هل يمهد اتفاق "جيهان" المرحلي لمنفذ استراتيجي مستقر للنفط العراقي؟

  • 2026-08-03
  • 15:16

هل يمهد اتفاق "جيهان" المرحلي لمنفذ استراتيجي مستقر للنفط العراقي؟

  • الاقتصاد والأعمال

وقع العراق وتركيا اتفاقاً نفطياً لمدة عام يتيح نقل ما يصل إلى 750 ألف برميل من الخام يومياً عبر خط الأنابيب الممتد من شمال العراق إلى ميناء جيهان التركي، في خطوة تتجاوز الحفاظ على مسار تصدير قائم إلى إعادة وضع الخط ضمن استراتيجية أوسع لتنويع المنافذ وتقليص الاعتماد الكبير على الموانئ الجنوبية ومضيق هرمز.

وجاء الاتفاق عقب مباحثات في أنقرة بين وزير النفط العراقي باسم محمد خضير ووزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار، ووقعته شركة تسويق النفط العراقية "سومو" وشركة نفط الشمال مع شركة خطوط الأنابيب ونقل النفط التركية "بوتاش".

ويوفر الاتفاق إطاراً تشغيلياً لمدة عام، بينما يستعد البلدان للتفاوض على صيغة طويلة الأمد يمكن أن تتضمن رفع الكميات، وتوسيع الشبكة، وتحديد رسوم النقل ومسؤوليات الصيانة وآليات تسوية النزاعات.

ولا تعني طاقة 750 ألف برميل يومياً أن هذه الكمية ستبدأ بالتدفق فوراً. فالرقم يعبر عن الطاقة المتاحة بموجب الاتفاق، في حين تتوقف الصادرات الفعلية على إنتاج حقول كركوك، والكميات المسلمة من إقليم كردستان إلى "سومو"، وجاهزية الأنابيب داخل العراق، وتسوية القضايا المالية والفنية المرتبطة بالتشغيل.

لكن أهمية الاتفاق تكمن في إبقاء المنفذ الشمالي متاحاً، وتجنب فراغ تعاقدي بعد انتهاء الإطار السابق، ومنح بغداد وأنقرة مهلة لتحويل خط كركوك - جيهان إلى جزء أكثر استقراراً من منظومة الصادرات العراقية.

منفذ بعيداً عن هرمز

تعتمد الصادرات العراقية بدرجة كبيرة على الموانئ الجنوبية، ومنها تتجه الناقلات عبر مضيق هرمز إلى الأسواق العالمية. ويوفر هذا المسار القدرة الأكبر والأقل كلفة لنفط الجنوب، لكنه يجعل القسم الأكبر من إيرادات العراق مرتبطاً بممر بحري واحد.

وقد أعادت حرب إيران والاضطرابات التي رافقتها وضع تنويع منافذ التصدير في مقدمة الأولويات العراقية. فاقتصاد البلاد يعتمد على النفط في تمويل معظم الإنفاق العام وتوفير العملات الأجنبية، وأي تعطل طويل للملاحة عبر هرمز يمكن أن يحد من الصادرات، حتى مع استمرار الحقول في الإنتاج.

من هنا، تبرز أهمية خط جيهان الذي ينقل النفط براً إلى البحر المتوسط، بعيداً عن الخليج وبحر العرب. وقد قدم الجانب التركي الخط باعتباره مساراً بديلاً تزداد أهميته مع المخاطر المحيطة بالملاحة في هرمز.

ولا يستطيع جيهان، بطاقته الحالية والكميات المتاحة في شمال العراق، تعويض الصادرات الجنوبية. لكنه يسمح باستمرار تدفق جزء من النفط في أوقات الأزمات، ويخفض احتمال توقف الإيرادات النفطية بصورة كاملة.

وتقاس أهمية الخط هنا بقدرته على إضافة المرونة إلى شبكة التصدير، أكثر من حجم الكميات التي ينقلها في الظروف الطبيعية.

ربط جيهان بنفط الجنوب

ترتبط الاستفادة الكاملة من الخط بقدرة العراق على إيصال كميات أكبر من الخام إلى الشبكة الشمالية. فمعظم الإنتاج يأتي من حقول الجنوب، بينما يعتمد جيهان أساساً على نفط كركوك وإقليم كردستان.

ولهذا تكتسب مشروعات الربط بين البصرة والشمال أهمية خاصة. فإذا تمكن العراق من إنشاء أنبوب داخلي كبير يمتد من مناطق الإنتاج الجنوبية إلى حديثة أو كركوك، فسيصبح ممكناً توجيه جانب من نفط البصرة إلى تركيا والبحر المتوسط.

وسيتغير عندها موقع جيهان من منفذ مخصص أساساً لنفط الشمال إلى أحد المسارات الرئيسية لتصدير النفط العراقي، إلى جانب الموانئ الجنوبية والمشروعات المقترحة باتجاه سوريا والأردن.

 وتبلغ الطاقة الاستيعابية لخط الأنابيب العراقي–التركي نحو 1.5 مليون برميل يومياً، فيما لا تزال الاستفادة من هذه القدرة مرتبطة بزيادة الكميات المتاحة من شمال العراق وتطوير شبكة الأنابيب الداخلية. ويمكن لربط حقول الجنوب بالمسار الشمالي مستقبلاً أن يوسع وظيفة الخط، ويحوله من منفذ يعتمد أساساً على نفط كركوك وإقليم كردستان إلى مسار أكبر يصل جانباً من إنتاج العراق إلى البحر المتوسط والأسواق الأوروبية.

غير أن الانتقال من الطاقة النظرية إلى التدفقات الفعلية يتطلب استثمارات كبيرة. فالشبكة داخل العراق تحتاج إلى تأهيل وتوسعة، بينما يتطلب ربط الجنوب بالشمال أنابيب جديدة ومحطات ضخ ومرافق تخزين واتفاقات تمويل وتنفيذ.

وصول أقرب إلى أوروبا

يتيح ميناء جيهان للخام العراقي الوصول مباشرة إلى البحر المتوسط والأسواق الأوروبية، من دون المرور عبر مضيق هرمز والمسار البحري الطويل الخارج من الخليج.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن التصدير عبر جيهان أكثر ربحية في جميع الظروف. فالجدوى تتأثر برسوم الأنابيب، ونوعية الخام، وفروق الأسعار بين الأسواق، وكلفة الشحن البحري من كل منفذ.

لكن الخط يمنح "سومو" خيارات تسويقية أوسع. فكلما تعددت المنافذ والأسواق القريبة، تحسنت قدرة الشركة على توزيع الشحنات والتفاوض مع المشترين والاستجابة للتغير في الطلب بين آسيا وأوروبا.

كما تمتلك المصافي التركية والمتوسطية خبرة طويلة في معالجة خام كركوك والنفوط القادمة من المنطقة، ما يوفر قاعدة طلب يمكن البناء عليها عند رفع الصادرات.

وقد يدعم انتظام التدفقات عبر جيهان حضور النفط العراقي في أوروبا، من دون أن يقلل من أهمية الأسواق الآسيوية التي ستبقى الوجهة الأكبر بسبب حجم الطلب وقربها من الموانئ الجنوبية.

تجاوز إرث النزاعات

مر خط كركوك - جيهان بمراحل طويلة من التوقف بسبب الحروب والتخريب والخلافات السياسية والقانونية. وبرزت أكبر أزماته الحديثة بعد تصدير حكومة إقليم كردستان النفط عبر تركيا بصورة مستقلة عن الحكومة الاتحادية و"سومو".

وقاد الخلاف إلى تحكيم دولي انتهى لمصلحة العراق، ثم توقفت الصادرات عبر الخط في مارس 2023. ولم يكن التعطل فنياً فقط، إذ تداخلت فيه قضايا إدارة التسويق، ورسوم النقل، ومستحقات الشركات العاملة في الإقليم، والعلاقة بين بغداد وأربيل وأنقرة.

وتؤكد مشاركة "سومو" وشركة نفط الشمال في الاتفاق الجديد أن التصدير سيجري ضمن الإطار الاتحادي. ويعزز ذلك وحدة السياسة التسويقية، لكنه لا ينهي القضايا المرتبطة بانتظام إنتاج الإقليم، وتسليم النفط، وتسديد مستحقات الشركات.

ومن المرجح أن تتركز مفاوضات الاتفاق طويل الأمد على معالجة هذه الملفات، إلى جانب تحديد الكميات الدنيا ورسوم النقل ومسؤولية الصيانة وآليات فض النزاعات، بما يقلل احتمال تكرار التوقفات السابقة.

شبكة منافذ متكاملة

ينبغي النظر إلى اتفاق جيهان ضمن خريطة أوسع تعمل بغداد على تطويرها. فالعراق يبحث في إعادة تأهيل مسار النفط إلى ميناء بانياس السوري، ويدرس مشروع أنبوب إلى ميناء العقبة الأردني، إلى جانب تطوير مشروع "البصرة - حديثة" الذي يمكن أن يشكل قاعدة داخلية لتوزيع الخام على أكثر من اتجاه.

ولا يخلو أي مسار من التحديات. فجيهان يعتمد على التعاون مع تركيا واستقرار الشبكة الشمالية، وبانياس يحتاج إلى إعادة تأهيل واتفاقات فنية ومالية، والعقبة يتطلب استثمارات كبيرة ومساراً طويلاً، بينما تبقى الموانئ الجنوبية معرضة لمخاطر هرمز.

لذلك، لا تكمن السياسة الأكثر جدوى في استبدال مضيق هرمز بخط واحد، وإنما في بناء شبكة تتيح للعراق تصدير النفط عبر الخليج والبحر المتوسط والبحر الأحمر، وتحويل جزء من الكميات من مسار إلى آخر بحسب ظروف الملاحة والأسعار والطلب.

يمثل الاتفاق السنوي مع تركيا خطوة عملية في هذا الاتجاه، لكنه يبقى مرحلة انتقالية. وسيقاس نجاحه بحجم النفط الذي سيتدفق فعلياً، وبقدرة بغداد وأنقرة على تحويل مهلة العام إلى اتفاق مستقر وطويل الأمد.

فإذا اقترن تشغيل جيهان بتطوير شبكة الأنابيب داخل العراق وربطها تدريجياً بحقول الجنوب، يمكن أن يصبح الخط منفذاً استراتيجياً يعزز أمن الصادرات ويوسع وصول الخام العراقي إلى أوروبا. أما بقاء التدفقات محصورة في إنتاج الشمال المحدود، فسيترك فجوة واسعة بين الطاقة المعلنة والاستخدام الفعلي للخط.