النفط السعودي بعد الحرب... شبكة بدائل تتكيف مع المخاطر
النفط السعودي بعد الحرب... شبكة بدائل تتكيف مع المخاطر
-
كتب فيصل أبوزكي
كشفت الحرب مع إيران جانباً مهماً من استراتيجية السعودية النفطية لم يظهر بهذا الوضوح من قبل. فالمملكة لم تعتمد على منفذ بديل واحد عندما تعطلت حركة التصدير عبر مضيق هرمز، وإنما تحركت بين مجموعة من المسارات وفق تغير المخاطر، مستفيدة من خط شرق-غرب وموانئ البحر الأحمر، ثم من موانئ الخليج مجدداً، إلى جانب ترتيبات بحرية وخيارات تخزين خارجية.

وتأتي تصريحات الرئيس التنفيذي لأرامكو أمين الناصر الأخيرة حول دراسة مسارين إضافيين لتصدير النفط والنظر في زيادة الاستفادة من خط "سوميد" والتوسع في التخزين خارج المملكة، لتظهر أن ما حدث خلال الحرب يتحول إلى أساس لتطوير شبكة أكثر تنوعاً ومرونة. فالهدف لم يعد تأمين بديل واحد لمضيق هرمز، وإنما زيادة عدد الخيارات التي تستطيع السعودية الانتقال بينها عندما يتعرض أي مسار للاضطراب.
الحرب تشغل البدائل فعلياً
امتلكت السعودية قبل الحرب بنية تسمح بتصدير النفط من جهتين مختلفتين. ففي الشرق توجد الحقول الرئيسية وموانئ الخليج، فيما ينقل خط شرق-غرب الخام لمسافة تقارب 1200 كيلومتر إلى ينبع على البحر الأحمر.
وتبلغ طاقة الخط نحو 7 ملايين برميل يومياً من الخام، بما في ذلك نحو مليوني برميل يومياً يمكن توجيههما إلى المصافي المحلية. ووفر هذا للمملكة قدرة كبيرة على تحويل التدفقات بعيداً عن هرمز عندما تصاعدت الحرب واضطربت الملاحة في المضيق.
وتقول أرامكو إنها رفعت خلال عام 2026 التدفقات عبر الخط إلى طاقته القصوى، في واحدة من أكبر حالات الاستخدام الفعلي للبنية التي طورتها على مدى عقود لمواجهة اضطرابات الإمدادات.

الأهم من تجاوز مضيق هرمز هو أن الحرب وفرت تجربة تشغيلية واسعة لكيفية نقل كميات ضخمة من الخام من مسار إلى آخر خلال فترة قصيرة، مع استمرار أرامكو في الوفاء بعقودها مع عملائها الرئيسيين في آسيا وأسواق أخرى.
حين تعرض البديل نفسه للضغط
لكن التجربة أخذت بعداً مختلفاً عندما تعرض خط شرق-غرب لهجوم في سبتمبر، وأصيبت ثلاث محطات ضخ، ما أدى إلى توقف الخط قبل استئناف تشغيله تدريجياً. وأصبح المسار الذي استخدمته السعودية لتجاوز اضطراب هرمز نفسه معرضاً للتعطل.
مع تراجع مؤقت لقدرة المسار الغربي، زادت السعودية مجدداً صادراتها من موانئ الخليج، وارتفعت التدفقات عبر مضيق هرمز إلى نحو 2.9 مليون برميل يومياً في سبتمبر. كما توسعت عمليات النقل من سفينة إلى أخرى قرب عُمان كإحدى الوسائل التي استخدمها منتجو الخليج للمحافظة على تدفق الخام رغم المخاطر وارتفاع تكاليف الشحن.
ويظهر هذا كله أن المنظومة السعودية لم تعمل وفق قاعدة وجود طريق رئيسي وآخر احتياطي. تبدلت أهمية المسارات مع تغير موقع الخطر. عندما أصبح هرمز أكثر صعوبة ارتفعت أهمية ينبع، وعندما تعرض خط شرق-غرب للضغط عادت موانئ الخليج إلى تحمل جزء أكبر من الصادرات.

من البديل إلى شبكة البدائل
أظهرت تجربة الأشهر الماضية حدود فكرة البحث عن ممر آمن واحد. فمضيق هرمز معرض للاضطراب، وخط شرق-غرب نفسه يمكن أن يتعرض للهجمات، كما أن البحر الأحمر وباب المندب ليسا بعيدين عن المخاطر الأمنية.
لذلك تصبح قوة منظومة التصدير مرتبطة بعدد الخيارات المتاحة وقدرة أرامكو على التحول بينها بسرعة، وليس بوجود مسار واحد يستطيع نظرياً تجاوز هرمز.
وهذا ما يعطي أهمية أكبر لتصريحات الناصر الأخيرة، فأرامكو تدرس مسارين إضافيين لتصدير الخام، من دون أن تكشف حتى الآن تفاصيلهما أو طبيعتهما، كما تنظر إلى خط "سوميد" في مصر باعتباره أحد الخيارات المتاحة لنقل النفط من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط. وتمتلك أرامكو حصة 15 في المئة في الشركة المشغلة للخط.
ولا تبدو أهمية "سوميد" في كونه بديلاً جديداً يحل محل المسارات القائمة، وإنما في إضافته منفذاً آخر إلى الشبكة. فالخام الذي يصل إلى البحر الأحمر يمكن أن يتحرك عبر مصر باتجاه المتوسط، ما يوسع الخيارات أمام الشحنات المتجهة إلى أوروبا والأسواق الأطلسية.
التخزين يصبح جزءاً من المرونة
لا تحصر أرامكو تطوير خياراتها في خطوط الأنابيب والموانئ. فهي تبحث أيضاً مع شركائها في اليابان زيادة طاقات التخزين هناك، ضمن توجه إلى توسيع وجود الخام بالقرب من الأسواق الرئيسية.
وهذا يضيف بعداً آخر إلى الاستراتيجية. فكلما ارتفع حجم النفط الموجود خارج المملكة وقريباً من المستهلكين، أصبحت أرامكو أقل اعتماداً على وصول كل شحنة مباشرة من الموانئ السعودية في الوقت المحدد.

وبذلك تتوسع شبكة التصدير لتشمل الحقول وخطوط الأنابيب والموانئ الشرقية والغربية ومسارات النقل البحري والمخزونات الخارجية. ولا يفترض أن تعمل جميع هذه المكونات بأقصى طاقتها في الظروف الطبيعية. قيمتها تظهر عندما يتعطل أحدها وتستطيع المكونات الأخرى استيعاب جزء من التدفقات.
مرونة الإنتاج تحتاج إلى مرونة التصدير
لطالما ارتبط الموقع الخاص للسعودية في سوق النفط بقدرتها الإنتاجية الكبيرة وامتلاكها طاقة يمكن زيادتها عند اضطراب الإمدادات العالمية. لكن تجربة الحرب أظهرت أن القدرة على إنتاج البرميل ليست كافية وحدها. يجب أيضاً أن يكون ممكناً إخراجه من المملكة وإيصاله إلى العميل عندما تتعطل طرق التجارة المعتادة.
فكل طريق جديد أو مستودع خارجي أو منفذ إضافي لا يزيد بالضرورة كمية النفط التي تستطيع السعودية إنتاجها، لكنه يزيد قدرتها على إبقاء تلك الكميات متحركة عند الأزمات.
واللافت أن أرامكو خرجت من تجربة الحرب وهي لا تعتبر الشبكة الحالية مكتملة. البحث عن مسارين إضافيين وزيادة التخزين والاستفادة من "سوميد" يشير إلى أن الاتجاه المقبل يقوم على زيادة الخيارات أكثر، بدلاً من التركيز على مشروع واحد كبير باعتباره الحل.
ما أثبتته الحرب في النهاية هو أن قوة منظومة التصدير السعودية لم تكن في امتلاك طريق واحد يلتف حول هرمز، وإنما في القدرة على تغيير الطريق نفسه مع تغير ظروف الحرب.
وهذا ما يجعل المرحلة المقبلة امتداداً لما ظهر عملياً خلال الأشهر الماضية. كلما تعددت المنافذ وارتفعت القدرة على التحول بينها، تقلص أثر تعطل أي مسار منفرد على قدرة السعودية على إبقاء نفطها متدفقاً إلى الأسواق.

