السعودية وأستراليا... قوتان في الطاقة تبحثان عن مساحة مشتركة
السعودية وأستراليا... قوتان في الطاقة تبحثان عن مساحة مشتركة
-
كتب فيصل أبوزكي
تفتح زيارة وزير التغير المناخي والطاقة الأسترالي كريس بوين إلى السعودية في أواخر سبتمبر عام 2026 مجالاً لقراءة أوسع للعلاقات بين قوتين مؤثرتين في أسواق الطاقة العالمية، في وقت أعادت فيه حرب إيران واضطرابات الإمدادات أمن الطاقة إلى صدارة الأولويات الاقتصادية. وتنطوي الزيارة على أهمية إضافية نابعة من اختلاف موقع البلدين داخل منظومة الطاقة، وما يوفره ذلك من فرص للتكامل في النفط والمعادن والطاقة المتجددة والتقنيات والاستثمار.
وبحث بوين في جدة مع وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان تعزيز التعاون في قطاع الطاقة والعمل المناخي، إلى جانب التحضيرات لمؤتمر المناخ ."COP31" وشمل برنامجه زيارة مشروع الشعيبة للطاقة الشمسية وجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية "كاوست"، في إشارة إلى أن الحوار يتجاوز أسواق الوقود إلى الطاقة الجديدة والبحث والتطوير.
قوتان من موقعين مختلفين
تستمد السعودية مكانتها من موقعها بين أكبر منتجي النفط ومصدريه، ودورها في إدارة السوق عبر تحالف "أوبك+"، إلى جانب استثماراتها المتنامية في الطاقة المتجددة والهيدروجين والتقنيات منخفضة الانبعاثات. كما تملك المملكة قاعدة معدنية متنامية، في إطار توجه أوسع إلى تنويع الاقتصاد وتوسيع النشاط الصناعي المرتبط بالطاقة والموارد الطبيعية.
أما أستراليا، فتأتي قوتها من قاعدة مختلفة. فهي من كبار مصدري الغاز الطبيعي المسال والفحم، ومن المنتجين الرئيسيين لليورانيوم، كما تمتلك موارد كبيرة من الليثيوم ومعادن تدخل في صناعة البطاريات وشبكات الكهرباء وتقنيات الطاقة الجديدة.
ويفتح هذا الاختلاف مجالاً للتكامل، لكنه يكشف أيضاً قاسماً مشتركاً مهماً. فالبلدان اقتصادان غنيان بالطاقة والموارد الطبيعية، ويحاول كل منهما زيادة القيمة التي يحصل عليها من هذه الموارد بدلاً من الاكتفاء بتصديرها في صورتها الأولية. السعودية توسع استثماراتها من النفط إلى الكهرباء والهيدروجين والتعدين والصناعة، فيما تسعى أستراليا إلى التقاط حصة أكبر من سلاسل القيمة في المعادن والطاقة النظيفة والتصنيع المرتبط بها.
ويمكن للعلاقة هنا أن تتطور من تبادل محدود في الطاقة إلى تعاون أوسع بين اقتصادين يحاولان تحويل الثروة الطبيعية إلى قاعدة إنتاجية وصناعية أكبر.

مفارقة أمن الطاقة الأسترالي
تظهر الزيارة في الوقت نفسه مفارقة في الاقتصاد الأسترالي. فعلى الرغم من مكانة البلاد بين أكبر مصدري الطاقة عالمياً، تعتمد بصورة كبيرة على استيراد المنتجات النفطية المكررة. وقد بلغت الواردات نحو 80.8 في المئة من استهلاكها لهذه المنتجات خلال السنة المالية 2024-2025.
وتفسر هذه المفارقة اهتمام أستراليا باستقرار أسواق النفط ومسارات النقل. وقبل الزيارة، قال بوين في 19 سبتمبر عام 2026 إن بلاده تملك مخزونات تعادل 41 يوماً من البنزين و31 يوماً من الديزل و32 يوماً من وقود الطائرات، مؤكداً أن التطورات في المنطقة ستنعكس على الأسعار والإمدادات. كما أوضح أن من أهداف لقائه مع الأمير عبدالعزيز بن سلمان الحصول على أحدث المعلومات بشأن تدفق النفط السعودي إلى المصافي حول العالم، وتقييم انعكاسات التطورات الراهنة على الإمدادات خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.
لذلك، لا تبدو السعودية بالنسبة إلى أستراليا كشريك محتمل في الطاقة النظيفة، وإنما دولة تؤثر قدرتها الإنتاجية والتصديرية مباشرة في أمن الوقود الأسترالي وفي استقرار السوق العالمية.

فرص تتجاوز الطاقة
في الاتجاه الآخر، تستطيع أستراليا تقديم خبرات وموارد مهمة للمشروعات السعودية في التعدين والمعادن الحرجة والهيدروجين والطاقة المتجددة. كما يمنح موقعها في سوق اليورانيوم العلاقة بعداً محتملاً مع تقدم خطط السعودية في الطاقة النووية المدنية، وفق الأطر التنظيمية والاتفاقيات ذات الصلة.
وتبرز كذلك إمكانية تطوير استثمارات مشتركة تربط الموارد الطبيعية الأسترالية بالقدرات التمويلية والصناعية السعودية، بما يسمح للطرفين بالدخول في مراحل أعلى من سلاسل القيمة، من الاستخراج والمعالجة إلى التصنيع والتقنيات لا سيما في قطاع التعدين.
أمن الإمدادات جزء من التحول
تعطي حرب إيران وما رافقها من اضطرابات في أسواق الطاقة ومسارات النقل بعداً أوسع للزيارة. فالسنوات الماضية ركزت بدرجة كبيرة على سرعة الانتقال إلى الطاقة النظيفة، بينما أظهرت الأزمات المتتالية أن أمن الإمدادات، وقدرات التخزين والتكرير، وتنويع المصادر ومسارات النقل، تبقى عناصر أساسية في أي منظومة طاقة جديدة.
وهنا يلتقي موقع البلدين بوضوح. فالسعودية تملك القدرة على الإمداد والاستثمار وتوسيع مزيج الطاقة، بينما تملك أستراليا قاعدة ضخمة من الغاز والمعادن واليورانيوم وخبرة واسعة في التعدين، لكنها تعتمد في الوقت نفسه بدرجة كبيرة على الخارج لتأمين احتياجاتها من المنتجات النفطية المكررة، ولا سيما البنزين والديزل ووقود الطائرات.
وتأتي الزيارة أيضاً قبل مؤتمر "COP31"، الذي تستضيفه تركيا في نوفمبر المقبل وتتولى أستراليا رئاسة مفاوضاته. وهذا يجعل الحوار مع السعودية جزءاً من نقاش أكبر حول كيفية الجمع بين خفض الانبعاثات والحفاظ على استقرار الإمدادات.

