أنظمة المدفوعات.. سوريا تبني البنية المالية لاقتصادها الجديد
أنظمة المدفوعات.. سوريا تبني البنية المالية لاقتصادها الجديد
-
كتب فيصل أبوزكي
اعتمد مصرف سورية المركزي نظاماً جديداً للدفع والتحول الإلكتروني، في خطوة تستهدف تنظيم خدمات الدفع وتوسيع استخدام الأدوات الرقمية في المعاملات المالية. ويضع النظام إطاراً لعمل مقدمي خدمات الدفع والنقود الإلكترونية ومشغلي أنظمة الدفع، بما يمهد لبناء شبكة مالية أكثر قدرة على ربط المواطنين والشركات والمصارف والمؤسسات الحكومية.
وتظهر أهمية هذه الخطوة في الوظائف التي يمكن أن تؤديها هذه الشبكة مع توسع استخدامها. فهي تسهّل تحويل الأموال ودفع الرواتب والفواتير وتحصيل المبيعات وتسوية حسابات الشركات، وتساعد على انتقال جزء أكبر من التعاملات إلى القنوات المالية الرسمية. ومع الوقت، يمكن أن ينعكس ذلك على كفاءة المصارف، وسرعة دوران الأموال، وكلفة ممارسة الأعمال، وقدرة الشركات على إدارة مدفوعاتها وتحصيل مستحقاتها بصورة أفضل.
بالنسبة للاقتصاد السوري، يرتبط هذا التطور بمسار أوسع لإعادة تأهيل القطاع المالي وتهيئته لدعم التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار وزيادة الاستثمار والتجارة. فإعادة تشغيل الاقتصاد ترتبط أيضاً بوجود نظام مالي قادر على نقل الأموال وتسويتها بكفاءة وأمان بين مختلف أطراف السوق.
وفي هذا السياق، حدد القرار رقم 1124 الصادر عن مصرف سورية المركزي الإطار التنظيمي للمنظومة الجديدة، بما يشمل ترخيص مقدمي خدمات الدفع والنقود الإلكترونية ومشغلي أنظمة الدفع، ووضع متطلبات للحوكمة وإدارة المخاطر والأمن السيبراني وحماية المستخدمين. كما يستهدف توسيع خيارات الدفع والتحويل أمام المواطنين وقطاع الأعمال، مع الإبقاء على التعامل النقدي وإتاحة حرية اختيار وسيلة الدفع.
شبكة نقل الآموال
كما يعتمد الاقتصاد على الطرق والمرافئ والكهرباء والاتصالات، فإنه يعتمد أيضاً على شبكة تنقل الأموال بكفاءة بين أطرافه. ويمكن النظر إلى أنظمة المدفوعات باعتبارها شبكة الطرق المالية التي تمر عليها المعاملات اليومية، من الرواتب والفواتير وتحويلات الأفراد إلى مبيعات الشركات وتسوياتها ومدفوعات الحكومة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في الحالة السورية. فوفق البنك الدولي، لا يزال القطاع المالي صغيراً، تهيمن عليه المصارف ويعتمد بدرجة كبيرة على النقد، فيما تبقى الوساطة المالية محدودة والبنية التحتية الرقمية للمدفوعات متقادمة. ويرى البنك أن هذه الاختلالات ترفع تكاليف المعاملات وتضعف الوصول إلى التمويل وتحد من قدرة سوريا على إعادة الربط مع القنوات المالية الدولية الضرورية للتجارة والاستثمار.
من هنا تأتي أهمية النظام الجديد. فالمسألة ترتبط بقدرة الاقتصاد على نقل الأموال وتسويتها بسرعة وأمان وبتكلفة معقولة، وببناء شبكة يمكن أن تحمل جزءاً متزايداً من النشاط المالي والتجاري.
حلقات منظومة مالية جديدة
يأتي القرار الجديد ضمن خطوات بدأت تتراكم خلال 2026 ضمن مسار واحد. ففي مايو سمح مصرف سورية المركزي للمؤسسات المالية وشركات الدفع الإلكتروني المرخصة بالتعامل مع شركات الدفع العالمية، وهي خطوة تفتح المجال أمام تطوير الخدمات المرتبطة بشبكات الدفع الدولية ضمن الأطر التنظيمية المعتمدة.
وبالتوازي، بدأ المركزي إعداد استراتيجيته للأعوام 2026-2030، وحدد لها خمس ركائز تشمل السياسة النقدية والاستقرار السعري، ونظام مدفوعات رقمياً آمناً ومتكاملاً، ونظاماً مصرفياً سليماً، وسوق صرف متوازنة وشفافة، والتكامل المالي الدولي والشمول المالي المستدام.
وتوضح هذه الخطوات أن تحديث المدفوعات يأتي ضمن مسار مترابط يقوم على وضع قواعد تنظيمية جديدة، وبناء البنية التقنية التي تنفذ العمليات، وإعادة تأهيل المصارف وأجهزة الرقابة التي ستعمل فوق هذه البنية.
100 مليون دولار لتحديث القطاع المالي
جاء الدعم الأبرز لهذا المسار من البنك الدولي، الذي أعلن في 7 أغسطس عن موافقة مجلسه التنفيذي في اليوم السابق على منحة بقيمة 100 مليون دولار لتمويل مشروع تحديث القطاع المالي السوري.
ويستهدف المشروع تحديث البنية المالية الأساسية، وإعادة تأهيل القطاع المصرفي، وتعزيز الرقابة والاستقرار والنزاهة المالية، ورفع القدرات التشغيلية لمصرف سوريا المركزي ووحدة المعلومات المالية. كما سيمول البنية التحتية للمدفوعات والأسواق المالية، وأنظمة المعلومات والتكنولوجيا والأمن السيبراني والبنية الائتمانية.
وتوضح أهداف المشروع حجم التحول المستهدف، إذ يسعى خلال فترة تنفيذه إلى الوصول إلى ما لا يقل عن 15 مليون عملية دفع إلكترونية للأفراد سنوياً، وتمكين 500 ألف شخص وشركة على الأقل من الاستخدام الفعلي للمدفوعات الرقمية عبر الأنظمة المدعومة منه.
تخفيف الاعتماد على النقد
يتوقع أن يكون أحد أهم آثار هذا التحول تخفيف الاعتماد الواسع على النقد. وكان المصرف المركزي السوري قد أوضح أن النظام الجديد سيبقي على التعامل النقدي ولن يفرض طريقة دفع محددة، بما يسمح بأن يكون الانتقال إلى الأدوات الرقمية تدريجياً ومبنياً على توسيع الخيارات.
ومع انتقال مزيد من العمليات إلى القنوات الرقمية، يزداد حجم الأموال التي تمر عبر النظام المالي الرسمي. وهذا يساعد المصارف على جذب مزيد من الأموال إلى الحسابات، ويوفر للشركات سجلاً أوضح للمعاملات، ويسهل عمليات التحصيل والدفع، ويتيح تكوين معلومات مالية يمكن أن تساعد مستقبلاً في تقييم العملاء ومنح التمويل.
كما تستفيد المالية العامة من الاتجاه نفسه. فقد وافق البنك الدولي في مارس على منحة أخرى بقيمة 20 مليون دولار لمشروع تطوير الإدارة المالية العامة، تشمل إنشاء نظام معلومات مالي حكومي متكامل وتبسيط ورقمنة عمليات مرتبطة بإعداد الموازنة وتنفيذها والمشتريات والتقارير المالية.
وهكذا يمكن أن يتحرك التحول الرقمي بالتوازي في اتجاهي رقمنة التعاملات التجارية والمالية، وتحديث حركة الأموال العامة وإدارتها.
سوق جديدة للتكنولوجيا المالية
كما ينطوي النظام الجديد على بعد استثماري. فهو ينظم الجهات الرئيسية العاملة في السوق، ومن ضمنها مقدمو خدمات الدفع، ومقدمو خدمات النقود الإلكترونية، ومشغلو أنظمة الدفع، ويفتح المجال أمام المنافسة والاستثمار في الخدمات المالية والتقنية.

كما يسمح باختبار الأنشطة والحلول المالية الجديدة ضمن مختبر تنظيمي قبل طرحها على نطاق أوسع، وهي آلية تمنح شركات التكنولوجيا المالية مساحة لتطوير خدمات جديدة تحت إشراف الجهة الرقابية.
وقد يفتح ذلك سوقاً لخدمات مثل المحافظ الإلكترونية، وقبول المدفوعات، وبوابات الدفع للتجارة الإلكترونية، وتحويل الأموال، ومعالجة وتسوية العمليات، وحلول الدفع المخصصة للشركات.
كما تتيح الحسابات والمحافظ والتطبيقات ونقاط الدفع الوصول إلى شرائح أوسع من الأفراد وأصحاب الأعمال الصغيرة، وخصوصاً في المناطق التي تقل فيها الفروع المصرفية أو لا تصلها الخدمات المصرفية بالشكل الكافي.
ما الذي يتغير بالنسبة للمستثمر؟
تتضح أهمية هذه البنية بصورة أكبر عند النظر إلى سوريا كسوق تسعى إلى استقطاب استثمارات جديدة.
بالنسبة للمستثمر، تكتسب كفاءة أنظمة المدفوعات أهمية مباشرة في إدارة الأعمال اليومية، من تحويل الأموال ودفع الرواتب والموردين إلى تحصيل المبيعات وتسوية الحسابات والتعامل مع المصارف. وكلما أصبحت هذه العمليات أسرع وأكثر سهولة وموثوقية، انخفضت كلفة التشغيل وتحسنت قدرة الشركات على إدارة أعمالها داخل السوق السورية.
كما تستفيد قطاعات مثل السياحة والفنادق والتجزئة والنقل والتجارة الإلكترونية بصورة مباشرة من اتساع خيارات الدفع وقبول الأدوات المالية المستخدمة إقليمياً ودولياً.
وفي المقابل، يبقى الربط مع منظومات الدفع الإقليمية والدولية مساراً مستقبلياً يرتبط باستكمال المتطلبات القانونية والفنية والتجارية. وهذا يضع النظام الحالي في موقع البنية التحتية التي تمهد لهذا الاتصال بدلاً من اعتباره ربطاً دولياً مكتملاً.
البنية المالية لإعادة الإعمار
قدر البنك الدولي كلفة إعادة الإعمار المادي في سوريا بنحو 216 مليار دولار. وإعادة بناء الطرق والمساكن والمصانع والكهرباء والمرافئ بهذا الحجم تتطلب منظومة قادرة على استقبال الأموال وتحويلها وتمويل المشاريع ودفع مستحقات الشركات والعمال والموردين.
وخلال عام 2026 بدأت سوريا تضع القواعد التي تنظم السوق، وتفتح المجال أمام شركات الدفع العالمية، وتعمل على إعداد استراتيجية جديدة للمصرف المركزي، فيما دخل البنك الدولي بتمويل مباشر لإعادة بناء البنية المالية والمصرفية والرقمية.
المشهد لا يزال في بدايته، ويتوقع أن تبدأ النتائج بالظهور تدريجياً وفق سرعة التنفيذ واستجابة المصارف والشركات ومدى انتشار الخدمات الجديدة بين المواطنين وقطاع الأعمال.
لكن الاتجاه أصبح أكثر وضوحاً. فإعادة بناء الاقتصاد السوري تشمل، إلى جانب البنية التحتية التي تنقل الأشخاص والبضائع والطاقة، بنية مالية قادرة على نقل الأموال بكفاءة داخل الاقتصاد وربطه تدريجياً بالأسواق الخارجية.
ومع اتساع هذه المنظومة، يمكن أن تتحول أنظمة المدفوعات إلى أحد المكونات الأساسية لاقتصاد أكثر قدرة على جذب الاستثمار، وتمويل الأعمال، وتوسيع التجارة، وتعزيز ارتباط سوريا بالمنظومة المالية الإقليمية والدولية.
الأكثر قراءة

