عبدالله بن حمد العطية… سيرة رجل من زمن بناء الدول

  • 2026-05-30
  • 13:51

عبدالله بن حمد العطية… سيرة رجل من زمن بناء الدول

  • كتب فيصل أبوزكي

تحولت قطر خلال العقود الثلاثة الماضية إلى واحدة من أهم القوى العالمية في الغاز الطبيعي المسال بفضل رؤية سياسية واضحة، ورجال امتلكوا القدرة على تحويل تلك الرؤية إلى مؤسسات ومشاريع وعلاقات دولية وصناعة متكاملة غيّرت موقع الدولة في العالم.

وفي قلب هذه المرحلة برز اسم عبدالله بن حمد العطية بوصفه واحداً من أهم رجال الدولة الذين لعبوا دوراً حاسماً في بناء النموذج الطاقوي القطري الحديث.

فعند الحديث عن قصة صعود قطر، تتجه الأنظار مباشرة إلى حقل الشمال العملاق أو إلى الأرقام الضخمة لصادرات الغاز والاستثمارات السيادية. غير أن هذه القصة تحمل بعداً آخر أكثر عمقاً يتعلق بالطريقة التي تحولت بها الإمكانات الكامنة إلى مشروع اقتصادي ودولي متكامل.

وهنا تحديداً تظهر أهمية الدور الذي لعبه عبدالله بن حمد العطية.

رحيل العطية يعيد التذكير بجيل كامل من رجال الدولة الخليجيين الذين عملوا في مرحلة تأسيسية دقيقة، عندما كانت دول الخليج تبحث عن شكلها الاقتصادي المستقبلي، وتحاول أن تحدد كيف يمكن تحويل الثروة الطبيعية إلى نموذج اقتصادي طويل الأمد يتجاوز تقلبات الأسواق ودورات أسعار النفط.

في مطلع التسعينيات، لم تكن قطر الدولة التي يعرفها العالم اليوم. كان الاقتصاد أصغر حجماً، والإنتاج النفطي محدوداً مقارنة بجيرانها، وأسعار النفط تعرضت لانهيارات حادة، فيما كان حقل الشمال يحمل إمكانات هائلة تحتاج إلى استثمارات ضخمة ورهانات طويلة حتى يتحول إلى صناعة عالمية متكاملة. وفي تلك اللحظة المفصلية، دخل عبدالله بن حمد العطية إلى قلب المشروع القطري في الطاقة.

الرجل الذي بدأ مسيرته المهنية في وزارة المالية والبترول مطلع السبعينيات وصل إلى قطاع الطاقة بعد سنوات من العمل داخل المؤسسات الحكومية وفي ملفات العلاقات الدولية والإدارة والشؤون النفطية، وهذا ما منحه فهماً مبكراً للطريقة التي تتحرك بها صناعة الطاقة العالمية، وللعلاقة المعقدة بين الحكومات والشركات والأسواق والجغرافيا السياسية.

وحين تولى قيادة قطاع الطاقة، كان التحدي يتجاوز زيادة الإنتاج أو توقيع عقود جديدة. تمثلت المسألة الأساسية في إقناع العالم بأن الغاز القطري مشروع طويل الأمد يمكن الوثوق به والاستثمار فيه.

اليوم تبدو هذه النتيجة بديهية بعد أن أصبحت قطر واحدة من أكبر القوى العالمية في الغاز الطبيعي المسال. أما في ذلك الوقت، فكان الرهان أكثر صعوبة. كان الكثير من شركات الطاقة الكبرى ينظر إلى النفط باعتباره مركز الصناعة الحقيقي، فيما احتاجت مشاريع الغاز الطبيعي المسال إلى استثمارات هائلة وبنية تحتية معقدة وعقود طويلة الأجل وأسواق مستقرة.

وسط هذه الظروف، برزت القيمة الحقيقية لعبدالله بن حمد العطية، فقد امتلك الرجل قدرة نادرة على الجمع بين عقلية الدولة وعقلية السوق في آن واحد. كان يفهم لغة المستثمرين وشركات الطاقة الكبرى، ويعرف كيف تتحرك الحكومات والمؤسسات الدولية، ويدرك أن نجاح قطر يحتاج إلى بناء الثقة والسمعة المهنية والالتزام طويل الأمد.

ومن يعرف صناعة الطاقة يدرك أن الثقة فيها تمثل جزءاً أساسياً من قيمة المشروع نفسه.

وقد ساعدت هذه المقاربة قطر على ترسيخ صورتها كمورد موثوق وقادر على الالتزام بتعهداته على مدى عقود، وهو ما فتح الطريق أمام توسع غير مسبوق في صناعة الغاز القطرية، وأمام بناء شبكة واسعة من الشراكات الدولية والعقود الاستراتيجية.

كما اكتسب العطية مكانة خاصة داخل أوساط الطاقة العالمية بفضل شخصيته وطريقة إدارته للعلاقات.

كان واسع الثقافة والاطلاع، قادراً على التحرك بسلاسة بين العواصم والشركات ومراكز القرار، ويملك حضوراً هادئاً يمنح من يجلس معه شعوراً بالألفة والارتياح.

ورغم المناصب الكبيرة التي شغلها، لم يكن يميل إلى صناعة الحواجز الرسمية بينه وبين الآخرين، وكانت شخصيته أقرب إلى رجال الدولة الذين يبنون النفوذ عبر الحضور الإنساني والقدرة على التواصل، إلى جانب القرار والسلطة.

أعطته هذه الصفات قدرة إضافية على إدارة واحدة من أكثر الصناعات تعقيداً ودقة في العالم، وهي صناعة تقوم على التفاوض المستمر وبناء العلاقات طويلة الأمد وتداخل السياسة بالاقتصاد والاستراتيجية.

ولذلك ارتبط اسم عبدالله بن حمد العطية بمرحلة كانت قطر خلالها تؤسس لنموذج اقتصادي يضعها في موقع عالمي جديد. فقد ساهم في بناء الصناعة التي تحولت لاحقاً إلى قاعدة القوة المالية والاستثمارية للدولة، وإلى مصدر رئيسي لقدرتها على توسيع حضورها الدولي وتعزيز استقلاليتها الاقتصادية.

ومع مرور السنوات، بدأت نتائج هذا المسار تظهر بوضوح، فقد تحولت قطر إلى واحدة من أكبر الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال في العالم، وارتفعت طاقتها الإنتاجية إلى مستويات غيرت خريطة الطاقة العالمية، فيما أصبحت الدوحة مركزاً مؤثراً في صناعة الغاز الدولية، وصولاً إلى تأسيس منتدى الدول المصدرة للغاز وترسيخ حضورها كلاعب أساسي في معادلات الطاقة العالمية.

ظهرت قيمة عبدالله بن حمد العطية في مشاركته في صناعة هذا النجاح منذ مراحله الأولى. فقد كان من ذلك الجيل الخليجي النادر الذي ساهم في تحويل الثروة الطبيعية إلى مشروع دولة متكامل، وجعل من الطاقة أداة لبناء المكانة الدولية والنفوذ الاقتصادي طويل الأمد.

لهذا سيبقى إسم عبدالله بن حمد العطية مرتبطاً بالمرحلة التي اكتشفت فيها قطر كيف تبني عبر الغاز مكانتها في العالم.