السعودية في عام 2027... من موازنة الإنفاق والإيرادات إلى إدارة الحيز المالي والنمو

  • 2026-10-02
  • 14:01

السعودية في عام 2027... من موازنة الإنفاق والإيرادات إلى إدارة الحيز المالي والنمو

  • الاقتصاد والأعمال

تدخل السعودية عام 2027 بميزانية تكشف تحولاً مهماً في طريقة إدارة المالية العامة، يقوم على استخدام الحيز المالي المتاح للحفاظ على زخم النمو والاستثمار، مع إدارة العجز والدين ضمن مستويات تستهدف الحكومة إبقاءها مستدامة وقابلة للإدارة.

ويأتي هذا التحول في وقت تشير فيه تقديرات وزارة المالية لعام 2026 إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3.6 في المئة، نتيجة تراجع الأنشطة النفطية بنسبة 21.8 في المئة، في مقابل نمو الأنشطة غير النفطية بنسبة 3.2 في المئة.

وتقدر إيرادات عام 2027 بنحو 1.202 تريليون ريال، في مقابل نفقات تبلغ نحو 1.392 تريليون ريال، بما ينتج عنه عجز تقديري يقارب 191 مليار ريال أو 3.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ولا يقدم البيان هذا العجز باعتباره اختلالاً مؤقتاً يجب التخلص منه سريعاً، وإنما كجزء من سياسة مالية تستند إلى استمرار الإنفاق على المشاريع ذات الأولوية ودعم النمو عبر مختلف الدورات الاقتصادية.  

العجز كجزء من إدارة الدورة الاقتصادية

تكشف أرقام المدى المتوسط أن العجز سيستمر بعد عام 2027، مع تقديره بنحو 177 مليار ريال في عام 2028 و192 مليار ريال في عام 2029. وهذا ما يوحي بأن التوازن السنوي للموازنة لم يعد الهدف المباشر، طالما بقي الدين ضمن مستويات مستدامة واستمرت الدولة في الاحتفاظ باحتياطيات معتبرة.

وتعتزم الحكومة مواصلة عمليات التمويل محلياً ودولياً من خلال السندات والصكوك والقروض، بالتوازي مع التوسع في قنوات تمويل المشاريع والبنية التحتية، بما في ذلك الاستفادة من وكالات ائتمان الصادرات.

ويعطي ذلك الدين والتمويل دوراً أوسع في إدارة المالية العامة، إذ يستخدمان إلى جانب الإيرادات لتمويل أولويات تمتد لعدة سنوات والحفاظ على استمرارية الاستثمار. وفي هذا الإطار، تصبح كلفة التمويل وجودة اختيار المشاريع والعائد الاقتصادي الذي تولده عناصر أساسية في تقييم الاقتراض، إلى جانب حجمه ومستواه.

فصل أكبر بين دورة النفط ودورة الإنفاق

تنطوي هذه النقطة على أهمية خاصة في ضوء ما شهده عام 2026 من تأثير واضح للتراجع النفطي في الناتج الكلي. ومع ذلك، لم تتجه السياسة المالية إلى خفض الإنفاق بالتوازي مع هذا التراجع، وإنما حافظت على مستوى مرتفع للإنفاق واستمرت في تنفيذ المشاريع ذات الأولوية.

ويشير ذلك إلى فصل أكبر بين دورة الاستثمار والتنمية والتقلبات القصيرة في أسواق النفط. ويساعد على ذلك اتساع وتنوع قاعدة الاقتصاد غير النفطي، الذي بلغت مساهمته 57.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال النصف الأول من عام 2026، بما يعزز قدرة الاقتصاد على امتصاص جانب أكبر من أثر الصدمات النفطية.

وهذا ما يجعل الميزانية تؤدي دوراً في الحفاظ على استمرارية الاستثمار والنشاط الاقتصادي عبر دورة زمنية أطول من دورة أسعار النفط، بدلاً من أن يتحرك الإنفاق بالوتيرة نفسها مع ارتفاع الإيرادات النفطية وانخفاضها.

الإيرادات غير النفطية تغير هيكل المالية العامة

 يشير بيان الميزانية إلى أن الإيرادات غير النفطية ارتفعت من نحو 166 مليار ريال في عام 2015 إلى 505 مليارات ريال في عام 2025. وخلال الفترة نفسها، ارتفعت نسبة تغطيتها لإجمالي النفقات من 17 في المئة إلى نحو 36 في المئة.

وتؤكد هذه الأرقام إلى أن التنويع الاقتصادي بدأ ينعكس بصورة أوضح على المالية العامة نفسها، وليس فقط على هيكل الناتج. ومن الواضح أن اتساع مساهمة الأنشطة غير النفطية في توليد الإيرادات، يجعل الموازنة أقل حساسية لتقلبات أسواق النفط وأكثر اعتماداً على قاعدة اقتصادية متنوعة.

وتعطي هذه الأرقام بعداً مالياً أكثر وضوحاً لعملية التنويع، إذ يظهر أثرها مباشرة في بنية الإيرادات العامة وقدرتها على تمويل جزء أكبر من الإنفاق.

الميزانية لم تعد المصدر الوحيد لتمويل النمو

توفر ميزانية عام 2027 إشارة أخرى إلى تطور نموذج تمويل التحول الاقتصادي، إذ لم يعد الإنفاق الحكومي المباشر القناة الوحيدة لتمويل المشاريع. فبالتوازي معه، تتوسع الشراكات مع القطاع الخاص، وعمليات التخصيص، وتمويل المشاريع والبنية التحتية عبر أدوات وقنوات تمويل متعددة.

ويظهر هذا التوجه في ارتفاع قيمة الاستثمارات الإجمالية لمشاريع التخصيص والشراكة بين القطاعين العام والخاص إلى نحو 180 مليار ريال حتى نهاية عام 2025، فيما تستهدف الاستراتيجية الوطنية للتخصيص رفع الاستثمارات الرأسمالية للقطاع الخاص من عمليات التخصيص إلى 240 مليار ريال بحلول عام 2030.

ويعني ذلك أن جزءاً متزايداً من تمويل وتنفيذ المشاريع ينتقل إلى القطاع الخاص، ما يخفف الاعتماد على الإنفاق الحكومي المباشر وحده. ومع اتساع هذا الدور، تستطيع الدولة توجيه جانب أكبر من مواردها إلى البنية الأساسية والخدمات والمشاريع ذات الأولوية والأثر الاقتصادي والاجتماعي الأعلى.

نمو عام 2027 بين النفط والاقتصاد غير النفطي

يتوقع البيان أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نمواً بنسبة 12.8 في المئة في عام 2027، بعد انكماشه في عام 2026. ويأتي جزء مهم من هذا الارتفاع من عودة النشاط النفطي بعد التراجع الحاد في العام السابق، بالتوازي مع استمرار نمو الأنشطة غير النفطية.

وفي المقابل، يبقى الاقتصاد غير النفطي هو الأساس الأهم لاستدامة النمو على المدى الأطول، مع توسع الاستثمار الخاص وتحسن الإنتاجية ونمو قطاعات الصناعة والخدمات والسياحة والخدمات اللوجستية، وما يمكن أن تولده من دخل وصادرات وفرص عمل.

من حجم الإنفاق إلى أثره

وتقود هذه القراءة إلى جانب آخر من ميزانية عام 2027 يتعلق بكفاءة استخدام الموارد. فمع استمرار مستويات الإنفاق المرتفعة والعجز، تزداد أهمية العائد الاقتصادي والاجتماعي الذي يحققه هذا الإنفاق. ولهذا يركز البيان على قياس أثره وربط تخصيص الموارد بالأولويات والإستراتيجيات الوطنية واختيار المشاريع والبرامج ذات الأثر الأعلى.

ويمكن القول أن ميزانية عام 2027 تعكس طريقة متكاملة لإدارة التحول الاقتصادي، تجمع بين استمرار الاستثمار، واستخدام الحيز المالي والدين، وتنمية الإيرادات غير النفطية، وتوسيع مساهمة القطاع الخاص في التمويل والتنفيذ. ويعزز هذا النموذج قدرة الاقتصاد السعودي على رفع الإنتاجية، وتنويع الصادرات والإيرادات، وتوسيع دور القطاع الخاص في دفع النمو وتمويله.