تغيير القيادة في السعودي للاستثمار... بداية مرحلة جديدة؟

  • 2026-10-04
  • 09:15

تغيير القيادة في السعودي للاستثمار... بداية مرحلة جديدة؟

  • كتب فيصل أبوزكي

يشهد البنك السعودي للاستثمار تغييراً في قيادته مع تولي سلمان بن بدر الفغم منصب الرئيس التنفيذي اعتباراً من أول أكتوبر/تشرين الأول 2026، خلفاً لفيصل العمران الذي تولى المنصب منذ فبراير/شباط 2019، أي لنحو سبع سنوات وثمانية أشهر، ضمن مسيرة في البنك امتدت نحو 20 عاماً.

ولهذا التغيير أهمية تتجاوز التعاقب الإداري، لأنه يأتي بعد سلسلة خطوات شملت بيع كامل حصة البنك في “أمريكان إكسبريس السعودية” وتعزيز قاعدة رأس المال، وتشكيل مجلس إدارة جديد في مطلع عام 2025، في وقت تتغير فيه طبيعة المنافسة في القطاع المصرفي السعودي بفعل رؤية 2030 والتحول الرقمي وتغير سلوك العملاء. ومن هنا يبرز السؤال عما إذا كان تغيير القيادة يمثل بداية مرحلة جديدة للبنك، أم امتداداً لمسار قائم مع أولويات مختلفة للسنوات المقبلة. 

 ويجمع تعيين الفغم بين الاستمرارية والتغيير، إذ يأتي من داخل البنك بعد أن شغل منصب نائب الرئيس التنفيذي، مستنداً إلى خبرة تمتد لأكثر من 20 عاماً في القطاع المصرفي، شملت العمل لدى البنك المركزي السعودي ومجالات الاستثمار والخزينة وإدارة السيولة والتمويل ورأس المال والميزانية العمومية. وهذه خلفية ترتبط مباشرة بالتحديات التي تواجه البنوك اليوم، حيث أصبحت كفاءة استخدام رأس المال وتركيبة الميزانية واختيار مجالات النمو عناصر أكثر تأثيراً في العائد والقدرة التنافسية.

 وخلال فترة فيصل العمران، توسع البنك بصورة واضحة. فمن نهاية عام 2018، آخر سنة مالية قبل توليه منصب الرئيس التنفيذي في فبراير/شباط عام 2019، وحتى نهاية عام 2025، ارتفعت موجودات البنك بنحو 80 في المئة من 96.1 مليار إلى 172.7 مليار ريال، ونمت القروض والسلف بنحو 89 في المئة والودائع 72 في المئة. وفي الوقت نفسه، ارتفع صافي الربح من نحو 1.46 مليار إلى 2.43 مليار ريال، أي بنحو 67 في المئة.

 وبذلك يأتي تغيير القيادة بعد مرحلة شهدت نمواً كبيراً في حجم البنك وأعماله، ما يجعل السؤال في المرحلة المقبلة مرتبطاً بكيفية البناء على هذا التوسع وتحسين كفاءة استخدام الميزانية ورأس المال.

بيع استثمار ناجح

سبق تغيير القيادة بأقل من شهر إعلان البنك في 2 سبتمبر/أيلول عام 2026 اتفاقه على بيع كامل حصته البالغة 50 في المئة في "أمريكان إكسبريس السعودية" إلى "أميكس الشرق الأوسط"، مقابل 1.430 مليار ريال، ما يعادل نحو 381 مليون دولار، تدفع عند إتمام الصفقة، إضافة إلى مبلغ مؤجل وفق اتفاقية المساهمين.  

وتكمن أهمية الصفقة في أنها تخارج من نشاط قائم في قلب أحد أسرع أجزاء الصناعة المالية تحولاً. لذلك يصعب اختزالها في كونها مجرد عملية بيع استثمار. فهي تحرر سيولة ورأس مال يمكن إعادة توظيفهما في مجالات أخرى، وتطرح في الوقت نفسه مسألة كيفية اختيار البنك للأعمال التي يريد الاحتفاظ بها مباشرة وتلك التي يرى أن رأس المال المستخدم فيها يمكن أن يحقق عائداً أفضل في مكان آخر.

كما سبق ذلك رفع رأس المال من 12.5 مليار إلى 15 مليار ريال عبر رسملة 1.5 مليار ريال من الاحتياطي النظامي ومليار ريال من الأرباح المبقاة. وتزيد هذه الخطوة قدرة البنك على التوسع في التمويل والاستثمار، وتجعل السؤال عن تخصيص رأس المال أكثر أهمية من مجرد حجمه.

هل التغيير التنفيذي جزء من مرحلة أوسع؟

وتأخذ هذه القرارات بعداً إضافياً عند وضعها في سياق الحوكمة. فقد انتخبت الجمعية العامة في 12 فبراير/شباط عام 2025 مجلس الإدارة الحالي لدورة بدأت في 14 فبراير/شباط من العام نفسه وتستمر ثلاث سنوات حتى 13 فبراير/شباط عام 2028. وبعد أيام اختار المجلس عبداللطيف السيف رئيساً ومحمد الخليل نائباً للرئيس.

وبالتالي جاء تغيير الرئيس التنفيذي بعد نحو عام وسبعة أشهر من بدء دورة المجلس الحالية. وخلال هذه الفترة برزت خطوات تتعلق برأس المال والاستثمارات، ثم جاء التخارج من “أمريكان إكسبريس السعودية”، قبل الانتقال إلى القيادة التنفيذية الجديدة.

 وهنا يطرح تسلسل القرارات سؤالاً حول ما إذا كان تغيير القيادة مجرد انتقال تنفيذي بعد فترة طويلة قضاها العمران على رأس البنك، أم أنه يشكل حلقة أخرى في مرحلة بدأ خلالها مجلس الإدارة الحالي بإعادة ترتيب بعض الاستثمارات ورأس المال وتحديد أولويات النمو للسنوات المقبلة؟

وحتى الآن، لا توجد إشارة معلنة إلى تحول شامل في استراتيجية البنك. لكن تتابع هذه القرارات، إلى جانب تولي قيادة جديدة تتمتع بخبرة تتركز في إدارة السيولة ورأس المال والميزانية العمومية، يفتح المجال أمام قراءة التغيير ضمن سياق أوسع من مجرد التعاقب التنفيذي.

سوق مصرفية مختلفة

 تحدث هذه التغييرات فيما تبدلت البيئة المصرفية السعودية بصورة كبيرة خلال العقد الماضي. فقد دفعت رؤية 2030 نحو توسع القطاع المالي والتمويل والاستثمار، بينما غيرت التكنولوجيا طريقة تعامل العملاء مع البنوك ومصادر المنافسة داخل السوق، مع صعود شركات التقنية المالية وانتقال المصرفية المفتوحة إلى مرحلة أكثر تقدماً من التطبيق.

وتعني هذه التحولات أن المنافسة لم تعد تدور حول حجم الودائع والقروض وشبكة الفروع. فقد أصبحت التجربة الرقمية والبيانات والمدفوعات وسرعة تطوير المنتجات وكلفة الخدمة جزءاً أساسياً من قدرة البنك على جذب العميل والاحتفاظ به.

ويضاف إلى ذلك تغير ديمغرافي يدعم هذا الاتجاه. فقاعدة العملاء الشابة ومرتفعة الاستخدام للتقنيات الرقمية تدفع العلاقة المصرفية بصورة متزايدة نحو الهاتف المحمول والمنصات الرقمية. وفي الوقت نفسه توسعت فرص التمويل أمام البنوك مع نمو الاستثمار ومشاريع رؤية 2030 في قطاعات متنامية مثل الإسكان والصناعة والسياحة والخدمات اللوجستية والمنشآت الصغيرة والمتوسطة.

مرحلة اختبار لاختيار مجالات النمو

من هنا تبدو مهمة القيادة الجديدة أوسع من إدارة النمو التقليدي للميزانية. فالبنك يدخل المرحلة المقبلة بقاعدة رأسمالية أكبر، وموارد إضافية محتملة من التخارج من "أمريكان إكسبريس السعودية"، بينما تتعدد أمامه مجالات التوسع ويشتد التنافس على العملاء والتمويل والخدمات الرقمية.

ولهذا ستكون القضية الأساسية أمام الفغم مرتبطة بكيفية توزيع رأس المال بين التمويل التقليدي، وتمويل الشركات والمشاريع، والخدمات الرقمية، والمدفوعات وغيرها من مجالات النمو، وبالقدرة على تحويل هذا التوسع إلى عوائد أعلى وكفاءة أفضل للميزانية.

تغيير القيادة هو الحدث الظاهر، لكن توقيته وتسلسل القرارات التي سبقته يجعلان أهميته أكبر. فالسؤال في المرحلة الجديدة يتعلق بمن يقود البنك وبالموقع الذي يريد "السعودي للاستثمار" أن يحتله داخل صناعة مصرفية سعودية تغيرت قواعدها بصورة عميقة خلال السنوات الأخيرة.