بين الأراضي البيضاء والأبنية الشاغرة… السعودية تضبط إيقاع السوق العقارية

  • 2026-05-17
  • 18:45

بين الأراضي البيضاء والأبنية الشاغرة… السعودية تضبط إيقاع السوق العقارية

  • كتب فيصل أبوزكي

لا يبدو اعتماد الحكومة السعودية اللائحة التنفيذية لرسوم العقارات الشاغرة إجراءً تنظيمياً عادياً داخل سوق العقار، بقدر ما هو خطوة جديدة ضمن مسار متكامل تتبعه الدولة منذ سنوات لمعالجة واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في الاقتصاد السعودي والتي تتعلق  بكيفية تحقيق التوازن بين النمو العقاري السريع، والقدرة الشرائية، وكفاءة استخدام الأراضي والمباني لا سيما داخل المدن الكبرى.

فاللائحة الجديدة، التي تستهدف فرض رسوم على العقارات غير المستغلة، تأتي بعد سلسلة قرارات وإجراءات شملت توسيع تطبيق رسوم الأراضي البيضاء، وتشديد الضوابط على الأراضي غير المطورة، وإلزام المصارف بتسييل العقارات المستردة خلال مدد زمنية محددة.

وعند جمع هذه الخطوات معاً، يظهر أن الدولة تتحرك تدريجياً نحو سياسة تقوم على زيادة المعروض الفعلي داخل السوق، وتقليص كلفة اكتناز وتعطيل الأصول العقارية، ودفع الملاك والمستثمرين نحو الاستخدام والتطوير والتشغيل بدلاً من الاحتفاظ طويل الأجل بالأصول غير المستغلة.

وتحمل هذه السياسة أهمية خاصة لأن القطاع العقاري أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد الأعمدة الرئيسية للتحول الاقتصادي السعودي، سواء من ناحية مساهمته في النمو غير النفطي، أو دوره في جذب الاستثمارات، أو ارتباطه بالمشاريع العملاقة والتوسع الحضري وبرامج الإسكان وجودة الحياة.

لكن في المقابل، فإن الطفرة العقارية نفسها رفعت مستوى الضغوط داخل المدن الرئيسية، وخصوصاً الرياض، حيث ارتفعت أسعار الأراضي والإيجارات بوتيرة أسرع من نمو المداخيل، وتحولت كلفة السكن والمكاتب والمساحات التجارية إلى عامل مؤثر في تنافسية المدينة واستقطاب الشركات والكفاءات.

كيف تغيّر القطاع العقاري منذ رؤية 2030؟

منذ إطلاق رؤية 2030، شهد القطاع العقاري السعودي تحولاً ضخماً في حجمه ودوره الاقتصادي. فقد تعاملت الدولة مع العقار كجزء أساسي من مشروع التحول الاقتصادي، عبر برامج الإسكان، والمشاريع العملاقة، وتطوير البنية التحتية، ورفع نسب التملك السكني، وتحفيز التمويل العقاري، وفتح المجال أمام استثمارات محلية وأجنبية واسعة في التطوير الحضري والسياحي واللوجستي.

وارتفعت نسبة تملك الأسر السعودية إلى أكثر من 65 في المئة وفق بيانات وزارة البلديات والإسكان، مقارنة بمستويات أقل بكثير قبل إطلاق الرؤية. كما تضاعف حجم التمويل العقاري عدة مرات خلال أقل من عقد، بدعم من برامج الرهن المدعوم وانخفاض الفوائد خلال جزء كبير من السنوات الماضية.

وفي الوقت نفسه، دخلت السوق مرحلة توسع غير مسبوقة مع مشاريع مثل نيوم، والبحر الأحمر، والقدية، وروشن، والدرعية، إلى جانب التوسع الكبير في مشاريع المكاتب والفنادق والمراكز التجارية والبنية اللوجستية.

لكن هذا النمو حمل معه أيضاً تغيرات عميقة في هيكل السوق. فقد ارتفعت قيمة الأراضي داخل المدن الرئيسية بصورة حادة، وتحولت الأراضي والعقارات إلى أحد أهم أوعية حفظ الثروة والاستثمار، خصوصاً مع ارتفاع الأسعار المتواصل لسنوات طويلة. وأصبح الاحتفاظ بالأصل العقاري لفترات طويلة استراتيجية مربحة بحد ذاتها بالنسبة إلى شريحة واسعة من المستثمرين والملاك، حتى دون تطويره أو تشغيله.

وتكشف مؤشرات السوق حجم التحول الذي شهده القطاع العقاري خلال السنوات الأخيرة. فقد تجاوزت القروض العقارية للأفراد 846 مليار ريال، بالتوازي مع توسع المشاريع العملاقة وارتفاع الطلب على السكن والمكاتب والخدمات، خصوصاً في الرياض.

كما تستعد العاصمة لاستقبال أكثر من 300 ألف وحدة سكنية خلال السنوات المقبلة، في وقت أدى انتقال مئات الشركات العالمية إلى المملكة إلى زيادة الضغط على الأسعار والإيجارات والمساحات التجارية. وهذه المعطيات تفسر لماذا انتقلت السياسة العقارية من التركيز على تحفيز البناء فقط إلى محاولة تحريك الأصول غير المستغلة داخل المدن.

فتح السوق أمام المستثمر الأجنبي… 

وفي موازاة الإجراءات الرامية إلى زيادة المعروض ورفع كفاءة استخدام الأصول، اتخذت الحكومة السعودية خلال السنوات الأخيرة خطوات لتوسيع قاعدة المستثمرين داخل القطاع العقاري، كان أبرزها تعديل الأنظمة المتعلقة بتملك الأجانب للعقار، إلى جانب فتح السوق بصورة أوسع أمام المستثمرين الدوليين والصناديق الأجنبية وشركات التطوير العالمية.

ويحمل هذا التوجه دلالات مهمة، لأن الدولة من جهة تريد جذب المزيد من رؤوس الأموال والخبرات الدولية إلى السوق العقارية السعودية، خصوصاً مع المشاريع العملاقة والتحول العمراني والسياحي الضخم المرتبط برؤية 2030، لكنها من جهة أخرى تسعى إلى منع تحول السوق إلى بيئة يغلب عليها الاكتناز والمضاربة وتعطيل الأصول داخل المدن الرئيسية.

نمو أكثر ارتباطاً بالاستخدام والتطوير والتشغيل

ويبدو هذا التوازن أساسياً لفهم السياسة العقارية الحالية. فالسعودية لا تعمل على خفض النشاط العقاري أو كبح الاستثمار في القطاع بقدر ما تسعى إلى رفع كفاءة السوق وجعل النمو العقاري أكثر ارتباطاً بالاستخدام الفعلي والتطوير والتشغيل طويل الأجل.

كما أن فتح السوق أمام المستثمر الأجنبي يزيد أهمية السيطرة على مستويات الأسعار والإيجارات داخل المدن الرئيسية، لأن استمرار الارتفاعات الحادة قد يرفع كلفة الأعمال والسكن بصورة تؤثر على تنافسية المملكة وقدرتها على استقطاب الشركات والكفاءات والاستثمارات الأجنبية التي تسعى إليها ضمن رؤية 2030.

الدولة تحاول تفادي تكرار نماذج شهدتها بعض الأسواق العالمية والإقليمية، حيث أدى تدفق السيولة الأجنبية والمضاربات العقارية إلى تضخم الأسعار بصورة فصلت السوق تدريجياً عن الطلب الحقيقي والدخل المحلي. ولهذا تبدو الإجراءات التنظيمية الحالية جزءاً من محاولة استباقية للحفاظ على التوازن مع استمرار الانفتاح وجذب الاستثمار الخارجي.

تفعيل الاصول المعطلة

خلال السنوات الماضية، ضُخت استثمارات ضخمة في القطاع العقاري، لكن ذلك لم يمنع استمرار الضغوط على الأسعار والإيجارات. وهنا بدأت الدولة تنظر إلى السوق من زاوية مختلفة. فالتحدي أصبح مرتبطاً بوجود جزء مهم من الأصول العقارية خارج الاستخدام الفعلي داخل المدن.

ففي الوقت الذي ارتفعت فيه الإيجارات وأسعار الأراضي بصورة حادة، بقيت مساحات واسعة من الأراضي داخل النطاقات العمرانية غير مطورة، كما احتفظ ملاك ومستثمرون بوحدات ومبانٍ شاغرة لفترات طويلة انتظاراً لمزيد من ارتفاع الأسعار أو تحسن ظروف السوق.

أوجد هذا الواقع نوعاً من الاختناق داخل المدن الكبرى. فالمعروض الحقيقي المتاح للاستخدام بقي أقل من حجم الأصول القائمة فعلياً، وهذا ما ساهم في استمرار الضغوط السعرية، ورفع كلفة السكن والتشغيل على الأفراد والشركات.

ومن هنا يمكن فهم الانتقال من رسوم الأراضي البيضاء إلى رسوم العقارات الشاغرة باعتباره توسعاً في مفهوم تفادي تعطيل الأصل العقاري. ففي المرحلة الأولى، ركزت السياسة على الأراضي غير المطورة، أما اليوم فهي تشمل أيضاً المباني والوحدات الجاهزة غير المستخدمة.

دفع السوق نحو التطوير والتشغيل والعوائد المستدامة

يحمل هذا التوجه أبعاداً اقتصادية ومالية أوسع من مجرد زيادة المعروض العقاري. فالدولة تنظر إلى الأصل العقاري غير المستخدم باعتباره رأس مال معطلاً داخل الاقتصاد. فالعقار الشاغر لا يخلق نشاطاً اقتصادياً، ولا يضيف طاقة استيعابية للمدينة، ولا يولد وظائف أو خدمات أو حركة تمويل.

وفي المقابل، فإن تطوير العقار أو تشغيله أو تأجيره يحفز سلسلة طويلة من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالبناء والخدمات والتمويل والتجزئة والضيافة والنقل. كما أن زيادة المعروض يُفترض أن يساعد على تهدئة الضغوط السعرية وتحسين كفاءة المدن، خصوصاً في الرياض التي أصبحت مركزاً رئيسياً لاستقطاب الشركات الإقليمية والعالمية.

ويمكن القول هنا أن الدولة لا تتحرك ضد الاستثمار العقاري بحد ذاته، لأن القطاع ما يزال يمثل أحد أهم محركات النمو غير النفطي، إنما تسعى إلى دفع السوق نحو نماذج أكثر ارتباطاً بالتطوير والتشغيل والعوائد المستدامة.

كما أن إلزام المصارف بتسييل العقارات المستردة يدخل ضمن المنطق نفسه. فخلال فترات الطفرة، قد تتراكم أصول عقارية داخل ميزانيات البنوك نتيجة التعثر أو التسويات، لكن إبقاء هذه الأصول لفترات طويلة يعني عملياً تجميد جزء من المعروض خارج السوق.

كيف يمكن أن تتأثر الأسعار؟

السؤال الأهم يتعلق بتأثير هذه الإجراءات على أسعار الأراضي والعقارات والإيجارات.

وحتى الآن، يبدو أن الدولة تستهدف تهدئة السوق أكثر من إحداث صدمة سعرية حادة. فالقطاع العقاري مرتبط بشكل مباشر بمشاريع رؤية 2030، والاستثمار الخاص، والقطاع المصرفي، وسوق الأسهم، وثقة المستثمرين، وبالتالي فإن أي تراجع حاد قد يحمل انعكاسات أوسع على الاقتصاد.

لكن في المقابل، فإن استمرار الارتفاعات السريعة في الأسعار يحمل بدوره مخاطر اقتصادية، لأنه يرفع كلفة السكن والمعيشة، ويضغط على الشركات، ويزيد كلفة جذب الكفاءات والاستثمارات، خصوصاً في الرياض.

ومن هنا يبدو أن السياسة الحالية تهدف إلى زيادة مرونة المعروض تدريجياً، تقليص المضاربة، وإبطاء وتيرة ارتفاع الأسعار، بدلاً من دفع السوق نحو تصحيح حاد.

كما أن هذه الإجراءات قد تؤدي إلى تغير تدريجي في طريقة تقييم الأصول العقارية نفسها.

فخلال السنوات الماضية، كانت قيمة الأصل ترتبط بدرجة كبيرة بإمكانية ارتفاع سعره مستقبلاً، أما المرحلة المقبلة فقد تعطي وزناً أكبر للعائد التشغيلي، ونسب الإشغال، وقدرة الأصل على توليد دخل فعلي.

ماذا تعني المرحلة الجديدة لشركات التطوير؟

قد تحمل المرحلة المقبلة فرصاً وضغوطاً في آن واحد بالنسبة إلى شركات التطوير العقاري. فالشركات القادرة على التطوير السريع وإدارة المشاريع بكفاءة قد تستفيد من زيادة الأراضي والوحدات المتاحة، ومن انتقال السوق نحو نماذج أكثر ارتباطاً بالتشغيل والعوائد المستدامة.

كما أن الطلب الأساسي داخل السعودية ما يزال قوياً ومدعوماً بالنمو السكاني والمشاريع الحكومية والتوسع الاقتصادي والسياحي واللوجستي، وهو ما يؤكد أن السوق لا تعاني ضعفاً في الطلب بقدر ما تعاني اختناقات في المعروض وكفاءة استخدام الأصول.

لكن في المقابل، قد تواجه الشركات أو المستثمرون الذين يعتمدون على تخزين الأراضي والأصول لفترات طويلة ضغوطاً أكبر على السيولة والهوامش، خصوصاً مع ارتفاع كلفة الاحتفاظ بالأصول غير المستخدمة.

ويتوقع أن يؤدي ذلك تدريجياً إلى قيام سوق أكثر احترافية وتنظيماً، تعطي وزناً أكبر للتطوير والتشغيل والإدارة العقارية، وأقل للاحتفاظ السلبي بالأصول.

تحقيق التوازن

يتمثل التحدي الأساسي أمام السياسة العقارية السعودية في تحقيق توازن دقيق بين أهداف مترابطة أهمها الحفاظ على جاذبية الاستثمار العقاري، وزيادة المعروض، ومنع تحوّل الأسعار إلى عبء اقتصادي واجتماعي متصاعد.

ويعتمد نجاح هذه السياسة على عوامل عديدة تشمل سرعة التراخيص، وتطوير البنية التحتية، وتوافر التمويل، وقدرة السوق على استيعاب المعروض الجديد، إضافة إلى دقة تطبيق الرسوم وآليات التقييم.

لكن الواضح حتى الآن أن السعودية تتجه نحو سوق عقارية تقوم بصورة أكبر على الاستخدام الفعلي وكفاءة استثمار الأصول داخل المدن، بالتوازي مع استمرار التوسع العمراني والاقتصادي المرتبط برؤية 2030.