سوريا...حاكم جديد للبنك المركزي بين ضغوط الليرة والتضخم وآمال النهوض

  • 2026-05-16
  • 19:35

سوريا...حاكم جديد للبنك المركزي بين ضغوط الليرة والتضخم وآمال النهوض

  • كتب فيصل أبوزكي

أعاد قرار تعيين محمد صفوت عبد الحميد رسلان حاكماً جديداً لمصرف سوريا المركزي فتح النقاش حول مستقبل السياسة النقدية والقطاع المصرفي السوري في مرحلة تعد من الأصعب منذ عقود.

فقد تحول هذا المنصب من مجرد موقع تقني لإدارة سعر الصرف والسيولة إلى واجهة لمعركة إعادة وصل الاقتصاد السوري بالنظام المالي العالمي، واستعادة الثقة بالليرة، ومحاولة إعادة بناء قطاع مصرفي استنزفته الحرب والعقوبات والانهيار الاقتصادي الطويل، ولم يعد موقع تقني لإدارة السيولة وسعر الصرف.

وجاء التعيين بمرسوم أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع، بعد نقل الحاكم السابق عبد القادر حصرية إلى السلك الدبلوماسي سفيراً لسوريا لدى كندا. وكان حصرية قد لعب خلال الفترة الماضية دوراً أساسياً في محاولة إعادة فتح قنوات التواصل مع البنوك والمؤسسات المالية الخارجية، والسعي إلى تخفيف عزلة القطاع المصرفي السوري عن النظام المالي العالمي.

مرحلة مختلفة للمصرف المركزي السوري

يُظهر توقيت التغيير إدراكاً سورياً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إدارة مختلفة للسياسة النقدية والمالية. فالتحدي اليوم لا يقتصر على ضبط السوق النقدية الداخلية، بل يمتد إلى إعادة بناء الثقة المحلية والخارجية بمؤسسات الدولة المالية بعد أكثر من عقد من الحرب والانهيار والعقوبات.

وفي موازاة ذلك، تسعى الحكومة السورية الجديدة لإظهار أنها بدأت بالفعل مساراً اقتصادياً مختلفاً عن السنوات السابقة، يقوم على إعادة بناء المؤسسات المالية وفتح الاقتصاد تدريجياً واستقطاب الدعم الخارجي والاستثمارات.

وخلال الأشهر الماضية، ركزت الحكومة على ضبط المالية العامة، ومحاولة كبح التضخم، وتحسين إدارة الإيرادات، وإعادة تنشيط بعض القطاعات الإنتاجية والصناعية، إلى جانب إطلاق خطط لإعادة تأهيل البنية التحتية والطاقة والكهرباء والمرافئ. كما بدأت اتصالات مع مؤسسات دولية ودول عربية وغربية للحصول على دعم فني ومالي للإصلاحات الاقتصادية وإعادة الإعمار.

وتسعى دمشق أيضاً إلى إعادة بناء علاقتها بالمؤسسات المالية الدولية. فقد أعلن صندوق النقد الدولي استعداده لمواصلة دعم السلطات السورية في جهود إعادة تأهيل الاقتصاد وتحسين أداء المؤسسات الاقتصادية، فيما يجري الحديث عن برامج لإصلاح إدارة المالية العامة والقطاع المصرفي وتعزيز الامتثال والمعايير الرقابية.

لكن حجم التحديات يفوق بكثير قدرات الاقتصاد السوري الحالية. فتكلفة إعادة الإعمار تُقدَّر بعشرات بل مئات مليارات الدولارات، في وقت تعاني فيه الدولة من ضعف الموارد وتهالك البنية التحتية وتراجع القدرة الإنتاجية وارتفاع معدلات الفقر.

ولهذا تبدو سوريا بحاجة إلى ما هو أبعد من المساعدات الإنسانية التقليدية، أي إلى تمويل تنموي طويل الأجل يساعد على إعادة بناء الكهرباء والمياه والطرق والموانئ والاتصالات والقطاع المصرفي والمؤسسات العامة، إضافة إلى توفير التمويل للمشاريع الصغيرة والمتوسطة والقطاع الخاص المنتج.

 وكانت دول الخليج، ولا سيما السعودية، قطر والإمارات، في مقدمة الدول التي سارعت إلى تقديم دعم مالي وتنموي لسوريا، عبر المساهمة في إعادة تأهيل البنية التحتية وتمويل مشاريع في قطاعات حيوية مثل الكهرباء والاتصالات، في محاولة للمساعدة على تسريع التعافي الاقتصادي وإعادة تنشيط دورة النمو والاستثمار.

ولا شك أن نجاح أي إصلاح نقدي أو مصرفي سيبقى مرتبطاً بقدرة البلاد على جذب الاستثمارات وعودة رؤوس الأموال السورية في الخارج ورفع مستوى الثقة بالاقتصاد ومؤسسات الدولة.

وضع نقدي معقد

يتمثل أحد أكبر التحديات أمام الحاكم الجديد في إدارة ملف الليرة السورية. فالمصرف المركزي يواجه معضلة مزدوجة تتمثل بالحاجة إلى دعم العملة والحد من التضخم، مقابل ضعف الاحتياطيات الأجنبية وغياب تدفقات مالية مستقرة وكبيرة.

كما أن أي تشدد نقدي كبير قد يزيد الضغوط على الاقتصاد والنشاط التجاري، في حين أن التوسع النقدي المفرط يحمل مخاطر موجات تضخمية جديدة وفقدان إضافي لقيمة العملة.

وخلال الأشهر الماضية ظهرت مؤشرات على محاولة السلطات السورية التحضير لمرحلة نقدية جديدة، عبر دراسة طباعة أوراق نقدية جديدة وإعادة هيكلة العملة، بما في ذلك بحث حذف أصفار من الليرة السورية في إطار محاولة استعادة الثقة بها.

لكن نجاح أي إصلاح نقدي يبقى مرتبطاً بعوامل أعمق، أهمها استقرار الاقتصاد الحقيقي، وعودة النشاط الإنتاجي، ورفع مستوى الثقة بالمؤسسات، وتأمين تدفقات خارجية واستثمارات وتحويلات مستقرة.

قطاع مصرفي في طور التعافي

يحتاج القطاع المصرفي السوري نفسه عملياً إلى إعادة تأهيل شاملة بعد أن أضعفت سنوات الحرب والعقوبات والعزلة المالية الرسملة والسيولة، وقلصت العلاقات مع البنوك المراسلة الأجنبية، وأدت إلى ارتفاع المخاطر التشغيلية والائتمانية.

كما أن جزءاً كبيراً من الودائع تآكل فعلياً بفعل انهيار العملة والتضخم، بينما تراجعت قدرة المصارف على تمويل الاقتصاد أو جذب المدخرات.

وتحاول دمشق منذ فترة إعادة بناء هذه العلاقات تدريجياً، خصوصاً مع بعض الدول العربية والأوروبية، بهدف إعادة فتح قنوات التحويلات والتجارة والتمويل. وكان الحاكم السابق قد أشار إلى بدء تحسن محدود في عدد البنوك المراسلة المتعاملة مع سوريا بعد اتصالات وزيارات خارجية.

لكن الطريق لا يزال طويلاً، لأن إعادة دمج سوريا بالنظام المالي العالمي تحتاج إلى أكثر من تعيينات إدارية أو خطوات تقنية. فالمصارف الدولية تنظر أكثر إلى معايير الامتثال والشفافية ومكافحة غسل الأموال واستقرار البيئة القانونية والاقتصادية.

إعادة الإعمار تحتاج نظاماً مالياً جديداً

ربما يتمثل التحدي الأكبر في أن أي خطة حقيقية لإعادة إعمار سوريا تحتاج قطاعاً مصرفياً قادراً على تعبئة التمويل وإدارة التدفقات المالية وجذب رؤوس الأموال. وهذا يعني أن المصرف المركزي سيكون مضطراً خلال السنوات المقبلة إلى التحول من مؤسسة تدير أزمة يومية إلى مؤسسة تقود عملية تحديث نقدي ومصرفي واسعة.

كما ستبرز الحاجة إلى تحديث البنية التنظيمية والرقابية، وإعادة بناء الثقة بين المواطنين والمصارف، وتشجيع استخدام النظام المصرفي بدلاً من الاقتصاد النقدي غير الرسمي الذي توسع بشكل كبير خلال سنوات الحرب.

وفي ظل الضغوط الكبيرة على المالية العامة وارتفاع الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية، سيبقى التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية عاملاً حاسماً. فالمصرف المركزي السوري سيواجه ضغوطاً لتمويل الاقتصاد والدولة في وقت يحتاج فيه أيضاً إلى حماية العملة ومنع انفلات التضخم.

مهمة تتجاوز السياسة النقدية

لهذا السبب، لا تبدو مهمة الحاكم الجديد تقنية. فالمصرف المركزي السوري بات يقف عند تقاطع ملفات النقد والتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار والانفتاح الخارجي واستعادة الثقة بالدولة نفسها.

وأي نجاح في هذه المهمة سيبقى مرتبطاً بقدرة سوريا على تحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي والمؤسساتي والسياسي، لأن تعافي القطاع المصرفي لا يمكن فصله عن تعافي الاقتصاد ككل.