الإمارات تتحرك لتعزيز المرونة الصناعية
الإمارات تتحرك لتعزيز المرونة الصناعية
-
أولاً- الاقتصاد والأعمال
أعلن الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، عن اعتماد "حزمة من المبادرات والقرارات لدعم القطاع الصناعي الوطني … تشمل إنشاء صندوق وطني بقيمة مليار درهم للمرونة الصناعية بما يدعم توطين الصناعات الحيوية، ويعزز مرونة سلاسل الإمداد، ويسرع من تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي في الإنتاج والتشغيل والتخطيط".
وشملت القرارات توسيع نطاق برنامج المحتوى الوطني ليكون إلزامياً ويشمل جميع الجهات الحكومية الاتحادية والشركات الوطنية.
توقيت الإعلان ودلالاته
يتجاوز اعتماد حزمة القرارات هذه في هذا التوقيت كونه إعلاناً اقتصادياً عادياً. فقرار إنشاء الصندوق الوطني للمرونة الصناعية بقيمة مليار درهم، وتوسيع نطاق برنامج المحتوى الوطني ليصبح إلزامياً في قطاعات محددة، واستهداف توطين أكثر من 5000 منتج حيوي، يأتي بعد أسابيع اختبرت فيها حرب إيران قدرة اقتصادات الخليج على التعامل مع اضطراب طرق الشحن والطاقة والمواد الوسيطة وسلاسل التوريد.
من التنويع إلى الأمن الصناعي
لذلك تبدو الحزمة الجديدة أقرب إلى انتقال من سياسة تنويع اقتصادي واسعة إلى سياسة أمن صناعي أكثر تحديداً، حيث يصبح القضية المركزية متمحورة حول المنتجات والمواد والقدرات التي يجب أن تكون متاحة محلياً عندما تتعطل التجارة أو ترتفع كلفة النقل أو يتأخر وصول الإمدادات.
الصناعة كخط دفاع اقتصادي
الأهمية الأولى للصندوق أنه يتعامل مع الصناعة باعتبارها خط دفاع اقتصادي. فقد أوضح الإعلان الرسمي أن الصندوق سيدعم توطين الصناعات الحيوية، وبناء مخزون استراتيجي للمنتجات الصناعية الأساسية، وتطوير سلاسل القيمة في قطاعات تشمل الغذاء، الصناعات التحويلية، المعادن الأولية، الميكانيكا والكهرباء والكيميائيات، الدواء، المكونات الدوائية الفعالة، المستلزمات الطبية، التكنولوجيا المتقدمة، والتشييد والبناء.
تحديد نقاط الانكشاف وتحويلها إلى فرص
تكشف هذه القائمة أن المقاربة الإماراتية لم تعد تكتفي بجذب مصانع أو زيادة مساهمة الصناعة في الناتج، وإنما تتجه إلى تحديد نقاط الانكشاف في الاقتصاد وتحويلها إلى فرص تصنيع واستثمار محلي.
دروس الحرب واضطرابات الإمداد
منحت تجربة الحرب الأخيرة هذا التوجه بعداً عملياً. فقد أظهرت اضطرابات مضيق هرمز، وتراجع حركة السفن، وارتفاع تكاليف اللوجستيات والمواد، أن الاقتصادات المفتوحة تحتاج إلى أكثر من كفاءة الموانئ والمطارات والمناطق الحرة.
الحاجة إلى إنتاج محلي مرن
تحتاج أيضاً إلى قدرة إنتاجية محلية في السلع التي لا يمكن انتظارها وقت الأزمة. أشارت "رويترز" إلى أن اضطراب الشحن عبر هرمز كشف محدودية البدائل أمام صادرات الطاقة في المنطقة، كما سجلت في 24 أبريل عبور خمس سفن فقط للمضيق خلال 24 ساعة بعد توترات بحرية متصاعدة. تجعل هذه البيئة المرونة الصناعية مفهوماً اقتصادياً مباشراً، مرتبطاً بتوافر الغذاء والدواء ومواد البناء والمدخلات الصناعية.
إلزامية المحتوى الوطني
القرار الثاني المهم هو تحويل برنامج المحتوى الوطني من إطار تحفيزي إلى إطار إلزامي في قطاعات محددة، وتوسيع تطبيقه ليشمل الجهات الحكومية الاتحادية والشركات المملوكة للحكومة بنسبة 25 في المئة أو أكثر.
الطلب الحكومي كمحرك للسوق
هنا تستخدم الدولة الطلب الحكومي والمؤسسي كأداة لتوجيه السوق. فالصناعة تنمو عبر تمويل المصانع كما عبر ضمان وجود مشترين كبار ومنتظمين. عندما تلتزم الجهات الحكومية والشركات الوطنية بشراء منتجات محلية ذات أولوية، يصبح الاستثمار في التصنيع أقل مخاطرة، وتصبح المصانع قادرة على التخطيط للإنتاج والتوسع والتمويل.
قاعدة صناعية قيد التوسع
هذا مهم خصوصاً لأن الإمارات بنت خلال السنوات الماضية قاعدة صناعية أوسع ضمن ما يسمى "عملية 300 مليار"، التي تستهدف رفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي من 133 مليار درهم إلى 300 مليار درهم بحلول 2031.
تسريع توطين المنتجات الحيوية
وفي نسخة معرض "اصنع في الإمارات” لعام 2025، ارتفعت قيمة المشتريات الصناعية ضمن برنامج المحتوى الوطني إلى 168 مليار درهم، من 143 مليار درهم في النسخة السابقة، مع تغطية 4800 منتج قابل للتصنيع محلياً. الإعلان الجديد يرفع السقف إلى أكثر من 5000 منتج حيوي، أي أنه يحول التوطين من مسار تدريجي إلى برنامج أكثر ارتباطاً بالأمن الاقتصادي.
الذكاء الاصطناعي وإدارة المخاطر
البعد الثالث في الحزمة هو الذكاء الاصطناعي. فالحديث عن استخدامه في الإنتاج والتشغيل والتخطيط والتنبؤ بالمخاطر يعني أن الإمارات تريد بناء صناعة قادرة على قراءة الصدمات قبل وقوعها أو في بدايتها. لذلك جاء قرار إنشاء لجنة لجمع البيانات الصناعية وتسريع الربط بين السجلات والأنظمة الحكومية والمناطق الحرة مكملاً للصندوق. من دون بيانات صناعية دقيقة وفورية، يصعب إدارة المرونة. ومن دون ربط البيانات بالذكاء الاصطناعي، تبقى إدارة المخاطر أقرب إلى رد فعل متأخر.
ربط الصناعة بالسوق الاستهلاكية
كما أن سياسة تعزيز حضور المنتجات الوطنية في منافذ البيع والمنصات الرقمية تضيف بُعد استهلاكي إلى المشروع. فالمرحلة الأولى ستشمل منتجات أساسية مثل المياه المعبأة، الحليب ومنتجات الألبان، البيض، الدواجن الطازجة والمبردة، الخبز، الطحين، الزيوت النباتية، والخضروات المحلية الموسمية. وهذه ليست منتجات صناعية ثقيلة، لكنها تمثل نقطة تماس مباشرة بين الأمن الصناعي والأمن الغذائي واستقرار السوق. عندما يرى المستهلك المنتج المحلي في المتجر والمنصة الرقمية، وعندما يحصل المصنع على مساحة بيع أوضح، تتحول المرونة إلى سلوك سوقي لا إلى قرار حكومي فقط.
اقتصاد مفتوح بقاعدة محصنة
من زاوية أوسع، تكشف الحزمة أن الإمارات تقرأ الحرب باعتبارها اختباراً لنموذجها الاقتصادي المفتوح، لا سبباً للتراجع عنه. فهي تسعى إلى تقليل الاعتماد على مصدر واحد وبناء قدرة داخلية في المنتجات التي ثبتت حساسيتها. لكنها لا تسعى الى الانغلاق أو إحلال كامل للواردات. فاقتصاد الإمارات يقوم على التجارة والخدمات واللوجستيات والاستثمار العالمي، وسيستمر على ذلك. لكن الانفتاح بعد الحرب قد يحتاج إلى مستوى أعمق من الحماية الصناعية، بحيث تبقى الدولة مركزاً للتجارة والتوزيع، وفي الوقت نفسه تملك قدرة إنتاجية ومخزونية في السلع الحرجة.
مرحلة جديدة في التنويع الاقتصادي
لذلك يمكن قراءة الصندوق كجزء من مرحلة جديدة في التنويع الإماراتي. في المرحلة الأولى كان الهدف توسيع مساهمة القطاعات غير النفطية، وجذب الاستثمار، وبناء مراكز عالمية في التجارة والمال والسياحة والخدمات. أما الآن، فتتقدم أسئلة الاستمرارية والجاهزية.
رسالة الى القطاع الخاص
للوهلة الاولى قد يبدو مبلغ المليار درهم ضئيلا مقارنة بحجم القاعدة الصناعية في الامارات، لكن قيمة هذا الرقم تكمن في الإشارة التي يرسلها إلى القطاع الخاص. الدولة تحدد قائمة أولويات، وتوفر تمويلاً، وتوجه الطلب المؤسسي، وتفتح قنوات بيع، وتربط الصناعة بالذكاء الاصطناعي والبيانات. وعندما تُنفذ هذه الحزمة بآليات واضحة، تتحول إلى منصة لجذب استثمارات جديدة في الغذاء والدواء والمكونات الصناعية والتكنولوجيا المتقدمة، وإلى وسيلة لتقليل كلفة الصدمات المقبلة على المستهلكين والشركات والمشاريع الكبرى.
تنوع وصمود
يمثل صندوق المرونة الصناعية استجابة اقتصادية مباشرة لدروس الحرب، لكنه يتجاوز منطق الأزمة الآنية. إنه يعبر عن انتقال الإمارات من بناء اقتصاد متنوع إلى بناء اقتصاد متنوع وقادر على الصمود. وبعد تجربة أظهرت أن اضطراب ممر بحري أو مادة وسيطة أو سلسلة توريد يمكن أن ينعكس سريعاً على الأسعار والإنتاج والتجارة، تبدو الصناعة الوطنية أقل ارتباطاً بالمنافسة الإنتاجية وحدها، وأكثر ارتباطاً بالأمن الاقتصادي واستمرارية النمو.
الأكثر قراءة
-
الإمارات تبني نموذجاً جديداً لإدارة الدولة والاقتصاد بالذكاء الاصطناعي
-
مظلة الدولار للإمارات: أداة نقدية أم ترقية في طبيعة التحالف؟
-
"سالك" تُدخِل السعودية إلى قلب تجارة الغذاء العالمية عبر تملك "أولام"
-
"إي آند": نتائج الربع تُظهر اتساع قاعدة النمو وتماسك الربحية
-
تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة في السعودية: من فجوة ائتمانية إلى منظومة تمويل متكاملة

