فولكسفاغن.. معركة إنقاذ بـ 100 ألف وظيفة
فولكسفاغن.. معركة إنقاذ بـ 100 ألف وظيفة
أكبر شركة سيارات في أوروبا تعيد هيكلة أعمالها لمواجهة المنافسة الصينية وارتفاع التكاليف والتحول الكهربائي والرسوم الأميركية
-
الاقتصاد والأعمال
القرار الذي اتخذه مجلس الإشراف في مجموعة "فولكسفاغن" الألمانية في 3 سبتمبر 2026 بالموافقة على خطة Future Plan 2030 يؤكد أن الشركة تتعامل مع مشكلة عميقة: نموذج صناعي ضخم ومكلف يحتاج إلى إعادة بناء حتى يتمكن من المنافسة في سوق تتغير قواعدها بسرعة.
الخطة تتضمن خفضاً إضافياً بنحو 50 ألف وظيفة، فوق برنامج الخفض السابق البالغ نحو 50 ألف وظيفة، إلى جانب إعادة النظر في مستقبل أربعة مصانع ألمانية، وتقليص عدد الطرازات والتعقيد الإداري والصناعي. وفي المقابل، لا تتجه فولكسفاغن إلى الانكماش فقط، بل تستهدف الوصول إلى نحو 9 ملايين سيارة سنوياً وهامش تشغيل يبلغ 9 في المئة بحلول 2030. وهنا تكمن المفارقة: "فولكسفاغن" لا تعاني من نقص في الحجم، بل من أن الحجم نفسه أصبح أكثر تكلفة وأقل قدرة على توليد الأرباح مما كان عليه في الماضي.
أرباح أقل من نصف ما كانت عليه
تظهر الأرقام المالية حجم التحول بوضوح. في عام 2025 حققت مجموعة "فولكسفاغن" إيرادات بلغت 321.9 مليار يورو، مقابل 324.7 ملياراً في 2024، بينما وصلت عمليات التسليم إلى نحو 8.984 ملايين سيارة، وحافظت تقريباً على حجم مبيعاتها. لكن الربح التشغيلي انهار إلى 8.9 مليارات يورو، مقارنة بـ 19.1 مليار يورو في العام السابق، وهبط هامش التشغيل إلى 2.8 في المئة من 5.9 في المئة.
ولا تعكس هذه الأرقام كلها تدهوراً تشغيلياً عادياً. فقد تأثر ربح العام 2025 بنحو 4.7 مليارات يورو من انخفاضات القيمة ومصاريف مرتبطة بإعادة تخطيط منتجات بورشه، إلى جانب أثر الرسوم الأميركية وعوامل أخرى. ولذلك من الخطأ تفسير الانخفاض البالغ 53 في المئة في الربح باعتباره ناتجاً بالكامل عن تراجع تنافسية المنتجات.
لكن حتى بعد استبعاد بعض البنود الاستثنائية، تبقى المشكلة واضحة: هوامش الربح أصبحت ضعيفة مقارنة بضخامة رأس المال والقاعدة الصناعية التي تديرها المجموعة.
وفي النصف الأول من عام 2026 استمر الضغط، وبلغت الإيرادات 158.1 مليار يورو، بانخفاض طفيف جداً عن الفترة نفسها من عام 2025، لكن الربح التشغيلي تراجع 11.6 في المئة إلى 5.9 مليارات يورو، وانخفضت مبيعات السيارات إلى 3.997 ملايين سيارة، بتراجع 8.4 في المئة، فيما بلغ هامش التشغيل 3.8 في المئة.
واللافت أن "فولكسفاغن" أبقت على توقعاتها لهامش تشغيل يتراوح بين 4 في المئة و5.5 في المئة للعام 2026، ما يعني أنها تراهن على تحسن النصف الثاني، لكنها لا تزال تعمل بعيداً جداً عن هدف 9 في المئة الذي وضعته لعام 2030.
المشكلة ليست في بيع السيارات فقط.. بل في تكلفة إنتاجها
"فولكسفاغن" بنت قوتها التاريخية على اقتصاديات الحجم. المجموعة تجمع العلامات: "فولكسفاغن"، "أودي"، "سكودا"، "سيات"، "كوبرا"، "بورشه"، "لامبورغيني"، و"بنتلي"، إضافة إلى قطاع المركبات التجارية والخدمات المالية.
هذا الحجم يمنحها قوة هائلة في المشتريات والتطوير والإنتاج، لكنه خلق أيضاً شبكة شديدة التعقيد من المنصات والطرازات والمصانع والهياكل الإدارية.
وفي عصر محركات الاحتراق الداخلي، كان هذا التعقيد أسهل في الإدارة نسبياً. أما اليوم، فقد أصبحت السيارة مزيجاً من البطارية، الإلكترونيات، البرمجيات، الاتصال، الأنظمة المساعدة والذكاء الاصطناعي. وهذا يعني أن سرعة اتخاذ القرار والتطوير أصبحت جزءاً من القدرة التنافسية نفسها.
لذلك لا تركز خطة "فولكسفاغن" الجديدة على العمالة وحدها. الشركة تستهدف تقليص عدد الطرازات بنحو 50 في المئة وتقليل تعقيد المنتجات بنحو 75 في المئة بحلول عام 2035، مع تبسيط الهياكل وتسريع القرارات.
اقتصادياً، الهدف واضح: بدلاً من توزيع تكاليف التطوير والإنتاج على عدد هائل من النسخ والطرازات، تريد الشركة تركيز الموارد على منتجات ذات أحجام إنتاج أكبر وهوامش أفضل.
الصين.. من محرك للنمو إلى مركز للأزمة
الصين ربما هي أهم اختبار للتحول الذي تواجهه "فولكسفاغن".
كانت السوق الصينية لعقود من أهم مصادر نمو المجموعة، وكانت "فولكسفاغن" من أقوى العلامات الأجنبية فيها. لكن المنافسة تغيرت جذرياً مع صعود الشركات الصينية، خصوصاً في السيارات الكهربائية.
في عام 2025 انخفضت تسليمات "فولكسفاغن" في الصين بنحو 8 في المئة، بينما تراجعت مبيعات السيارات الكهربائية بالكامل للمجموعة هناك بنسبة 44.3 في المئة إلى 115,453 سيارة، بحسب بيانات المجموعة.
المشكلة ليست في حجم السوق الصيني فقط، وإنما في طبيعة المنافسة
الشركات الصينية أصبحت تمتلك مزايا في البطاريات وسرعة تطوير المنتجات والتكامل الإلكتروني والبرمجيات، وتقدم سيارات تتغير خصائصها الرقمية بوتيرة أسرع بكثير مما اعتادت عليه شركات السيارات التقليدية.
وهنا اضطرت "فولكسفاغن" إلى تغيير فلسفتها من منتج عالمي يتم تكييفه للأسواق المحلية إلى نموذج "في الصين، من أجل الصين".
وتأتي شراكتها مع XPeng في قلب هذا التحول. فقد تمكنت "فولكسفاغن" و XPeng من تطوير بنية إلكترونية محلية خلال نحو 18 شهراً، كما بدأ أول طراز تم تطويره ضمن التعاون بين الطرفين في الخروج من خطوط الإنتاج في عام 2026. وتخطط المجموعة لإطلاق أكثر من 20 طرازاً جديداً من سيارات الطاقة الجديدة في الصين خلال العام.

هذه ليست مجرد شراكة تقنية؛ إنها اعتراف بأن سرعة التطوير أصبحت عاملاً تنافسياً لا تستطيع "فولكسفاغن" الاعتماد فيه على قدراتها الداخلية وحدها.
السيارات الكهربائية: تقدم حقيقي، لكن.....
من الظلم القول إن "فولكسفاغن" فشلت في التحول الكهربائي، فقد باعت المجموعة في عام 2025 نحو 983 ألف سيارة كهربائية بالكامل، بزيادة تقارب الثلث عن العام السابق، كما سجلت السيارات الكهربائية نمواً قوياً في أوروبا.
وفي النصف الأول من عام 2026، ظهرت مؤشرات إضافية على تحسن الطلب في أوروبا، إذ ارتفع دفتر طلبات السيارات الكهربائية بأكثر من 50 في المئة، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. لكن نمو الطلب لا يحل مشكلة الربحية تلقائياً، فـ "فولكسفاغن" تحتاج إلى مواصلة الإنفاق على البطاريات والمنصات الكهربائية والبرمجيات وإعادة تجهيز المصانع، في وقت تواجه فيه أسعار السيارات ضغوطاً تنافسية متزايدة.

وهنا تكمن المفارقة: الشركة تحتاج إلى الاستثمار بكثافة في المستقبل، في الوقت الذي تتعرض فيه هوامش أرباحها للضغط.
التحول الكهربائي لن يحل مشكلة الربحية تلقائياً
"فولكسفاغن" تحتاج إلى تمويل البطاريات والمنصات الكهربائية والبرمجيات وإعادة تجهيز المصانع، بينما تواجه في الوقت نفسه ضغطاً على الأسعار من منافسين أكثر مرونة في بعض الأسواق.
وهذا يضعها أمام معادلة صعبة: الاستثمار في المستقبل يتطلب رأس مال ضخماً، بينما انخفاض الهوامش يقلل العائد المتاح لتمويل هذا الاستثمار.
أوروبا.. سوق يتغير وقاعدة إنتاج تفقد بعض مزاياها
أزمة "فولكسفاغن" هي جزء من أزمة أوسع في صناعة السيارات الأوروبية.
في عام 2025 ارتفعت تسجيلات السيارات الجديدة في الاتحاد الأوروبي بنسبة 1.8 في المئة، لكن تركيبة السوق تغيرت بسرعة. فقد ارتفعت حصة السيارات الكهربائية بالكامل إلى 17.4 في المئة من السوق، مقابل 13.6 في المئة في عام 2024، بينما وصلت السيارات الهجينة إلى 34.5 في المئة، وانخفضت حصة البنزين والديزل مجتمعين إلى 35.5 في المئة.
إذن المشكلة ليست انهيار الطلب الأوروبي بقدر ما هي تحول في نوع الطلب، بالتزامن مع تغير خريطة المنافسة العالمية.
أوروبا تريد الانتقال إلى السيارات الكهربائية، لكنها تدخل هذا التحول بقاعدة صناعية ذات تكاليف مرتفعة نسبياً، خصوصاً في الطاقة والعمالة، في حين أصبحت الصين مركزاً رئيسياً لإنتاج البطاريات والسيارات الكهربائية ومكونات سلسلة التوريد.
ولهذا فإن السيارات الصينية لا تمثل فقط منافسة على حصة السوق؛ إنها تضغط على اقتصاديات التصنيع الأوروبية نفسها.
ألمانيا.. عندما تصبح المصانع عبئاً
تُعد عملية الإنتاج في ألمانيا أكثر جوانب الأزمة حساسية سياسياً. في ديسمبر 2024 اتفقت "فولكسفاغن" وممثلو العاملين على خفض أكثر من 35 ألف وظيفة في المواقع الألمانية بحلول عام 2030 وتقليص الطاقة الإنتاجية الألمانية بنحو 734 ألف سيارة. وبحلول عام 2025 كانت المجموعة قد أعلنت تحقيق وفورات بنحو مليار يورو، مع استهداف وفورات سنوية صافية تتجاوز 6 مليارات يورو على مستوى المجموعة بحلول عام 2030.
لكن هذه الإجراءات لم تكن كافية، وفي 3 سبتمبر 2026 أقر مجلس الإشراف الخطة الجديدة التي تتضمن 50 ألف وظيفة إضافية، ما يرفع إجمالي الخفض المستهدف إلى نحو 100 ألف وظيفة عند جمع البرنامجين. كما أصبح مستقبل أربعة مصانع ألمانية: إمدن، هانوفر، تسفيكاو ونيكارسولم، موضع إعادة تقييم، بعدما أشارت الشركة إلى أن الطاقة الإنتاجية الأوروبية تتجاوز الطلب بأكثر من 500 ألف سيارة، وأن تخصيص إنتاج تنافسي لهذه المواقع بعد انتهاء بعض البرامج الحالية لم يعد مضموناً.
وهنا ينبغي الانتباه إلى نقطة مهمة: "فولكسفاغن" لم تعلن ببساطة إغلاق المصانع الأربعة. القضية هي أن إنتاج بعض الطرازات سينتهي، وستبحث الشركة عن خيارات مستقبلية لهذه المواقع.
اقتصادياً، الهدف هو خفض نقطة التعادل: أي جعل الشركة قادرة على تحقيق الأرباح حتى لو باعت عدداً أقل من السيارات.
100 ألف وظيفة... علاج ضروري أم مخاطرة؟
قد يبدو خفض العمالة الحل الأبسط لمشكلة التكاليف، لكنه ليس كذلك. "فولكسفاغن” تحتاج فعلاً إلى خفض تكاليفها، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى مهندسين ومطورين وخبراء برمجيات وبطاريات وإلكترونيات. وبالتالي فإن السؤال ليس فقط: كم وظيفة ستختفي؟
السؤال الأهم هو: أي وظائف ستختفي، وأي قدرات ستبقى؟
إذا أدى خفض العمالة إلى إزالة البيروقراطية والهياكل المتكررة وتسريع القرارات، فقد يكون له أثر إيجابي على الإنتاجية.
أما إذا تحول إلى تقليص واسع للخبرات التي تحتاجها الشركة في البرمجيات والبطاريات والذكاء الاصطناعي، فقد تحقق "فولكسفاغن" وفورات قصيرة الأجل على حساب قدرتها التكنولوجية طويلة الأجل.
ولهذا فإن اتفاق سبتمبر مهم أيضاً من زاوية الحوكمة. فقد تجنبت الإدارة مواجهة مباشرة مع النقابات وولاية سكسونيا، وانتهت المفاوضات إلى موافقة بالإجماع على الخطة. وكان ذلك ضرورياً لتجنب صراع مؤسسي كان يمكن أن يعطل عملية إعادة الهيكلة.
الرسوم الأميركية تضيف مشكلة جديدة
لم تعد المنافسة الصناعية وحدها هي المشكلة. في عام 2025 تحملت "فولكسفاغن" نحو 2.9 مليار يورو من المصروفات الإضافية المرتبطة بالرسوم الأميركية، ما زاد الضغط على هوامش المجموعة. وفي الوقت نفسه، أصبحت قرارات الإنتاج أكثر ارتباطاً بالسياسة التجارية، لأن إنتاج السيارة في دولة معينة ثم تصديرها إلى دولة أخرى لم يعد قراراً اقتصادياً فقط. وهذا يفرض على "فولكسفاغن" إعادة التفكير في خريطة إنتاجها العالمية، فالشركة تحتاج إلى تصنيع المزيد بالقرب من الأسواق الرئيسية، وتقليل تعرضها للرسوم، مع الحفاظ في الوقت نفسه على وفورات الحجم. وهذا أكثر تعقيداً بالنسبة لشركة لديها شبكة إنتاج عالمية بهذا الحجم.
البرمجيات.. الجبهة التي لا يمكن خسارتها
كانت مشاكل "كارياد" (CARIAD) من أبرز مظاهر الصعوبة التي واجهتها "فولكسفاغن" في الانتقال من السيارة التقليدية إلى السيارة البرمجية.
لكن الشركة بدأت في إعادة هيكلة نشاط البرمجيات وجعله أكثر رشاقة، بالتزامن مع الاعتماد على شراكات خارجية.
فقد بدأت في عام 2024 مشروعاً مشتركاً مع "ريفيان" (Rivian) لتطوير بنية إلكترونية وبرمجية للجيل المقبل من السيارات المعرفة بالبرمجيات، وتخطط "فولكسفاغن" لاستخدام هذه التكنولوجيا في سيارات مستقبلية. ويضم المشروع أكثر من 1,500 موظف، واستكمل اختبارات شتوية مهمة في 2026.

وتخطط المجموعة لاستثمار ما يصل إلى 5.8 مليارات دولار في "ريفيان" والمشروع المشترك بحلول يناير 2028.
المغزى هنا يتجاوز "ريفيان" أو XPeng. "فولكسفاغن" تتبنى نموذجاً جديداً في تطوير التكنولوجيا: الاحتفاظ بالسيطرة على المنتج والعلامة، مع الاستفادة من شركاء أسرع في المجالات التي تغيرت فيها قواعد المنافسة.
خطة 2030: تقليص الشركة لتمويل مستقبلها
تبدو خطة Future Plan 2030 للوهلة الأولى خطة تقشف، لكنها في الحقيقة أوسع من ذلك. تستهدف "فولكسفاغن" الوصول إلى نحو 9 ملايين سيارة سنوياً وهامش تشغيل 9 في المئة بحلول عام 2030، مع خفض التعقيد والطاقة الإنتاجية غير التنافسية، وإعادة تشكيل المحفظة. وفي الوقت نفسه تخطط المجموعة لنحو 135 مليار يورو من الاستثمارات والبحث والتطوير خلال الفترة 2027-2031.
وهذا يكشف جوهر الخطة. "فولكسفاغن" لا تريد تقليص الاستثمار للخروج من الأزمة؛ بل تريد خفض تكلفة المؤسسة حتى تتمكن من مواصلة الاستثمار.
وهنا تصبح نسبة الـ 9 في المئة أكثر أهمية من رقم الوظائف.
فإذا وصلت المجموعة فعلاً إلى هامش 9 في المئة، فإن إيرادات قريبة من مستوياتها الحالية يمكن أن تولد ربحاً تشغيلياً يتجاوز 29 مليار يورو، مقابل 8.9 مليارات فقط في عام 2025.
لكن الانتقال من 2.8 في المئة إلى 9 في المئة في نحو خمس سنوات ليس تحسيناً هامشياً؛ إنه تغيير جوهري في اقتصاديات المجموعة.
لماذا ارتفع سهم فولكسفاغن بعد الخطة؟
استقبل المستثمرون الإعلان بإيجابية. ارتفع سهم "فولكسفاغن" بقوة في 4 سبتمبر، وسجل نحو 5.9 في المئة عند إغلاق اليوم، بعد أن رأى السوق أن الإدارة تمكنت أخيراً من تجاوز مواجهة كانت تهدد بتعطيل عملية إعادة الهيكلة.
لكن ارتفاع السهم لا يعني أن الأزمة انتهت. السوق كافأ اتخاذ القرار، وليس نجاح الخطة بعد.
فالمرحلة الأصعب تبدأ الآن: تنفيذ التخفيضات، إعادة توزيع الإنتاج، تحديد مستقبل المصانع، تقليص البيروقراطية، إطلاق المنتجات الجديدة، وتحسين هوامش الربح في بيئة ما زالت شديدة التنافس.
ولهذا فإن رد فعل السوق يمكن قراءته باعتباره رسالة واضحة: المستثمرون كانوا يريدون من "فولكسفاغن" أن تتحرك، لكنهم سيحكمون لاحقاً على قدرتها على التنفيذ.
الاختبار الحقيقي ليس عدد السيارات.. بل تكلفة السيارة
تاريخياً، كان السؤال الرئيسي في صناعة السيارات هو: كم سيارة تستطيع الشركة بيعها؟
أما في المرحلة الجديدة، فقد أصبح السؤال أكثر تعقيداً: كم تكلف السيارة؟ وكم يستغرق تطويرها؟ وما هو حجم الاستثمار المطلوب لإنتاجها؟ وما مقدار الربح الذي تتركه؟
وهذا تحديداً هو التحدي الذي تواجهه "فولكسفاغن". فهي لا تحتاج بالضرورة إلى بيع أكثر من 9 ملايين سيارة حتى تنجح. ربما يكون النجاح الحقيقي في أن تحقق ربحاً أعلى من عدد سيارات مماثل، باستخدام مصانع أقل تعقيداً، ومنصات أكثر توحيداً، وبرمجيات أكثر كفاءة، وسلاسل توريد أكثر مرونة.
إذا نجحت في ذلك، يمكن أن يتحول حجم المجموعة مرة أخرى إلى ميزة تنافسية. أما إذا بقيت تبيع ملايين السيارات بهوامش منخفضة، بينما تنفق مليارات إضافية على التحول الكهربائي والبرمجيات والبطاريات، فإن الحجم سيصبح عبئاً على رأس المال بدلاً من أن يكون مصدراً للقوة.
الخلاصة.. "فولكسفاغن" لا تنقذ الماضي بل تحاول شراء وقت للمستقبل
ما يحدث في "فولكسفاغن" أكبر من مجرد أزمة أرباح. فالشركة تواجه في الوقت نفسه صعود الصين كمنافس رئيسي في صناعة السيارات، والتحول من محركات الاحتراق إلى السيارات الكهربائية، وانتقال جزء متزايد من القيمة إلى البطاريات والبرمجيات والإلكترونيات، وارتفاع تكاليف الإنتاج في أوروبا، وفائض الطاقة الإنتاجية، وتصاعد الرسوم والحواجز التجارية، فضلاً عن تعقيد صناعي وإداري تراكم على مدى عقود. ولهذا جاءت خطة 2030 قاسية: 50 ألف وظيفة إضافية، فوق 50 ألفاً سابقة، إعادة تقييم مصانع ألمانية، تقليص الطرازات، وتبسيط المؤسسة.
لكن هذه الإجراءات ليست هدفاً بحد ذاتها
الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت "فولكسفاغن" ستستخدم خفض التكلفة لتحرير الموارد وتسريع الابتكار، أم ستكتفي بتقليص حجمها.
فالسيارة الكهربائية الصينية لا تهدد "فولكسفاغن" لأنها كهربائية فقط، والسيارة الحديثة لا تهددها لأنها مزودة بشاشة أكبر. التهديد الحقيقي هو أن المنافسين الجدد أصبحوا قادرين على التطوير والإنتاج والتحديث بسرعة أكبر وبتكلفة أقل.
وهنا تكمن أهمية "فولكسفاغن" بالنسبة لأوروبا كلها. إذا استطاعت الشركة تحويل قاعدتها الصناعية الضخمة إلى مؤسسة أكثر رشاقة، وتحسين هوامشها، واستعادة قدرتها التكنولوجية في البرمجيات والسيارات الكهربائية، فقد تثبت أن الصناعة الأوروبية قادرة على التكيف مع المرحلة الجديدة. أما إذا نجحت في خفض الوظائف والمصانع دون أن تخفض تكلفة السيارة وتسرّع تطويرها وتستعيد قدرتها التنافسية في الصين، فقد تصبح أصغر حجماً من دون أن تصبح أقوى.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية لـ "فولكسفاغن" حتى 2030 ليست على عدد السيارات التي ستنتجها، وإنما على اقتصاديات السيارة نفسها.
الأكثر قراءة
-
أكاديمية أبوظبي العالمي... الكفاءات قبل رأس المال
-
أحمد رواد رمضان يقود هيئة الاستثمار في مرحلة استقطاب رؤوس الأموال لإعادة الإعمار
-
الشركات السعودية تعيد شراء أسهمها مع تطور السوق والحوكمة
-
حوكمة كهرباء لبنان... مفتاح الاستثمار والتعافي
-
بنك HSBC للخدمات المصرفية الخاصة يعيّن فراس الجرماني رئيساً لسوق الإمارات

