس تجارية ومالية أكثر استقلالاً.

ذراع سيادية متخصصة في الطاقة

ويمكن النظر إلى "طاقة عُمان" باعتبارها ذراعاً استثمارية وتمويلية سيادية متخصصة في قطاع الطاقة.

فهي تقترب في بعض جوانب نموذجها من فكرة الصندوق السيادي النفطي، لأنها تدير جانباً مهماً من الثروة النفطية والغازية المملوكة للدولة، وتتلقى التدفقات المالية المرتبطة بها، وتستخدم قوة هذه التدفقات لتمويل الاستثمار والتوسع والحصول على التمويل.

لكنها ليست صندوقاً سيادياً بالمعنى الكامل للكلمة. فالصندوق السيادي، مثل جهاز الاستثمار العُماني، يدير عادة محفظة واسعة ومتنوعة من الشركات والاستثمارات والأدوات المالية داخل السلطنة وخارجها بهدف تنمية ثروة الدولة وتحقيق عوائد طويلة الأجل عليها.

أما "طاقة عُمان" فتتركز مهمتها داخل قطاع محدد. فهي تدير مصالح الدولة المالية والاستثمارية في الطاقة، وتمول المشاريع المرتبطة بها وتطور أنشطة جديدة داخل القطاع نفسه.

ومن هنا يقع موقعها المؤسسي بين الصندوق السيادي وشركة الطاقة التقليدية. فهي ليست شركة تشغيل نفطية تقتصر مهمتها على استخراج النفط والغاز، ولا صندوقاً يستثمر فوائض الدولة في مجموعة متنوعة من القطاعات. إنها منصة سيادية متخصصة تستخدم موارد الطاقة وتدفقاتها المالية لبناء استثمارات جديدة وزيادة القيمة الاقتصادية التي تحققها السلطنة من هذا القطاع.

وقد ظهرت القدرة على استخدام هذا النموذج سريعاً. ففي أغسطس 2021، وبعد أقل من عام على تأسيسها، رتبت الشركة أول صفقة تمويل لها بقيمة 2.5 مليار دولار، ما أظهر إمكانية استخدام قوة التدفقات النقدية المرتبطة بقطاع الطاقة للوصول إلى مصادر تمويل خارج الموازنة الحكومية.

مربع 6 في قلب القوة المالية

تنبع القوة الأساسية لنموذج "طاقة عُمان" من حجم المصالح التي تديرها. فهي تمتلك حصة تبلغ 60 في المئة في امتياز النفط في "مربع 6"، إضافة إلى 100 في المئة من امتياز الغاز غير المصاحب في المربع نفسه.

ويعد "مربع 6" محورياً في إنتاج النفط والغاز في السلطنة، ما يوفر للشركة قاعدة من الموارد والتدفقات المالية تستطيع البناء عليها.

وتوضح هذه الملكية الفرق بين "طاقة عُمان" وبين شركة تشغيل نفطية تقليدية. فشركة تنمية نفط عُمان تضطلع بجانب رئيسي من عمليات الإنتاج، بينما تمثل "طاقة عُمان" الإطار الذي تدير الحكومة من خلاله جانباً من مصالحها الاقتصادية والمالية المرتبطة بهذه الموارد.

النفط قاعدة للتنويع

وتكشف هذه البنية عن مقاربة عُمانية محددة تجاه التنويع الاقتصادي. فالسلطنة لا تتعامل مع النفط والغاز باعتبارهما نشاطاً ينبغي تقليصه حتى يتحقق التنويع، وإنما باعتبارهما قاعدة مالية وصناعية يمكن استخدامها لبناء مصادر جديدة للنمو.

وتضع "طاقة عُمان" ضمن أهدافها زيادة القيمة المتحققة من النفط والغاز من خلال تحسين الكفاءة وتخفيض التكاليف والاستفادة من الشراكات، بالتوازي مع توسيع الاستثمار في مجالات جديدة للطاقة.

وفي هذا النموذج يؤدي النفط وظيفة تتجاوز توفير الإيرادات السنوية للدولة، إذ تصبح التدفقات التي يولدها قاعدة يمكن استخدامها لتطوير القطاعات التي تريد السلطنة أن تزيد مساهمتها في الاقتصاد خلال العقود المقبلة.

من إدارة الثروة إلى استقطاب رأس المال

ولا تتوقف مهمة "طاقة عُمان" عند إدارة الموارد القائمة. فمن أهدافها أيضاً اكتشاف فرص استثمارية جديدة في قطاع الطاقة وتعظيم العائد منها، والعمل مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص على توفير بيئة تستطيع جذب المزيد من الاستثمار المحلي والأجنبي.

 فقطاع الطاقة يحتاج إلى استثمارات رأسمالية ضخمة، سواء للحفاظ على إنتاج النفط والغاز أو تطوير المصادر الجديدة للطاقة. ويضع الاعتماد الكامل على الموازنة الحكومية لتمويل هذه الاستثمارات حدوداً على حجم المشاريع وسرعة تنفيذها.

 وحصلت "طاقة عُمان" على تصنيفات ائتمانية من وكالات دولية، كما أصبحت تتعامل مباشرة مع المستثمرين ومؤسسات التمويل. ولا تقتصر أهمية ذلك على توفير الأموال، إذ يساعد أيضاً على إخضاع الأداء المالي للشركة لمتطلبات أكبر من الشفافية والإفصاح والانضباط المالي.

"هايدروم"... من النفط إلى اقتصاد الهيدروجين

يظهر الجانب المستقبلي من استراتيجية الشركة بصورة أوضح من خلال ملكيتها الكاملة لشركة هيدروجين عُمان "هايدروم"، التي أسست لإدارة وتطوير قطاع الهيدروجين الأخضر في السلطنة.

ويمثل هذا النشاط امتداداً منطقياً لمهمة "طاقة عُمان". فالشركة التي تدير اليوم جزءاً رئيسياً من المصالح الحكومية في النفط والغاز أصبحت تحتضن أيضاً المنصة التي تتولى بناء أحد أهم قطاعات الطاقة الجديدة التي تستهدفها السلطنة.

وتتولى "هايدروم" تنظيم تطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر وتخصيص الأراضي واستقطاب المطورين والمستثمرين.

التنويع عبر الطاقة

لا يقتصرالتنويع الذي يمكن أن يصنعه قطاع الطاقة في السلطنة على استبدال برميل النفط بوحدة من الهيدروجين أو الكهرباء المتجددة. تأتي القيمة الأكبر من الأنشطة التي يمكن أن تنشأ حول هذه المصادر الجديدة.

فالطاقة المتجددة والهيدروجين يمكن أن يدعما تطوير صناعات تحتاج إلى كميات كبيرة من الطاقة النظيفة، ويحفزا الاستثمار في الهندسة والإنشاء والخدمات والصيانة واللوجستيات والتقنيات، ويوسعا الطلب على الشركات والموردين المحليين.

وبهذا يمكن رسم مسار متكامل يبدأ من النفط والغاز، وينتقل عبر التدفقات المالية والاستثمار والتمويل إلى الطاقة المتجددة والهيدروجين، ثم يصل إلى صناعات وصادرات ووظائف ومحتوى محلي جديد.

وهذا هو البعد الأكثر أهمية في مساهمة "طاقة عُمان" في خطة التنويع. فنجاحها لا يرتبط حصراً بحجم الإيرادات التي تحققها أو بحجم الطاقة التي تديرها، وإنما بمدى قدرتها على استخدام الثروة القائمة لتوسيع القاعدة الاقتصادية حولها.

الاستدامة المالية جزء من النموذج

يمتد تأثير نموذج الشركة مباشرة إلى المالية العامة. فكلما تمكنت "طاقة عُمان" من تمويل استثماراتها ونفقاتها من التدفقات التي تديرها ومن أسواق التمويل، انخفضت الحاجة إلى تحميل الموازنة العامة هذه المتطلبات بصورة مباشرة.

وكلما تمكنت من إشراك المستثمرين ورأس المال الخاص في المشاريع الجديدة، ازدادت قدرة السلطنة على توسيع الاستثمار في الطاقة من دون أن تتحمل الدولة وحدها كامل تكلفة هذا التوسع.

هوية تعكس توسع المهمة

بعد نحو ست سنوات على تأسيسها، أصبحت مهمة "طاقة عُمان" أوسع من إدارة حصة حكومية في إنتاج النفط والغاز. فهي تقف اليوم عند نقطة التقاء الموارد الطبيعية والمالية العامة وأسواق التمويل والاستثمارات الجديدة والتحول العالمي في قطاع الطاقة.

والتحدي خلال السنوات المقبلة سيكون في تحويل هذه البنية إلى نتائج اقتصادية أكبر تتمثل بزيادة العائد من النفط والغاز، تحسين كفاءة التمويل، استقطاب المزيد من الاستثمار الخاص والأجنبي، دفع مشاريع الهيدروجين والطاقة المتجددة إلى مراحل الإنتاج والتصدير، وتوسيع النشاط الصناعي والخدمي الذي ينشأ حولها.

ومن هنا تصبح الهوية الجديدة انعكاساً لتوسع مهمة الشركة أكثر من كونها تغييراً في صورتها. فسلطنة عُمان أنشأت شركة تدير جانباً من ثروة الطاقة الحالية بمنطق تجاري وتمويلي، لكنها وضعت تحت مظلتها أيضاً أدوات تساعد على بناء مصادر جديدة للطاقة والدخل.