شراكة عُمانية - كازاخستانية تعيد النحاس إلى قلب استراتيجية التعدين
شراكة عُمانية - كازاخستانية تعيد النحاس إلى قلب استراتيجية التعدين
-
الاقتصاد والأعمال
تدخل شركة تنمية معادن عُمان مرحلة جديدة في تطوير موارد النحاس عبر اتفاقية شراكة مع شركة "سوليد كور ريسورسيس" الكازاخستانية لتطوير مشروع النحاس في محافظة شمال الباطنة.
وبموجب الاتفاق، تحصل الشركة الكازاخستانية على حصة تصل إلى 60 في المئة من المشروع، من خلال آلية استثمار مرحلية ترتبط بتحقيق مستهدفات فنية واستثمارية محددة. بذلك تتحول الشراكة إلى نموذج لتقاسم مخاطر الاستكشاف، وربط زيادة الملكية بالتقدم الفعلي في الحفر والدراسات وتقدير الموارد.
يقع المشروع ضمن منطقة الامتياز 11B التابعة لشركة تنمية معادن عُمان، على بعد نحو 29 كيلومتراً من مدينة صحار، بما يمنحه ميزة لوجستية مهمة لقربه من واحدة من أهم المدن الصناعية والموانئ في السلطنة.

وبحسب تفاصيل نشرتها "سوليد كور"، تستطيع الشركة الكازاخستانية رفع حصتها على ثلاث مراحل. تبدأ بحصة 20 في المئة مقابل مساهمة نقدية قدرها 8 ملايين دولار في المشروع، ثم حصة إضافية قدرها 25 في المئة مقابل 20 مليون دولار لتمويل أعمال استكشاف وإعداد تقدير للموارد المعدنية وفق معيار "JORC"، ثم حصة أخيرة قدرها 15 في المئة وفق معادلة ترتبط بمحتوى النحاس المكافئ في الموارد المعدنية وبمضاعفات شركات مقارنة. وبعد إكمال المرحلة الثالثة، تموَّل أعمال التطوير اللاحقة وفق نسب الملكية بين الطرفين.
تكتسب هذه الصيغة أهميتها لأنها تجعل الاستثمار مشروطاً بالنتائج. فمشروعات التعدين، ولا سيما النحاس، تمر بمراحل طويلة قبل الوصول إلى الإنتاج التجاري. تبدأ بالاستكشاف الجيولوجي، ثم الحفر، ثم تقدير الموارد، ثم دراسات الجدوى الفنية والاقتصادية، ثم التمويل والبناء والتشغيل. لذلك يسمح الاستثمار المرحلي بجذب الخبرة والتمويل، مع إبقاء تقدم الشراكة مرتبطاً بزيادة الثقة في المورد المعدني وبحجم القيمة التي يمكن استخراجها منه.
مشروع في منطقة ذات ذاكرة نحاسية
يحمل المشروع أهمية إضافية لأنه يقع في منطقة لها تاريخ طويل مع النحاس. فقد استعادت عُمان في ديسمبر 2024 صادرات النحاس بعد توقف دام قرابة 30 عاماً، من خلال تصدير أول شحنة من مركزات النحاس من منجم الأصيل في ولاية صحار بمحافظة شمال الباطنة. وقد استعادت عُمان في ديسمبر 2024 صادرات النحاس بعد توقف دام قرابة 30 عاماً، من خلال تصدير أول شحنة من مركزات النحاس من منجم الأصيل في ولاية صحار بمحافظة شمال الباطنة.

وتفيد بيانات رسمية عُمانية بأن المنجم ينتج خاماً لمعالجة مركزات نحاس بتركيز يتراوح بين 18 و22 في المئة، وأن متوسط الإنتاج السنوي يقارب 500 ألف طن من خام النحاس، مع خطط لتشغيل منجم البيضاء في ولاية لوى بين عامي 2025 و2026. .
وتكمن أهمية مشروع شمال الباطنة أنه يأتي ضمن محاولة أوسع لإعادة بناء سلسلة نحاس عُمانية تبدأ من الاستكشاف، وتنتقل إلى استخراج الخام، ثم إنتاج المركزات، وربما لاحقاً إلى مراحل تصنيع أعلى قيمة إذا توافرت الكميات والجدوى الاقتصادية والطاقة والبنية الصناعية. كما أن قرب المشروع من صحار يقلل جزءاً من كلفة التطوير، ويفتح المجال أمام نموذج يربط المناجم الصغيرة والمتوسطة بمراكز معالجة وتصدير قريبة.
وتشير المعطيات الفنية المنشورة إلى أن التمعدن في المشروع من نوع الكبريتيدات البركانية الحاملة للنحاس والذهب. وهذا النوع من التمعدن قد ينتج خامات متعددة المعادن، ما يعزز القيمة الاقتصادية إذا أثبتت الدراسات وجود كميات وتركيزات مناسبة.
وقد أوضحت الشركة الكازاخستانية أن منطقة الامتياز تقع ضمن حزام "سمايل أوفيولايت"، وأن الأعمال السابقة أكدت وجود تمعدن نحاس وذهب على امتداد يزيد على 800 متر، مع مناطق معدنية يصل سمكها إلى 70 متراً في بعض المواضع.
التعدين مسار للتنويع
تسعى عُمان إلى جعل التعدين أحد مسارات التنويع الاقتصادي ضمن رؤية "عُمان 2040". وتعرض منصة "استثمر في عُمان" القطاع بوصفه ركيزة استراتيجية للرؤية، مع هدف رفع مساهمته في الناتج المحلي من 1.4 في المئة في عام 2020 إلى 10 في المئة بحلول عام 2040. كما تشير المنصة إلى أن سلسلة جبال عُمان الممتدة لنحو 700 كيلومتر تضم رواسب من النحاس والذهب والكروميت ومعادن صناعية مثل الحجر الجيري والجبس، وأن السلطنة تستهدف الاستفادة من موقعها وبنيتها الأساسية لتطوير الإنتاج والتصدير.

وتتجاوز أهمية النحاس كونه مورداً معدنياً محلياً. فالطلب العالمي عليه يرتبط بتوسع شبكات الكهرباء، والطاقة المتجددة، والسيارات الكهربائية، والبطاريات، ومراكز البيانات، والبنية التحتية الرقمية. وهذا يمنح عُمان فرصة للدخول في سلاسل توريد ترتبط بتحول الطاقة، شرط أن تتحول الموارد الواعدة إلى مشروعات قابلة للتمويل والإنتاج.
ولا يقتصر الرهان التعديني في عُمان على النحاس. فالسلطنة تمتلك قاعدة معدنية متنوعة تشمل معادن فلزية مثل النحاس والكروم والحديد والمنغنيز، ومعادن صناعية وغير فلزية مثل الحجر الجيري والجبس والدولوميت والسيليكا والرخام والطين والكاولين والحجر الرملي. كما تُظهر بيانات الامتيازات التابعة لتنمية معادن عُمان أن بعض المناطق، ومنها الامتياز 11B والامتياز 12A-2، تحمل فرصاً في النحاس والذهب والكروميت. وهذا يجعل مشروع شمال الباطنة مدخلاً إلى امكانية استغلال أوسع للإمكانات الجيولوجية في أحزمة معدنية متعددة.
وتبرز أهمية المعادن الصناعية لأنها ترتبط مباشرة بقطاعات قائمة مثل الإسمنت، ومواد البناء، والصناعات التحويلية، والتصدير عبر الموانئ. فالجبس والحجر الجيري والدولوميت والسيليكا والرخام يمكن أن تولد قيمة اقتصادية أسرع من بعض المعادن الفلزية، إذا جرى تنظيم التراخيص، ورفع مستوى المعالجة المحلية، وتحسين تسعير الصادرات، وربط الإنتاج بالمناطق الصناعية.
وهذا ما قد يوفر فرصة كبيرة لبناء محفظة معدنية متوازنة تجمع بين مشاريع أسرع عائداً في المعادن الصناعية، ومشاريع طويلة الأجل في المعادن الفلزية والاستراتيجية.
شراكات أجنبية وخبرة تشغيلية
تبدو شراكة تنمية معادن عُمان مع "سوليد كور" جزءاً من سياسة أوسع تقوم على إدخال شركات تمتلك خبرة تشغيلية في الاستكشاف والتطوير. فالشركة الكازاخستانية تُعد من كبار منتجي الذهب في آسيا الوسطى، وتملك خبرة في تحويل المشاريع من مرحلة التقييم إلى التشغيل. ويمثل دخولها إلى عُمان أول توسع استكشافي لها خارج كازاخستان، ما يعطي الاتفاق بعداً مزدوجاً. فهو يوفر لعُمان شريكاً فنياً ومالياً، ويوفر للشركة الأجنبية منصة لدخول سوق خليجية مستقرة ومرتبطة بموانئ وأسواق آسيوية وأفريقية قريبة.
ويعكس الاتفاق أيضاً تحوّلاً في طريقة عُمان بالتعامل مع الثروة المعدنية. فالقطاع يتجه نحو بناء شراكات طويلة الأجل، وتطوير بيانات جيولوجية، وجذب شركات قادرة على ضخ رأس مال استكشافي وتحمل مخاطر المراحل الأولى.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة لأن جزءاً كبيراً من القيمة في التعدين يتحدد قبل بناء المنجم، أي في جودة الاستكشاف، ودقة تقدير الموارد، وصلابة دراسات الجدوى، وقدرة المشروع على الحصول على تمويل.
متطلبات تطوير القطاع
تملك عُمان عناصر مهمة لتطوير التعدين تتضمن موارد جيولوجية، موقع بحري، موانئ، مناطق صناعية، واستقرار تشريعي. وقد صدر قانون الثروة المعدنية بالمرسوم السلطاني رقم 19/2019 لتنظيم استغلال الموارد المعدنية والتراخيص والاتفاقيات. لكن تحويل هذه العناصر إلى صناعة كبيرة يتطلب منظومة أكثر اتساعاً من منح الامتيازات.
أول المتطلبات هو تكثيف الاستكشاف وفق بيانات جيولوجية مفتوحة ومنظمة. فالاستثمار في التعدين ينشط عندما تتوافر خرائط حديثة، ومسوح جيوفيزيائية وجيوكيميائية، ومعلومات قابلة للاستخدام من المستثمرين. وكلما ارتفعت جودة البيانات الأولية، زادت قدرة السلطنة على جذب شركات نوعية.
ثاني المتطلبات هو تسريع مسار التراخيص مع الحفاظ على المعايير البيئية. فالتعدين يتطلب وضوحاً في حقوق الامتياز، ومدد الرخص، وآليات التجديد، وشروط نقل الحصص، ومتطلبات الإفصاح، ومعايير إغلاق المناجم وإعادة التأهيل. وهذا الوضوح يحمي الدولة والمستثمر والمجتمعات المحلية في الوقت نفسه.
ثالث المتطلبات هو بناء سلاسل قيمة محلية. فالأثر الأكبر يأتي من المعالجة، والخدمات الهندسية، والنقل، والصيانة، والتدريب، والمشتريات المحلية، وربط المناجم بالمناطق الصناعية والموانئ. ومن هنا تبرز أهمية صحار والدقم ومناطق الامتياز القريبة من البنية الأساسية. كما يمكن أن تمنح المعادن الصناعية عُمان فرصة أسرع لتوسيع التصنيع المحلي، خصوصاً في مواد البناء، والإسمنت، والمنتجات المرتبطة بالجبس والحجر الجيري والسيليكا.
رابع المتطلبات هو إعداد الكفاءات. فالتعدين الحديث يعتمد على الجيولوجيين، ومهندسي المناجم، وخبراء البيئة، ومهندسي المعالجة، ومختصي السلامة، ومحللي البيانات. لذلك فإن نقل المعرفة الذي تحدثت عنه "تنمية معادن عُمان" يجب أن يتحول إلى برامج تدريب وعمل مشتركة، وأن يصبح كل مشروع جديد منصة لتكوين خبرة وطنية في الاستكشاف والتشغيل وإدارة المخاطر.
انعكاسات اقتصادية أوسع
إذا تقدمت شراكة شمال الباطنة إلى مراحل أكثر نضجاً، فإن أثرها سيتجاوز شركة تنمية معادن عُمان. فهي يمكن أن تدعم نشاط المقاولين المحليين، وتزيد الطلب على خدمات الحفر والمسح والنقل، وتخلق وظائف فنية، وتدعم ميناء صحار، وتفتح الباب أمام مشروعات معالجة أو تجميع خامات من عدة مواقع. كما يمكن أن ترفع جاذبية عُمان أمام شركات تعدين أخرى تبحث عن مناطق مستقرة وقريبة من الممرات البحرية.
ويبقى الأثر الأوسع مشروطاً بالانتقال من اتفاقيات منفردة إلى منصة قطاعية متكاملة. فالنحاس يمكن أن يكون محوراً لصناعة، إذا ترافق مع مشروعات أخرى في الكروميت والجبس والحجر الجيري والدولوميت والسيليكا والذهب وغيرها من المعادن. عندها يصبح القطاع أقرب إلى الطموحات الموضوعة له ضمن رؤية 2040.
تمنح اتفاقية شركة تنمية معادن عُمان و"سوليد كور" مؤشراً على الاتجاه الجديد القائم على استثمار أجنبي نوعي، دخول خبرة تشغيلية، تقاسم للمخاطر، وربط للملكية بالتقدم الفني.
وتكمن قيمتها الأوسع في أنها تأتي ضمن قطاع يقوم على مزيج من النحاس والذهب والكروميت والجبس والحجر الجيري والدولوميت والسيليكا ومعادن أخرى يمكن أن تتحول، إذا أُحسن تنظيمها وتصنيعها وتسويقها، إلى قاعدة إنتاجية أوسع للاقتصاد العُماني.
ويبقى الاختبار في قدرة السلطنة على تكرار هذا النموذج، وتسريع الاستكشاف، وتوسيع قاعدة الشركاء، وتحويل الثروة المعدنية من مورد كامن في الجبال إلى صناعة ترفد الاقتصاد بالإنتاج والصادرات والوظائف والمعرفة.
الأكثر قراءة
-
شركة أبوظبي الوطنية للتأمين تعيّن رئيس تنفيذي بالإنابة
-
معادن جديدة تمنح السعودية موقعاً متقدماً في اقتصاد المستقبل
-
الدقم ترسم موقع عُمان الاقتصادي الجديد: عقدة صناعية ولوجستية خارج مضيق هرمز
-
جهاز قطر للاستثمار و"ICEYE" التموضع في اقتصاد الفضاء والذكاء السيادي
-
رئيس اتحاد الغرف السعودية يرحب باستئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة

