كورونا يضرب الشرق الأوسط: الاقتصاد يئن

  • 2020-02-26
  • 05:30

كورونا يضرب الشرق الأوسط: الاقتصاد يئن

دول الخليج تغلق حدودها البرية والبحرية والجوية مع إيران

  • سليمان عوده

تثير سرعة تفشي فيروس كورونا إقليمياً مخاوف جدية من احتمال أن تكون بلدان الشرق الأوسط قد تحولت إلى بؤرة رئيسية حاضنة للمرض، على غرار الصين. ففي أيام قليلة، ازدادت بوتيرة متسارعة أعداد المصابين بالفيروس في هذه المنطقة، ما يعيق جهود تطويق المرض باعتراف منظمة الصحة العالمية، التي باتت أكثر وضوحاً في حديثها عن تحول كورونا إلى وباء عالمي، وخروجه عن السيطرة تقريباً. 

وفي حين كانت ترد من الصين أنباء تبعث على التفاؤل بشأن احتمال محاصرة كورونا، إذ بدأت أعدد المصابين الجدد بالتراجع عن ذروتها الأعلى في ووهان، معقل الفيروس الرئيسي، تجمعت غيوم سوداء تنذر بالأسوأ في سماء الشرق الأوسط. البداية كانت من إيران، التي بدأت تنشر تباعاً أنباءً مقلقة تؤكد تفشي الإصابة بفيروس لا علاج له حتى الساعة. لكن الوتيرة السريعة لظهور حالات الإصابة بدأت تثير الريبة ازاء شفافية هذا البلد المحاصر بعقوبات لم تنهك اقتصاده فحسب، بل شلت النظام الصحي فيه. 

وسرعان ما ظهر أن الإصابات المعلن عنها بكورونا في إيران ليست إلا رأس جبل الجليد لحقيقة ما آلت إليه الأوضاع في هذا البلد. ويبدو أن طهران، ولأسباب تتعلق بالانتخابات البلدية، شاءت أن تؤجل الإعلان عن تفشي كورونا فيها. يدعم هذا التفسير أن فارقاً من ست ساعات فقط قد فصل ما بين الإعلان عن أول حالة إصابة بكورونا في البلاد قبل نحو أسبوع، ومن ثم الإعلان عن وفاة شخصين بالمرض. تفسير آخر محتمل لتأخر إيران في الإعلان عن كورونا يمكن رده إلى تردي أحوال القطاع الصحي فيها، وضعف إجراءات الكشف الاحترازي. وأودى الفيروس حتى الآن بحياة 15 شخصاً في البلاد، فيما أعلنت طهران عن 100 إصابة مؤكدة. لكن يعتقد أن العدد الفعلي أعلى بكثير. من بين المصابين نائب وزير الصحة الإيراني إيراج حريرجي، والنائب عن طهران محمود صادقي. 

وأعلنت منظمة الصحة العالمية أن الزيادة المفاجئة في حالات الإصابة في إيران "تبعث على القلق العميق"، خصوصاً أن عدد الوفيات جراء الفيروس فيها لا يتناسب مع العدد المعلن عنه من الإصابات، بالقياس إلى باقي دول العالم. ففي الصين مثلاً، تبلغ نسبة الوفيات بين المصابين اثنين بالمئة، وهي الأعلى بين كل الدول التي أعلنت عن وصول المرض إليها، في حين أنها تبلغ في إيران 15 في المئة. قد يعني ذلك، إذا شئنا تطبيق النسبة نفسها على إيران، أن عدد الإصابات في البلاد قد تجاوز 750 حتى الساعة، وهو رقم يبدو أقرب إلى الصواب، لا سيما في ظل الاعتقدا بأن إيران كانت مصدر الحالات الأولى التي أبلغت عنها أفغانستان المجاورة والبحرين والعراق والكويت وعمان، وقد فرضت كل هذه الدول قيوداً على السفر من وإلى إيران. 

وثمة مخاوف قائمة حالياً من أن يكون العديد من الحجاج والعمال المهاجرين الذين سافروا بين إيران وأجزاء أخرى من المنطقة في الأسابيع الأخيرة قد ساهموا بالفعل في نشر الفيروس. وأوقف مطار دبي، وهو مركز عبور دولي رئيسي، جميع رحلات الركاب والبضائع إلى إيران لمدة أسبوع "كإجراء احترازي".

 

 

تفشي سريع

في البحرين، أعلنت السلطات الصحية أن أعداد المصابين في البلاد ارتفعت إلى 23 شخصاً، بعد التثبت مساء أمس الثلاثاء من إصابة ستة مواطنين بحرينيين بالمرض، كلهم قدموا إلى البلاد من إيران. وأكدت وزارة الصحة أنها تقوم بإجراء الفحوصات اللازمة لكافة المسافرين القادمين من الدول الموبوءة فور وصولهم إلى المطار، ويتم عزل المصابين بشكل فوري. وفي رد فعل أولي على ذلك، أمرت سلطات الطيران المدني بتعليق جميع الرحلات القادمة من مطار دبي الدولي ومطار الشارقة الدولي لمدة 48 ساعة. ويأتي هذا التدبير بعدما جرى التأكد من أن جميع المصابين بالمرض قدموا إلى البحرين عبر هذين المطارين حصراً، انطلاقاً من إيران. وبحثت اللجنة الوطنية لمواجهة الكوارث في البحرين إمكانية تأجيل بعض الأنشطة والفعاليات للحد من أي تجمعات وحضور جماهيري في موقع واحد، لمكافحة انتشار الفيروس. وشرعت اللجنة نفسها، بحسب وكالة أنباء البحرين، باتخاذ إجراءات تبقي البحرين على أعلى مستويات الاستعداد والجاهزية، ومنها دراسة تفعيل الخدمات الإلكترونية وتوسيع إمكانية الاستفادة منها، بما يقلل عدد المراجعين لإنجاز الخدمات، وفي الوقت ذاته اتخاذ الاحتياطات والإجراءات الاحترازية اللازمة. ودعت وزارة خارجية البحرين جميع المواطنين إلى عدم السفر إلى إيران وتايلاند وسنغافورة وماليزيا وكوريا الجنوبية، نظراً إلى تفشي الفيروس بالدول المذكورة. وقد قررت السلطات تعليق الدراسة وإقفال المدارس والمعاهد الرسمية والخاصة لمدة أسبوعين في كامل أنحاء البلاد. 

بدورها، أعلنت الكويت حتى الآن عن 11 إصابة مؤكدة بفيروس كورونا. وقد اتخذت السلطات تدابير حازمة لوقف تفشي المرض، فألغت كافة فعاليات الأعياد الوطنية والشعبية التي كانت مقررة يومي الثلاثاء والأربعاء بمناسبة العيد الوطني، وأوقفت الإدارة العامة للطيران المدني جميع الرحلات المغادرة والقادمة من كوريا الجنوبية وتايلاند وإيطاليا والعراق. وأعلنت مؤسسة الموانئ الكويتية حظر دخول السفن القادمة من إيران والعراق بكل أنواعها لموانئها، حتى إشعار آخر. كذلك، قامت وزارة التجارة والصناعة بحظر تصدير المطهرات والقفازات الطبية ومستلزمات فحص فيروس كورونا.

وأعلنت السلطات الصحية في الإمارات عن 13 حالة إصابة حتى أمس الثلاثاء، الأحدث بينها لسائح إيراني وزوجته، فيما تم شفاء 3 حالات أعلن عنها سابقاً. وفي مسعى لمنع تفشي الفيروس في البلاد، حظرت السلطات الإماراتية السفر إلى إيران وتايلاند حتى إشعار آخر، بعدما بات البلدان بؤرة للمرض. وعلقت شركة طيران الإمارات الرحلات إلى عدد من البلدان الموبوءة بالفيروس، وألغت ٤ رحلات بين دبي والبحرين أمس واليوم الأربعاء. 


إجراءات احترازية 

وأفصحت عمان عن وجود حالتين مصابتين بفيروس كورونا. وأعلنت الهيئة العامة للطيران المدني في السلطنة تعليق جميع رحلات الطيران المدني من وإلى إيران حتى إشعار آخر. بدورها، علقت شركة تشغيل وإدارة الموانئ في عمان صادرات وواردات البضائع التي تمر عبر ميناء خصب العماني من وإلى إيران اعتباراً من صباح اليوم الأربعاء. ويحتل ميناء خصب موقعاً استراتيجياً بالقرب من مضيق هرمز، ويعد الميناء العماني الأقرب عن إيران، فيما لا يفصله عن إمارة رأس الخيمة في الإمارات إلا مسافة قصيرة.   
وفي حين لم تعلن السعودية عن أي إصابات على أراضيها، إلا أن الكويت والبحرين سجلتا إصابات لسعوديين قدموا إليها من إيران بالذات. وفذ رد فعل على ذلك، أوقفت السعودية سفر مواطنيها والوافدين إلى إيران. 

وأكدت قطر أنها لم تسجل حتى الآن أي حالة إصابة بفيروس كورونا، لكنها أعلنت عن إجراءات وقائية بهدف رصد أي حالات يشتبه في إصابتها بالفيروس. وأعلنت الخطوط الجوية القطرية أنها ستطلب من الركاب القادمين من إيران وكوريا الجنوبية البقاء في منازلهم أو في منشأة للحجر الصحي لمدة 14 يوماً بسبب مخاوف من انتقال كورونا. بدورها، أعلنت شركة موانئ قطر بدء فحص جميع السفن القادمة إلى موانئ حمد والرويس والدوحة، خصوصاً من البلدان التي أعلنت تسجيل حالات إصابة بالفيروس.  

وكشف العراق عن 5 إصابات مؤكدة بفيروس كورونا في النجف وكركوك، مصدرها إيران. وحظرت بغداد دخول المسافرين من كوريا الجنوبية واليابان وتايلاند وسنغافورة وإيطاليا إضافة إلى الصين وإيران، تحسباً من انتشار المرض. وقررت وزارة النقل تعليق رحلات الخطوط الجوية الحكومية إلى إيران من بغداد والنجف، فيما أغلقت السلطات الحدود مع إيران، وهي حدود يعبرها الملايين سنوياً. ووصف قتيبة الجبوري، رئيس لجنة الشؤون الصحية بالبرلمان، الفيروس بأنه "طاعون" وقال إن لجنته تطالب بإغلاق كامل لجميع الحدود “البرية والبحرية والجوية” مع إيران “إلى أن يصبح المرض تحت السيطرة تماماً”.
وأعلن لبنان عن أول إصابة بالمرض مصدرها إيران، حملتها إلى مطار بيروت طائرة إيرانية. وهبطت في مطار بيروت طائرة إيرانية على متنها ٢١٥ شخصاً رافقهم طاقم طبي إيراني قبل هبوط طائرة أخرى مساء الاثنين. واتُّخذت إجراءات لإخضاع طاقمها وركابها للفحوصات الاحترازية المتعلقة بفيروس كورونا، في حين وضعت الطائرة على مدرج بعيد ولم يدخل ركابها المطار ودخل رجلان أمنيان مجهّزان الطائرة ليأخذا جوازات السفر ويفحصا الركاب، على أن يتم إرسال من تظهر عليه علامات المرض إلى المستشفى بينما يخضع بقية الركاب لحجر ذاتي في المنزل. 

عربياً أيضاً، أعلنت الجزائر عن أول حالة إصابة مؤكدة بفيروس كورونا لزائر إيطالي. وقال وزير الصحة الجزائري عبد الرحمن بن بوزيد إن المصاب إيطالي دخل الجزائر في 17 شباط/فبراير، وقد تم الحجر عليه صحياً في ظروف مشددة.

وكتبت صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير إن الشرق الأوسط بات مهدداً باجتياح فيروس كورونا لمعظم دوله، بسبب الضوابط الحدودية القليلة والحكومات الضعيفة وأنظمة الصحة الهشة وغير الفعالة، ووصفت إيران بأنها أخطر نقطة لنقل المرض بعد الصين بسبب عدم مصداقيتها والتي تهدد أيضاً بنشر الوباء إلى معظم المنطقة. وأشارت الصحيفة إلى أن الحروب الأهلية وسنوات من الاضطرابات تسببت في تدمير النظم الصحية في العديد من الدول مثل سوريا والعراق وأفغانستان واليمن. وأبلغ بيتر بيوت، مدير مركز لندن للصحة والطب الاستوائي والمدير التنفيذي والمؤسس السابق لبرنامج الأمم المتحدة المشترك، الصحيفة إن ما تقدم "وصفة لتفشي الفيروس بشكل هائل"، لا سيما أن مئات الآلاف من الحجاج يسافرون كل عام من جميع أنحاء المنطقة لزيارة الأماكن المقدسة في إيران والعراق. 

 

 

تأثيرات اقتصادية

في رد فعل أولي على انتشار المرض إقليمياً، هوت أسعار النفط نحو أربعة في المئة يوم الاثنين، لا سيما بعد أن أجج الانتشار السريع لفيروس كورونا خارج الصين مخاوف المستثمرين حيال التداعيات على طلب الخام. كذلك، انخفضت الأسهم العالمية بعد أن قفز عدد الحالات الجديدة في إيران وإيطاليا وكوريا الجنوبية بمعدلات غير متوقعة. وأبلغ فيل فلين، المحلل لدى برايس فيوتشرز غروب في شيكاغو، وكالة "رويترز" أن "تقارير انتشار فيروس كورونا تثير مزيداً من المخاوف من تضرر الطلب.. عندما رأينا التراجع الكبير في سوق الأسهم، شرع متعاملو النفط في البيع أولاً ثم طرح الأسئلة لاحقاً". 

وقالت وكالة الطاقة الدولية إن توقعات الوكالة لنمو الطلب العالمي للنفط انخفضت لأدنى مستوياتها في عشر سنوات، وقد يتم تخفيضها أكثر بسبب تأثير انتشار فيروس كورونا. وتوقعت الوكالة أن ينكمش الطلب بمقدار 435 ألف برميل يومياً في الربع الأول، وهو أول انخفاض فصلي منذ الأزمة المالية في العام 2008. أما بالنسبة إلى العام 2020 ككل، فقد خفضت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها لنمو الطلب العالمي بمقدار 365 ألف برميل يومياً إلى 825 ألف برميل يومياً. وحتى الآن، دفع القلق من أن الفيروس سينتشر ويقوض النمو الاقتصادي النفط إلى التراجع بواقع عشرة دولارات للبرميل منذ مطلع العام، وذلك بالرغم من ضمور الإمدادات من ليبيا، وسريان اتفاق بشأن الإمدادات بين منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) وحلفائها. وقالت وزارة الطاقة السعودية إنه يجب على أوبك وحلفائها عدم التهاون حيال فيروس كورونا. 

وأثر انتشار كورونا إقليمياً على بورصات العالم بقوة. وقالت وكالة "بلومبرغ" إن أغنى أغنياء العالم خسروا 139 مليار دولار يوم الاثنين بسبب المخاوف في أسواق الأسهم من أن فيروس كورونا سيضرب الاقتصاد العالمي. وقالت الصحيفة إن تلك هي أكبر خسارة للأغنياء منذ عام 2016. وانخفضت مؤشرات الأسهم الأميركية أكثر من ثلاثة بالمئة، ويشعر المستثمرون بالقلق حيال مدى انتشار فيروس كورونا، فتشكل تدابير تفشي المرض والحجر الصحي مخاطر على اقتصاد الصين والعالم.

خسائر متفاقمة

ويبدو قطاع الطيران أبرز المتضررين حتى الآن من تفشي كورونا إقليمياً. وتشير توقعات أصدرها الاتحاد الدولي للنقل الجوي “إياتا” إلى احتمال تسجيل تراجع في مستويات الطلب على الرحلات الجوية بواقع 13 في المئة خلال العام الجاري في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وعلى عكس التوقعات الإيجابية التي كانت تشير إلى نمو شركات الطيران في المنطقة بنسبة تعادل خمسة بالمئة تقريباً، قالت إياتا إن القطاع سيشهد انكماشاً في الطلب يفوق ثمانية بالمئة طوال العام الجاري مقارنة بعام 2019، وبالتالي، ستتكبد شركات الطيران في منطقة آسيا والمحيط الهادئ خسارة كبيرة في الإيرادات بقيمة 28 مليار دولار خلال 2020. بدورها، قد تسجل شركات الطيران خارج منطقة آسيا والمحيط الهادئ خسائر بقيمة 1.5 مليار دولار، وذلك على افتراض أن تراجع مستويات الطلب سيكون مقتصراً على الأسواق المرتبطة بالصين، وبذلك سيتجاوز إجمالي الخسائر في الإيرادات العالمية 29 مليار دولار. وتستند هذه التقديرات إلى أن تأثير فيروس كورونا على مستويات الطلب سيكون مشابهاً للتأثير الذي أحدثه فيروس السارس في 2003، حيث شهد الطلب حينها انخفاضاً حاداً لمدة ستة أشهر، تلاها انتعاش مطرد بذات المستوى. 

من جانبها، أعلنت كريستالينا جورجيفا، مديرة صندوق النقد الدولي، أن فيروس كورونا سيكون له آثار سلبية على الاقتصاد العالمي حتى إذا تم احتواؤه سريعاً، وإن من الحكمة الاستعداد للمزيد من هذه التداعيات. ودعت جورجيفا إلى تنسيق الجهود لاحتواء أثر الفيروس على البشر وعلى الاقتصاد. وقالت: "قطعا نأمل في نهاية سريعة لتفشي المرض، لكن مع وضع حالة الغموض الحالية في الاعتبار، فإن من الحصافة الاستعداد لمزيد من السيناريوهات السلبية". وقالت شركة "ماستر كارد" إن من المرجح أن ينخفض صافي الإيرادات في الربع الأول بما بين اثنين وثلاثة بالمئة بسبب فيروس كورونا. وأضافت الشركة أنها تتوقع الآن أن تنمو الإيرادات بنسبة بين تسعة وعشرة بالمئة في الربع الحالي مع تأثير الفيروس على السفر والتجارة الإلكترونية عبر الحدود. وقالت شركة إصدار بطاقات الائتمان إنها تتوقع أن ينمو صافي الإيرادات على أساس سنوي في العام الجاري عند الحد الأدنى لنطاق بين 13 و19 في المئة.