عُمان توظف الاستقرار المالي لبناء محركات جديدة للنمو

  • 2026-06-25
  • 00:31

عُمان توظف الاستقرار المالي لبناء محركات جديدة للنمو

  • الاقتصاد والأعمال

تعكس نتائج الحساب الختامي للميزانية العامة لسلطنة عُمان لعام 2025 مساراً اقتصادياً امتد على مدى سنوات، حمل معه تحولات عميقة في إدارة المالية العامة وفي طريقة توظيف الموارد من أجل بناء اقتصاد أكثر تنوعاً ومرونة.

فالنتائج التي أظهرت ارتفاع الإيرادات العامة الفعلية إلى 12.1 مليار ريال عُماني، وتراجع العجز إلى 461 مليون ريال، واستقرار الدين العام عند حدود 14.6 مليار ريال، تعبر عن مرحلة جديدة تجاوزت عنوان معالجة الاختلالات المالية، وانتقلت إلى مرحلة توظيف الاستقرار المالي في بناء محركات نمو جديدة وتعزيز موقع السلطنة الاقتصادي في المنطقة.

جاءت هذه النتائج في وقت يشهد فيه العالم تغيرات متسارعة في حركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، وفي وقت تتزايد فيه المنافسة بين الدول على جذب الاستثمارات ورؤوس الأموال والصناعات الجديدة. وقد دخلت عُمان هذه المرحلة من موقع مختلف عما كانت عليه قبل سنوات، بعدما نجحت في تعزيز متانة ماليتها العامة ووفرت مساحة أوسع للاستثمار والإنفاق التنموي.

سنوات إعادة التوازن

واجهت السلطنة خلال العقد الماضي تحديات مالية كبيرة فرضتها تقلبات أسعار النفط وتداعيات جائحة كورونا، وما رافقها من ارتفاع مستويات الدين العام والعجز المالي. دفعت هذه المرحلة الحكومة العمانية إلى إطلاق برنامج متكامل لإعادة التوازن المالي، ارتكز على رفع كفاءة الإنفاق وتنويع الإيرادات وتحسين إدارة الدين العام وتطوير أدوات التخطيط المالي.

أسهمت هذه الإجراءات في تعزيز الثقة بالاقتصاد العُماني وتحسين التصنيفات الائتمانية واستعادة قدر أكبر من المرونة المالية. ومع مرور الوقت، بدأت نتائج هذه الإصلاحات تظهر بصورة تدريجية، سواء من خلال انخفاض الضغوط المالية أو عبر توفير مساحة أوسع لتوجيه الموارد نحو التنمية والاستثمار.

وتكشف نتائج عام 2025 عن درجة عالية من الانضباط المالي وواقعية الافتراضات التي بنيت عليها الميزانية، حيث جاءت النتائج الفعلية قريبة من التقديرات المعتمدة، الأمر الذي يعكس تطوراً في أدوات التخطيط المالي وفي إدارة السيولة والالتزامات الحكومية.

الإنفاق التنموي يعود إلى الواجهة

يتمثل أحد أبرز المؤشرات التي حملتها نتائج الحساب الختامي في ارتفاع الإنفاق الإنمائي بنسبة 38 في المئة مقارنة بالمستويات المعتمدة في الميزانية. ويعكس ذلك توجهاً نحو تسريع تنفيذ المشروعات المرتبطة بالخطة الخمسية العاشرة، وتعزيز الاستثمارات الحكومية في البنية الأساسية والخدمات الاجتماعية.

استحوذ قطاع الهياكل الأساسية على 43 في المئة من إجمالي الإنفاق الإنمائي، فيما بلغت حصة الهياكل الاجتماعية 40 في المئة، وهو توزيع يعكس اهتماماً بتوفير البيئة الملائمة لجذب الاستثمارات وتحسين جودة الخدمات وتعزيز تنافسية الاقتصاد.

وتكتسب هذه الاستثمارات أهمية إضافية في مرحلة تشهد فيها المنطقة تنافساً متزايداً على استقطاب الصناعات والخدمات والأنشطة اللوجستية، حيث أصبحت البنية الأساسية الحديثة عنصراً رئيسياً في تعزيز القدرة التنافسية للدول.

الاستقرار المالي يفتح المجال أمام الاقتصاد الجديد

أوجد التحسن في أوضاع المالية العامة قاعدة أكثر قوة لدعم التحولات الاقتصادية التي تستهدفها رؤية عُمان 2040. فإدارة المالية العامة أصبحت جزءاً من مشروع اقتصادي أوسع يهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتعزيز دور القطاع الخاص ورفع جاذبية السلطنة للاستثمارات المحلية والأجنبية.

وقد تم اطلاق مجموعة من المبادرات والخطوات المؤسسية التي تعزز كفاءة إدارة الموارد والأصول، من بينها إنشاء هيئة الأصول الحكومية وتأسيس مجلس التنسيق الاقتصادي، إلى جانب تطوير البيئة التنظيمية وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص.

وتوفر هذه المنظومة قدراً أكبر من التنسيق بين السياسات المالية والاستثمارية والتنموية، وتمنح المستثمرين وضوحاً أكبر حول الأولويات الاقتصادية ومسارات النمو المستقبلية.

اللوجستيات تتحول إلى أحد أعمدة الاقتصاد

شهد القطاع اللوجستي خلال السنوات الأخيرة توسعاً متسارعاً، مدفوعاً بموقع السلطنة الجغرافي وشبكة موانئها الحديثة واستثماراتها في البنية الأساسية والنقل والخدمات البحرية.

وتبرز مجموعة أسياد بوصفها أحد أهم أدوات هذا التحول، حيث توسعت أعمالها داخل السلطنة وخارجها، بالتوازي مع تنامي دور موانئ صحار وصلالة والدقم في حركة التجارة الإقليمية والدولية.

كما تمنح الجغرافيا العُمانية ميزة إضافية في ظل التحولات التي تشهدها الممرات التجارية العالمية والاهتمام المتزايد بتعزيز مرونة ومناعة سلاسل الإمداد وتطوير مسارات بحرية وتجارية جديدة لا سيما بعد حرب إيران الأخيرة واضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز. وتزداد أهمية هذه الميزة مع تصاعد الاهتمام العالمي بتنويع طرق النقل والتجارة وتخفيف المخاطر الجيوسياسية.

الدقم والهيدروجين الأخضر وصناعة المستقبل

تمثل المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم أحد أبرز النماذج التي تجسد التحول الاقتصادي في السلطنة. فقد تحولت هذه المنطقة إلى منصة تستقطب الاستثمارات في قطاعات الطاقة النظيفة والصناعة والخدمات اللوجستية.

وتعزز مشاريع الهيدروجين الأخضر موقع عُمان في الاقتصاد العالمي الجديد، في وقت تتسارع فيه الاستثمارات الدولية في مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات. كما تفتح هذه المشاريع الباب أمام نشوء صناعات جديدة مرتبطة بالأمونيا الخضراء وسلاسل القيمة الصناعية والطاقة النظيفة.

وتوفر هذه الاستثمارات فرصاً واسعة لتطوير الصناعات التحويلية وجذب رؤوس الأموال والتقنيات الحديثة، بما يدعم أهداف التنويع الاقتصادي خلال العقود المقبلة. وقد شهدت القج مؤخرا الاعلان عن مشاريع جديدة باستثمارات بلغت أكثر من 7.5 مليار دولار أميركي.

الاقتصاد الرقمي يدخل مرحلة التوسع

بالتوازي مع القطاعات التقليدية، تواصل السلطنة بناء ركائز الاقتصاد الرقمي من خلال تطوير البنية التحتية للاتصالات والخدمات الإلكترونية والتحول الرقمي في المؤسسات الحكومية، إلى جانب استقطاب الاستثمارات المرتبطة بمراكز البيانات والخدمات السحابية والذكاء الاصطناعي.

ويكتسب هذا القطاع أهمية متزايدة في الاقتصاد العالمي، مع تحول البيانات والتقنيات الحديثة إلى عناصر مؤثرة في الإنتاجية وجذب الاستثمارات وخلق فرص الأعمال الجديدة.

وتنسجم هذه التحولات مع التوجهات العالمية التي تمنح الاقتصاد الرقمي دوراً متزايداً في دعم النمو وتعزيز القدرة التنافسية.

التموضع الاقتصادي الجديد

تتزامن هذه التحولات مع التوجهه السائد نحو إعادة رسم خرائط التجارة والاستثمار والطاقة في المنطقة. وقد وفرت الإصلاحات المالية والاستثمارات الاستراتيجية لعُمان فرصة لتعزيز حضورها ضمن هذه التحولات، مستفيدة من موقعها الجغرافي وشبكة موانئها وعلاقاتها الاقتصادية المتوازنة.

وتتجه السلطنة بصورة متزايدة نحو ترسيخ موقعها كمركز لوجستي وصناعي وتجاري يربط بين آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، مع توسع دورها في قطاعات الطاقة الجديدة والخدمات البحرية والصناعات المتقدمة.

وتمنح هذه العوامل الاقتصاد العُماني مساحة أوسع للاستفادة من التحولات الجارية في الاقتصاد العالمي، وتساعد على بناء مصادر دخل أكثر تنوعاً واستدامة.

مكانة أقوى في الاقتصاد الاقليمي

تكشف نتائج الحساب الختامي لعام 2025 عن ثمرة مسار طويل من الإصلاحات التي أعادت تشكيل المالية العامة ورسخت قدراً أكبر من الاستقرار والمرونة. ومع توسع الإنفاق التنموي وظهور قطاعات جديدة للنمو، تتبلور ملامح مرحلة اقتصادية مختلفة ترتكز على الاستثمار والبنية الأساسية واللوجستيات والطاقة الجديدة والاقتصاد الرقمي.

وتشير هذه التحولات إلى انتقال عُمان نحو نموذج اقتصادي أكثر تنوعاً، يستند إلى أصول إنتاجية ومحركات نمو متعددة، ويوفر قاعدة أقوى لتعزيز مكانة السلطنة في الاقتصاد الإقليمي والعالمي خلال السنوات المقبلة.