"درب السعودية" تكشف تقدّم الحوكمة في السوق السعودية من المساءلة إلى التنفيذ
"درب السعودية" تكشف تقدّم الحوكمة في السوق السعودية من المساءلة إلى التنفيذ
-
الاقتصاد والأعمال
انتقلت قضية شركة "درب السعودية الاستثمارية" ضد ستة من أعضاء مجلس إدارتها السابقين إلى مرحلة التنفيذ الجبري، بعد صدور قرارات وفق المادة 46 من نظام التنفيذ في ستة طلبات مقدمة أمام محكمة التنفيذ في الرياض. ويعني التطور أن القضية تجاوزت صدور الحكم النهائي إلى إجراءات تستهدف استيفاء نحو 69.1 مليون ريال لمصلحة الشركة، في واحدة من أبرز حالات مساءلة أعضاء مجالس الإدارات التي شهدتها السوق السعودية خلال عام 2026.
وتعود القضية إلى مجلس إدارة امتدت دورته من 10 فبراير 2010 إلى 9 فبراير 2013، بينما طالبت الشركة في الدعوى بتعويض قدره 100 مليون ريال بالتضامن والانفراد. وفي أبريل 2026، أصدرت لجنة الفصل في منازعات الأوراق المالية، وهي جهة قضائية متخصصة ومستقلة أنشأها نظام السوق المالية، قراراً ابتدائياً بإلزام ستة من الأعضاء السابقين متضامنين بدفع نحو 68.7 مليون ريال للشركة، إلى جانب 500 ألف ريال تعويضاً عن أتعاب المحاماة. ثم أيدت لجنة الاستئناف القرار وطلبت من الجهات المختصة تنفيذه بالوسائل النظامية.
وقدمت الشركة بعد ذلك ستة طلبات تنفيذ، وأصدرت محكمة التنفيذ أوامر بإلزام المحكوم ضدهم بتنفيذ السندات خلال خمسة أيام، بإجمالي 69.1 مليون ريال. ومع انقضاء المهلة انتقلت الإجراءات إلى المادة 46، بما يفتح المجال لاتخاذ تدابير تنفيذية بحق الممتنعين عن الوفاء بالأحكام.
تكمن أهمية القضية في أنها تعطي معنى عملياً لمسؤولية أعضاء مجالس الإدارات. فالمسؤولية لا تنتهي بانتهاء الدورة أو مغادرة الشركة، كما أن الحكم بالتعويض لا يبقى قراراً معلقاً في ملفات المنازعة. وعندما يكتسب القرار الصفة النهائية، تستطيع الشركة الانتقال إلى محكمة التنفيذ والسعي إلى استرداد الأموال المحكوم بها، حتى بعد مرور سنوات طويلة على انتهاء عضوية المجلس المعني.
ويضع ذلك أعضاء المجالس أمام معادلة أكثر وضوحاً: القرارات التي يتخذونها خلال العضوية قد تظل قابلة للمراجعة والمساءلة إذا ثبت أنها ألحقت ضرراً بالشركة أو بالمساهمين. كما يعزز قدرة الإدارات اللاحقة على الرجوع على من تسببوا في الخسائر، بدلاً من تحميل آثارها للشركة ومساهميها وحدهم.
مسؤولية القوائم المالية
لا تقف المساءلة عند القرارات الاستثمارية أو التصرف في ممتلكات الشركات. ففي مايو 2026، أعلنت هيئة السوق المالية صدور قرار نهائي بإدانة 11 من أعضاء مجلس الإدارة ولجنة المراجعة في "السعودي الألماني الصحية"، بسبب مخالفات مرتبطة بالقوائم المالية خلال الفترة من 2018 إلى 2021، وفرض غرامات بلغ مجموعها نحو 18 مليون ريال.
وارتبطت المخالفات، بحسب الهيئة، بالاعتراف بإيرادات أعطت صورة مضللة عن الوضع المالي للشركة. ولم تقتصر المسؤولية على الإدارة التنفيذية التي تعد الأرقام، وإنما شملت أعضاء مجلس الإدارة ولجنة المراجعة الذين وافقوا على القوائم أو شاركوا في اعتمادها. وامتدت العقوبات إلى المنع من العمل لدى الجهات الخاضعة لإشراف هيئة السوق المالية لمدد محددة.
وظهر أثر هذه العقوبات عندما أعلنت "سيسكو القابضة" استقالة عضو من مجلس إدارتها ولجانه، ثم أوضحت أن السبب هو صدور قرار بمنعه من العمل لدى الجهات الخاضعة لإشراف الهيئة لمدة ستة أشهر. وتكشف الحالة أن العقوبة تتبع الشخص عبر السوق، ولا تبقى محصورة في الشركة التي وقعت فيها المخالفة.
كما تؤكد هذه القرارات أن لجنة المراجعة لا تؤدي مهمة شكلية تسبق اعتماد النتائج، وإنما تتحمل مسؤولية فحص الافتراضات المحاسبية، ومناقشة تحفظات المراجع الخارجي، والتحقق من أن القوائم تعكس المركز المالي للشركة بصورة عادلة. وقد تصبح الموافقة على قوائم تتضمن معلومات مضللة سبباً للمساءلة الشخصية.
المستثمر يدخل مسار التعويض
أضافت قضية "ريدان الغذائية" مستوى آخر إلى هذا المسار. ففي يونيو 2026، أعلنت هيئة السوق المالية قبول طلب تقييد دعوى جماعية أقامها أحد المستثمرين ضد بعض أعضاء مجلس الإدارة ولجنة المراجعة. واستندت الدعوى إلى قرار نهائي سابق أدانهم بالمشاركة في إيجاد انطباع غير صحيح ومضلل بشأن قيمة سهم الشركة.
وتعلقت القضية باعتماد قوائم مالية عن أعوام 2018، 2019 و2020 من دون إثبات كامل للانخفاض في قيمة استثمار الشركة في "الجونة"، رغم تحفظ المراجع الخارجي وتكرار التحفظ ثلاثة أعوام. وفتحت الهيئة المجال أمام المستثمرين الذين تنطبق عليهم الشروط للانضمام إلى الدعوى الجماعية.
وتنقل هذه الآلية المساءلة من العلاقة بين الجهة الرقابية والمخالف إلى العلاقة بين المخالف والمستثمر المتضرر. فالغرامة التنظيمية تعاقب السلوك المخالف، بينما تمنح الدعوى الجماعية المستثمرين مساراً للمطالبة بالتعويض عن الخسائر التي قد تكون نتجت من الاعتماد على معلومات مالية غير دقيقة.
وتكتسب هذه الحماية أهمية خاصة في سوق تسعى إلى استقطاب مزيد من المؤسسات الاستثمارية الدولية. فالمستثمر لا يقيس جاذبية السوق بحجمها وسيولتها وعدد الشركات المدرجة فقط، وإنما بقدرته على الوصول إلى معلومات موثوقة ووجود طريق واضح للتعويض عندما يتضرر من إفصاح مضلل.
المساءلة تحتاج إلى دعوى دقيقة
في المقابل، تكشف قضية "ثمار التنمية القابضة" أن تشدد الرقابة لا يعني قبول دعاوى عامة ضد مجالس سابقة من دون تحديد مسؤولية كل عضو. ففي مايو 2026، صرفت لجنة الاستئناف النظر عن دعوى مسؤولية رفعتها الشركة ضد عدد من أعضاء مجلس الإدارة السابقين عن الفترة من مارس 2017 إلى يوليو 2021.
واستند القرار إلى أن الدعوى لم تحدد بصورة منفصلة الأخطاء المنسوبة إلى كل مدعى عليه، وصفته، والضرر الناتج من تصرفاته، والمطالبة الموجهة إليه. وفي الوقت نفسه، أبقت اللجنة حق الشركة في إقامة دعاوى مستقلة بعد استيفاء المتطلبات النظامية.
وتضيف هذه القضية بعداً مهماً إلى تطور الحوكمة. فالمسؤولية لا تفترض أن جميع أعضاء المجلس شاركوا بالدرجة نفسها في الخطأ، وقد تختلف بين رئيس المجلس والعضو التنفيذي والعضو المستقل وعضو لجنة المراجعة، بحسب المعلومات المتاحة لكل منهم ومشاركته في القرار.
ومن ثم، يجمع نضج منظومة الحوكمة بين صرامة العقوبة ودقة الإثبات. فالشركات تملك حق ملاحقة المجالس السابقة، لكن عليها تحديد الخطأ والضرر والعلاقة بينهما لكل عضو، بما يحمي حقوق الشركة والمساهمين ويحفظ في الوقت نفسه عدالة الإجراءات.
الإنفاذ يكمل تطوير الأنظمة
تزامنت هذه القضايا مع تطوير هيئة السوق المالية للإطار التنظيمي لعزل أعضاء مجالس إدارات الشركات المدرجة. ففي أبريل 2026، اعتمدت الهيئة تعديلات تضع ضوابط أكثر تحديداً لعزل أعضاء المجلس من جانب الجمعية العامة، بهدف تمكين المساهمين من متابعة أداء المجالس وممارسة حقوقهم ورفع مستوى الشفافية وحماية المستثمرين.
ويعكس ذلك عمل منظومة الحوكمة في اتجاهين مترابطين. الأول وقائي يمنح المساهمين أدوات أوضح للتدخل عندما يتراجع أداء المجلس أو تهتز الثقة به. والثاني علاجي يتيح للهيئة والشركات والمستثمرين اللجوء إلى التحقيق والتقاضي والتعويض والتنفيذ بعد وقوع المخالفة.
ولا يشكل ارتفاع عدد القضايا والعقوبات دليلاً منفرداً على اكتمال الحوكمة، فالمخالفات تظل واردة في جميع الأسواق. المعيار الأهم هو قدرة النظام على اكتشافها، وتحديد المسؤولين عنها، وإعلان نتائجها، وحماية حقوق المتضررين، ثم تنفيذ الأحكام الصادرة.
ومن هذه الزاوية، تقدم قضية "درب السعودية" مؤشراً واضحاً على تقدم الحوكمة في السوق السعودية. فقد عبرت مراحل الدعوى والفصل والاستئناف، ثم انتقلت إلى التنفيذ لتحصيل الأموال لمصلحة الشركة. وتكملها قضية "السعودي الألماني الصحية" التي أظهرت مسؤولية المجلس ولجنة المراجعة عن القوائم المالية، وقضية "ريدان" التي أتاحت للمستثمرين مساراً جماعياً للتعويض، وقضية "ثمار" التي أكدت ضرورة بناء المساءلة على مسؤولية فردية محددة.
هذه الحالات لا تتطابق، لكنها تعكس اتجاهاً واحداً يؤكد على أن عضوية مجلس الإدارة في السوق السعودية أصبحت مسؤولية نظامية ومالية ومهنية متزايدة. وكلما اتضح أن المخالفة قد تقود إلى غرامة أو منع أو تعويض أو تنفيذ على الأموال، ارتفعت حوافز المجالس لتحسين الرقابة الداخلية، والتدقيق في القرارات والقوائم المالية قبل اعتمادها.
ويدعم ذلك جاذبية السوق للمستثمرين المحليين والدوليين. فالثقة لا تصنعها المؤشرات والأحجام وحدها، وإنما تبنى أيضاً على التأكد من أن عضو المجلس يخضع للمساءلة، وأن القوائم المالية يمكن الاعتماد عليها، وأن القرارات النهائية تنفذ، وأن المتضرر يملك طريقاً واضحاً للمطالبة بحقه.
الأكثر قراءة
-
دوكاب تعيّن ماتيو بافاريسكو رئيساً تنفيذياً للمجموعة
-
سكة الحجاز... مشروع يعيد المشرق إلى خريطة التجارة بين الخليج وأوروبا
-
المراعي في الربع الثاني: مبيعات أعلى وهوامش أقل مع ارتفاع الكلفة
-
"السعودية لإعادة التمويل العقاري" تسعّر صكوكاً دولية بـ2.75 مليار دولار
-
الصندوق السيادي السوري و"المهيدب" يدرسان مشاريع غذائية في سوريا

