"سالك" تُدخِل السعودية إلى قلب تجارة الغذاء العالمية عبر تملك "أولام"
"سالك" تُدخِل السعودية إلى قلب تجارة الغذاء العالمية عبر تملك "أولام"
-
كتب فيصل أبوزكي
في ظاهر الخبر، رفعت “سالك”، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، حصتها في “أولام الزراعية القابضة” إلى 80.01 في المئة، في صفقة بلغت قيمتها 1.88 مليار دولار، أي نحو 7 مليارات ريال. لكن ما لا يظهر في الخبر أن السعودية لا تشتري شركة زراعية تقليدية، ولا تضيف أصلاً جديداً إلى محفظة استثمارية قائمة. إنها تشتري موقعاً داخل البنية التشغيلية لتجارة الغذاء العالمية، أي داخل الشبكة التي تحدد كيف تتحرك سلع أساسية مثل القمح والأرز والزيوت والأعلاف والسلع الزراعية بين مناطق الإنتاج ومناطق الاستهلاك.
هذه هي القيمة الحقيقية للصفقة. فالأمن الغذائي في عالم مضطرب يتطلب قدرة على الوصول إلى مصادر متعددة، وإدارة تدفق السلع، وتحويل الشحنات عند الأزمات، وتقليل الاعتماد على الوسطاء. من هذه الزاوية، تصبح "أولام الزراعية" أكثر من شركة. إنها منصة عالمية للتوريد والتجارة والمعالجة والتمويل واللوجستيات.
الصفقة ليست وليدة اللحظة

بدأت العلاقة بين "سالك" و"أولام الزراعية" في عام 2022، عندما اشترت "سالك" حصة 35.43 في المئة مقابل 1.24 مليار دولار. وفي فبراير 2025، أُعلن الاتفاق على شراء حصة إضافية قدرها 44.58 في المئة مقابل نحو 1.78 مليار دولار، بما يرفع ملكية "سالك" إلى 80.01 في المئة على أساس تقييم لـ"أولام الزراعية" يبلغ 4 مليارات دولار. كما يتضمن الاتفاق حقاً متبادلاً لشراء أو بيع الحصة المتبقية البالغة 19.99 في المئة بعد ثلاث سنوات، بما يفتح الطريق أمام تملك كامل الشركة لاحقاً.
هذا التدرج مهم. فـ "سالك" لم تنتقل مباشرة إلى السيطرة، بل دخلت أولاً كشريك كبير، ثم رفعت حصتها بعد فترة اختبار وفهم للمنظومة. وهذا ينسجم مع طبيعة الشركة نفسها. فشركة مثل "أولام الزراعية" تُدار كشبكة عالمية معقدة تربط الإنتاج والتجارة والتمويل والشحن وإدارة المخاطر أكثر منه كأرض زراعية أو مصنع غذائي.
ما الذي تملكه "أولام"ً؟

تأسست "أولام" عام 1989 كتجارة لتصدير الكاجو في نيجيريا، ثم تحولت لاحقاً إلى مجموعة مقرها سنغافورة، قبل أن يُعاد تنظيم أعمالها إلى وحدات، من أبرزها "أولام الزراعية". وتعمل هذه الوحدة اليوم في أكثر من 30 دولة عبر أفريقيا وآسيا وأستراليا والأميركيتين وأوروبا، وتوظف أكثر من 9600 شخص، وتدير أكثر من 90 شركة تابعة.
لا تأتي أهمية "أولام الزراعية" فقط من انتشارها الجغرافي، بقدر ما تأتي من نموذج أعمالها. فهي تعمل في الحبوب والبذور الزيتية، مطاحن القمح والمعكرونة، الأرز، الزيوت الصالحة للأكل، الحبوب المتخصصة، الأعلاف المتكاملة، والقطن. أي أنها موجودة في السلع التي تؤثر مباشرة في غذاء الإنسان، وفي مدخلات إنتاج اللحوم والدواجن والألبان عبر الأعلاف.
في 2025، سجلت "أولام الزراعية" إيرادات بلغت 37.4 مليار دولار سنغافوري، بزيادة تقارب 13 في المئة، بينما بلغ الربح التشغيلي قبل الفوائد والضرائب نحو 923.5 مليون دولار سنغافوري، رغم تراجعه بفعل تقلبات أسعار السلع. تكشف هذه الأرقام أن "سالك" تستحوذ على ذراع تجارية ضخمة داخل واحدة من أكبر مجموعات الغذاء والزراعة في العالم.
من "تيمساك" إلى صندوق الاستثمارات العامة
الزاوية الأعمق في الصفقة أن البائع ليس شركة عائلية أو مستثمراً مالياً عادياً. "أولام غروب" مدرجة في السوق الرئيسية من بورصة سنغافورة، وكان أكبر مساهم فيها هو "تيمساك"، الصندوق السيادي السنغافوري. لذلك، فإن الصفقة تمثل عملياً انتقال السيطرة على منصة زراعية عالمية من منظومة سيادية آسيوية إلى منظومة سيادية سعودية.
هذا لا يعني أن "سالك" اشترت مباشرة من "تيمساك"، لكنها اشترت من شركة تقع ضمن دائرة نفوذ رأس المال السيادي السنغافوري. هنا يصبح المعنى أوسع من صفقة تجارية. نحن أمام إعادة توزيع لأصول استراتيجية بين صناديق سيادية، في لحظة أصبحت فيها سلاسل الغذاء والطاقة والمعادن جزءاً من معادلات القوة الاقتصادية.
بالنسبة إلى "أولام غروب"، يُفترض أن تساعدها الصفقة على إعادة توجيه رأس المال نحو وحدة المكونات الغذائية عالية القيمة (ofi)، التي تركز على منتجات مثل الكاكاو والقهوة والمكسرات، ذات هوامش أعلى واستقرار أكبر مقارنة بتجارة السلع الزراعية الأساسية، وخفض الديون، ودعم خطط إعادة الهيكلة. وقد أشارت "رويترز" إلى أن المجموعة تتجه للتركيز على أعمال المكونات الغذائية وبيع أنشطة أخرى، مستفيدة من عائدات بيع "أولام الزراعية" لـ"سالك."
أما بالنسبة إلى السعودية، فالمنطق مختلف. العائد المالي مهم، لكنه ليس وحده محرك الصفقة. الهدف الأعمق هو امتلاك قدرة تشغيلية على الوصول إلى الغذاء في عالم تتكرر فيه الصدمات، من الحرب في أوكرانيا وفي إيلاان مؤخرا إلى اضطرابات الشحن وارتفاع أسعار الطاقة والسلع والتأمين والاسمدة.
من محفظة أصول إلى شركة عالمية
تأسست "سالك" لتكون ذراعاً سعودية للاستثمار في الغذاء والزراعة والثروة الحيوانية. وخلال السنوات الماضية بنت محفظة تشمل استثمارات محلية وعالمية في الحبوب واللحوم والأعلاف والأرز. وتضم محفظتها شركات مثل G3 Global في كندا، Minerva Foods في قطاع اللحوم، Daawat في الهند، Merredin Farms في استراليا، والشركة الوطنية للحبوب في السعودية.
لكن صفقة "أولام الزراعية" تنقل "سالك" إلى مستوى آخر. فاستثماراتها السابقة وفرت لها حضوراً في أصول إنتاجية وشركات متخصصة، أما "أولام" فتمنحها منصة عالمية كاملة. والفرق كبير بين امتلاك حصة في منتج غذائي وبين امتلاك شبكة قادرة على جمع السلعة، تخزينها، معالجتها، تمويلها، وشحنها إلى الأسواق.
فعليا، تُحول هذه الصفقة "سالك" من مستثمر في الأمن الغذائي إلى لاعب في إدارة الأمن الغذائي.
ماذا تشتري السعودية فعلياً؟

في هذه الصفقة، لا تشتري السعودية القمح أو الأرز أو الزيوت فقط. إنها تشتري عمليا حق الوصول إلى شبكات إنتاج وتجارة ممتدة. وتشتري مرونة في وقت الأزمات، وقدرة على توزيع المخاطر بين مناطق جغرافية متعددة، وتقليص الاعتماد على مصدر واحد أو ممر واحد أو وسيط واحد.
هذه النقطة مهمة للسعودية تحديداً. فالمملكة، مثل معظم دول الخليج، لا تستطيع بناء أمنها الغذائي بالكامل من خلال الإنتاج المحلي بسبب قيود المياه والمناخ. لذلك يصبح الاستثمار الخارجي في سلاسل الغذاء خياراً استراتيجياً. غير أن الاستثمار الخارجي نفسه يتطور مع هذه الصفقة من شراء الأراضي أو الشركات المنتجة إلى امتلاك منصات التجارة والامداد.
الفارق هنا أن الأرض تنتج في مكان محدد، أما الشبكة فتتحرك عبر العالم. والأمن الغذائي الحديث يحتاج الاثنين، لكنه في لحظات الأزمات يحتاج الشبكة أكثر، لأنها التي تحدد من يحصل على السلعة أولاً، ومن يستطيع تحويل الإمدادات عندما تتعطل الطرق المعتادة.
ارتباط مباشر برؤية 2030
تنسجم الصفقة مع رؤية 2030 على مستويين. الأول هو الأمن الغذائي كجزء من الاستدامة الاقتصادية واستقرار تكلفة المعيشة. والثاني هو عولمة الشركات السعودية. فالرؤية لا تسعى فقط إلى جذب الاستثمارات إلى الداخل، بل إلى بناء شركات سعودية قادرة على العمل والتأثير خارج الحدود.
كما أصبحت "أرامكو" و"معادن" و"أكوا باور" وجيل من الشركات الوطنية أدوات لحضور سعودي عالمي في الطاقة والمعادن والمرافق، يمكن أن تصبح "سالك" أداة سعودية في قطاع الغذاء والزراعة. وهذا لا يعني تحويل السعودية إلى مُنتِج زراعي عالمي، إنما إلى لاعب يملك حصة في آلية تجارة الغذاء نفسها.
تدخل السعودية تدخل نادي تجارة الغذاء؟
منذ عقود، تهيمن شركات تجارة السلع الزراعية العالمية على حركة الحبوب والزيوت والأعلاف. تصنع هذه الشركات شهرتها من قدرتها على قراءة الأسواق، وتمويل التجارة، وإدارة المخاطر، ونقل السلع بين القارات. ولذلك توصف أحياناً بأنها اللاعب الحاسم وغير المرئي في النظام الغذائي العالمي.
يضع دخول "سالك" إلى موقع السيطرة في "أولام الزراعية" المملكة العربية السعودية أقرب إلى هؤلاء اللاعبين. فهي لم تعد مجرد مستورد كبير، ولا مجرد مستثمر مالي في الزراعة، إنما أصبحت مالكاً مسيطراً في شركة تعمل داخل تجارة السلع نفسها.
الأهمية السيادية للصفقة
يمكن اعتبار هذه الصفقة إحدى أهم صفقات التملك السعودية في الخارج لأنها تجمع بين خمسة عناصر نادرة وهي: قطاع حيوي، شركة عالمية قائمة، شبكة تشغيلية ممتدة، انتقال ملكية بين منظومتين سياديتين، وربط مباشر بين الاستثمار والعائد الوطني.
في قطاعات استراتيجية مثل الغذاء، لا تكون القيمة في الربح وحده. تكون القيمة أيضاً في ضمان الاستمرارية. وفي زمن الأزمات، قد تكون القدرة على تأمين الشحنة في الوقت المناسب أكثر أهمية من هامش الربح التجاري. لذلك فإن امتلاك شبكة مثل "أولام الزراعية" يمنح السعودية أداة مختلفة عن امتلاك مخزون غذائي استراتيجي. انها أداة تعمل قبل الأزمة وأثناءها وبعدها.
التحديات
مع ذلك، لا تتحول الصفقة تلقائياً إلى نجاح. إدارة شركة عالمية في تجارة السلع الزراعية تعني التعرض لتقلبات الأسعار، وتقلب العملات، ومخاطر التشغيل في دول متعددة، ومخاطر الطقس، والقيود التجارية، وتغير السياسات الزراعية. كما أن التوفيق بين الهدف السيادي والهدف التجاري ليس أمراً بسيطاً. فالشركة يجب أن تبقى رابحة وتنافسية، وفي الوقت نفسه تخدم مصلحة استراتيجية سعودية أوسع.
هنا يكمن الاختبار الحقيقي لـ"سالك". فإتمام الصفقة يعتبر انجازا مهما، لكن المقياس الاهم سيكون بمدى قدرة "سالك" على تحويل "أولام الزراعية" إلى منصة تضيف قيمة استراتيجية إلى الأمن الغذائي السعودي، من دون إضعاف منطقها التجاري العالمي.
ما حدث ليس مجرد شراء حصة إضافية في شركة زراعية. فصفقة شراء حصة الاغلبية في "أولام الزراعية" يمكن اعتبارها انتقال سعودي من منطق تأمين الغذاء عبر السوق إلى منطق المشاركة في إدارة السوق، ومن موقع المستورد الذي ينتظر حركة الأسعار والشحنات، إلى موقع المالك في شبكة تؤثر في هذه الحركة.
صحيح أن "سالك" تشتري الغذاء، لكن الاهم من ذلك انها تشتري جزءاً من الطريق الذي يعبر منه الغذاء إلى العالم.
الأكثر قراءة
-
الإمارات تبني نموذجاً جديداً لإدارة الدولة والاقتصاد بالذكاء الاصطناعي
-
مظلة الدولار للإمارات: أداة نقدية أم ترقية في طبيعة التحالف؟
-
"سالك" تُدخِل السعودية إلى قلب تجارة الغذاء العالمية عبر تملك "أولام"
-
"إي آند": نتائج الربع تُظهر اتساع قاعدة النمو وتماسك الربحية
-
تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة في السعودية: من فجوة ائتمانية إلى منظومة تمويل متكاملة

