من تسعير الحرب إلى تسعير الاستقرار

  • 2026-05-09
  • 14:13

من تسعير الحرب إلى تسعير الاستقرار

  • أولاً- الاقتصاد والأعمال

فيما كانت الأسواق العالمية تترقب خلال الأسابيع الماضية تطورات الحرب بين إيران وإسرائيل واحتمالات اتساعها، بدأت الأنظار تتحول تدريجياً إلى كيف يمكن أن تبدو الأسواق إذا نجحت جهود التهدئة وبرز مسار أكثر استقراراً في المنطقة؟ وكان هذا السؤال محور تحليل نشرته وكالة رويترز، تناول ما وصفته بسبعة أسواق ومؤشرات رئيسية يجب مراقبتها لمعرفة ما إذا كانت المنطقة تنتقل فعلاً من مرحلة تسعير الحرب إلى مرحلة إعادة تسعير الاستقرار.

النفط في قلب المشهد

يكتسب التحليل أهمية خاصة لأن الحرب شكلت اختباراً مباشراً لأحد أهم مراكز الطاقة والتجارة البحرية والغاز الطبيعي في العالم. فمنذ بداية المواجهة، دخلت الأسواق في مرحلة تسعير مكثف للمخاطر، انعكس في أسعار النفط والغاز والشحن والتأمين والطاقة والأسهم، قبل أن تبدأ موجة تهدئة تدريجية بعد وقف إطلاق النار والعودة الجزئية لحركة الملاحة والتجارة.

وجاءت في مقدمة المؤشرات التي ركزت عليها رويترز في تقريرها أسعار النفط الخام، باعتبارها المرآة الأكثر حساسية لأي تغير في مستوى المخاطر الجيوسياسية في المنطقة. فقد دفعت المخاوف من اضطراب الإمدادات وإمكانية إغلاق مضيق هرمز أسعار خام برنت إلى مستويات مرتفعة تجاوزت لفترة قصيرة 140 دولاراً للبرميل في السوق الفورية خلال ذروة التوترات، قبل أن تبدأ الأسعار بالتراجع مع انحسار مخاطر الانقطاع الكامل للإمدادات.

ما وراء أسعار النفط

لكن أهمية التحليل تكمن في أنه يشير إلى أن الأسواق أصبحت شبكة مترابطة من المؤشرات التي تعكس كلفة الحرب وعلاوة المخاطر التي دخلت إلى الاقتصاد العالمي خلال الأشهر الماضية. ومن بين هذه المؤشرات هوامش التكرير، وخاصة هوامش الديزل، التي ارتفعت بقوة خلال الحرب نتيجة المخاوف من تعطل الإمدادات وصعوبة النقل البحري. وتعتبر هذه الهوامش من أكثر المؤشرات حساسية لمدى عودة سلاسل الإمداد إلى طبيعتها.

الشحن والتأمين كمؤشر للثقة

كما تبرز تكاليف الشحن البحري والتأمين على الناقلات كأحد أهم المقاييس العملية لقياس عودة الثقة. فخلال الحرب ارتفعت أجور ناقلات النفط عدة أضعاف، وقفزت أقساط التأمين البحري مع تحول الخليج إلى منطقة عالية المخاطر بالنسبة لشركات الملاحة العالمية. وتفيد بيانات شركات متخصصة مثل "كلاركسونز" و"لويدز ليست" بأن جزءاً من هذه التكاليف بدأ بالتراجع فعلاً بعد تثبيت وقف إطلاق النار وعودة جزء من حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

الغاز الطبيعي يعود إلى الواجهة

ولا تقتصر التداعيات على أسواق الطاقة التقليدية. فالغاز الطبيعي المسال كان أيضاً في صلب الأزمة، خصوصاً مع المخاوف التي أحاطت بصادرات قطر، التي تمثل نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً. وقد انعكست هذه المخاوف سريعاً على الأسعار في أوروبا وآسيا، في تكرار جزئي للمشهد الذي شهده العالم بعد الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022. إلا أن عودة التدفقات الطبيعية وتراجع المخاطر العسكرية خففا تدريجياً من الضغوط على الأسواق الأوروبية والآسيوية، وإن بقيت الأسعار أكثر حساسية لأي تطور أمني جديد.

الأسمدة والمواد الصناعية تحت الضغط

ومن النقاط التي توقف عندها تحليل رويترز أيضاً، أسواق الأسمدة والمواد الصناعية الوسيطة مثل الكبريت واليوريا، وهي قطاعات كثيراً ما تبقى خارج دائرة الاهتمام الإعلامي رغم أهميتها للاقتصاد العالمي. فالخليج يمثل مركزاً رئيسياً لإنتاج وتصدير هذه المواد، وأي اضطراب في صادراتها ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء والزراعة والصناعة عالمياً. وقد شهدت الأسواق بالفعل ارتفاعات حادة في بعض هذه المنتجات خلال الحرب قبل أن تبدأ الأسعار بالاستقرار التدريجي.

التضخم والسياسات النقدية

وفي خلفية كل هذه التطورات، تبرز قضية التضخم العالمي. فقد أعادت الحرب إلى الأسواق هاجس ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن والمواد الأولية في وقت كانت فيه البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها الاحتياطي الفدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي، تحاول تثبيت مسار خفض الفائدة بعد دورة تشديد نقدي طويلة. ولذلك فإن أي تراجع مستدام في أسعار النفط والشحن والطاقة قد يشكل عاملاً داعماً لمسار تهدئة التضخم عالمياً، وهو ما تراقبه الأسواق المالية بعناية كبيرة.

إعادة تقييم علاوة الحرب

كما يشير عدد من المحللين، من مؤسسات مثل غولدمان ساكس و جي.بي. مورغان، إلى أن الأسواق بدأت بالفعل بإعادة تقييم علاوة الحرب التي دخلت إلى أسعار الطاقة خلال الأشهر الماضية. إلا أن هذه المؤسسات تحذر في الوقت نفسه من أن الأسواق لم تعد تنظر إلى المنطقة كما كانت قبل الحرب، إذ إن تجربة الأشهر الماضية أعادت تثبيت فكرة أن المخاطر الجيوسياسية في الخليج يمكن أن تنتقل بسرعة من السياسة إلى الاقتصاد والطاقة والتجارة العالمية.

الخليج واختبار المرونة الاقتصادية

وفي هذا السياق، تبدو دول الخليج أمام مرحلة مختلفة اقتصادياً واستراتيجياً. فالحرب أظهرت أهمية البنية التحتية البديلة التي طورتها دول مثل السعودية والإمارات خلال السنوات الماضية، سواء عبر خطوط الأنابيب البديلة عن مضيق هرمز، أو عبر موانئ البحر الأحمر، أو عبر شبكات النقل والخدمات اللوجستية التي ساعدت في الحفاظ على استمرارية التجارة والإمدادات في المنطقة خلال ذروة الأزمة.

من منتجي طاقة إلى مراكز اقتصادية متكاملة

كما برزت خلال الحرب أهمية التحول الجاري في اقتصادات الخليج من مجرد منتجين للطاقة إلى مراكز لوجستية وصناعية ومالية وتكنولوجية مترابطة مع الاقتصاد العالمي. وهذا ما جعل الأسواق تراقب قدرة المنطقة على حماية سلاسل الإمداد واستمرار تدفقات التجارة والطاقة والخدمات المالية حتى في ظل الظروف الأمنية الصعبة.

هل بدأت مرحلة إعادة التسعير؟

السؤال الذي تطرحه الأسواق اليوم أصبح: هل بدأت مرحلة جديدة من إعادة تسعير المخاطر في المنطقة؟ والإجابة عن هذا السؤال لن تظهر فقط في أسعار النفط، إنما أيضاً في حركة السفن، وأسعار الغاز، وهوامش التكرير، وأسواق التأمين، وأسعار الغذاء، وأداء أسهم الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية حول العالم.