"سلال" في سوريا: الزراعة تدخل خريطة الاستثمار الإماراتي

  • 2026-06-24
  • 09:14

"سلال" في سوريا: الزراعة تدخل خريطة الاستثمار الإماراتي

يفتح اهتمام مجموعة "سلال" الإماراتية بالاستثمار الزراعي في سوريا نافذة جديدة على طبيعة الحضور الاقتصادي الإماراتي المتنامي في سوريا. فاللقاء الذي جمع وزير الزراعة السوري، أمجد بدر، مع وفد المجموعة تضمن بحث الفرص الزراعية وحمل إشارات إلى انتقال الاهتمام الإماراتي من التجارة والبنية التحتية واللوجستيات إلى قطاع يمسّ الأمن الغذائي، والتنمية الريفية، وتنشيط الزراعة السورية ضمن منظومة إنتاج وتصدير أكثر تنظيماً.

يكتسب خبر هذه الزيارة أهميته من التفاصيل العملية التي تضمنها. فقد جرى البحث في فرص الاستثمار الزراعي في محافظات دير الزور وحمص والرقة وطرطوس واللاذقية، وهي مناطق تجمع بين تنوع مناخي وزراعي واضح. كما طُرح توقيع اتفاقيتين ضمن فعاليات معرض "فود إكسبو 2026" في دمشق، الأولى تتعلق باستثمار زراعي طويل الأمد، والثانية بتصدير 3000 طن من محصول البطاطا كدفعة أولى عبر شركة البكراوي. وتطرق النقاش أيضاً إلى إمكان تطوير زراعات جديدة مثل الأفوكادو والكيوي في بعض المناطق السورية المناسبة.

من دفعة بطاطا إلى اختبار للتصدير

قد تبدو صفقة تصدير 3000 طن من البطاطا محدودة في حجمها، لكنها تحمل دلالة أوسع من الرقم نفسه. فهي تمثل اختباراً عملياً لقدرة الزراعة السورية على العودة إلى الأسواق الخارجية عبر منتج قابل للتسويق، يحتاج إلى جودة مستقرة، وفرز، وتوضيب، ونقل، ومطابقة للمعايير الصحية.

ويمكن لنجاح هذه الخطوة أن يفتح الباب أمام منتجات أخرى، وأن يحول العلاقة بين المستثمرين الإماراتيين والمزارعين السوريين من عمليات شراء موسمية إلى عقود إنتاج منتظمة.

هنا تظهر أهمية "سلال" تحديداً. فالشركة تتحرك من داخل منظومة إماراتية تولي الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد أهمية متزايدة. والزراعة الحديثة لم تعد تبدأ من الحقل وتنتهي عند الحصاد. هي شبكة تشمل البذور، التقنيات، إدارة المياه، التخزين، التبريد، النقل، التمويل، ثم الوصول إلى السوق. لذلك يمكن لأي استثمار زراعي إماراتي في سوريا أن يتوسع لاحقاً نحو حلقات ما بعد الإنتاج، حيث تكمن القيمة المضافة الأكبر.

الإمارات توسع خريطة اهتمامها السوري

يأتي هذا التطور بعد أسابيع من انعقاد المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي الأول في دمشق، وما رافقه من نقاشات حول التجارة، الاستثمار، الخدمات المالية، السياحة، العقارات، الطاقة، الطيران، اللوجستيات، الأمن الغذائي والزراعة. كما جاء بعد اتفاقات ومباحثات إماراتية في قطاعات حيوية، أبرزها اتفاق موانئ دبي العالمية لتطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية في ميناء طرطوس.

هذا الترابط مهم. فالاستثمار في المرافئ لا يكتمل من دون حركة تجارية وصادرات. والاستثمار في الزراعة لا ينجح من دون طرق ومرافئ وتبريد ومعايير شحن. وبين طرطوس واللاذقية ومناطق الإنتاج في الداخل السوري يمكن أن تتشكل خلال السنوات المقبلة شبكة جديدة تربط الأرض بالمرفأ، والمزارع بالمستهلك، والسوق السورية بالأسواق الخليجية والعربية.

الزراعة بوابة سياسية واقتصادية

يحمل اختيار الزراعة كباب للاستثمار بعداً سياسياً واقتصادياً في آن واحد. سياسياً، يعكس تقدماً في مسار الانفتاح العربي على سوريا، وانتقال العلاقة من لغة التواصل الدبلوماسي إلى لغة المشاريع. واقتصادياً، يضع سوريا أمام فرصة جذب استثمارات في قطاع واسع التشغيل، سريع الأثر، وقادر على تحريك الريف والقرى والعمالة الزراعية وسلاسل النقل والتجارة.

تملك الزراعة السورية ذاكرة إنتاجية قوية. قبل سنوات الحرب كانت سوريا من الدول العربية ذات الحضور الزراعي الواضح في الحبوب، الزيتون، الحمضيات، الخضروات، القطن، والفستق الحلبي.

لا تكفي هذه الذاكرة وحدها لاستعادة الدور السابق، لكنها توفر قاعدة يمكن البناء عليها إذا توافرت الاستثمارات، والبنية التحتية، والاستقرار، والإدارة الحديثة للموارد.

شروط تحويل الاهتمام إلى مشاريع

يحتاج نجاح هذا المسار إلى وضوح كبير في العقود والمساحات والملكية وحقوق المستثمرين والمزارعين. الاستثمار الزراعي طويل الأمد حساس بطبيعته، لأنه يرتبط بالأرض والمياه والمجتمعات المحلية. لذلك فإن أي مشروع ناجح يجب أن يحفظ حق الدولة، ويضمن مصلحة المزارع، ويمنح المستثمر رؤية واضحة للعائد والمخاطر.

كما يحتاج هذا النوع من الاستثمار إلى معالجة ملفات عملية، مثل الري، الكهرباء، الطرق، المختبرات، شهادات الجودة، سلاسل التبريد، التأمين، والتحويلات المالية. ومن دون هذه العناصر، ستبقى الزراعة محكومة بإنتاج موسمي محدود، ولن تتحول إلى قطاع تصديري منتظم.

اختبار مبكر لمسار أوسع

يمكن أن يتحول اهتمام "سلال" بسوريا إلى مؤشر مبكر على مرحلة جديدة في العلاقة الاقتصادية السورية الإماراتية. فالإمارات تملك خبرة في إدارة المرافئ واللوجستيات والتجارة وسلاسل الغذاء. وسوريا تملك أرضاً زراعية، تنوعاً مناخياً، وموقعاً يسمح لها بخدمة أسواق قريبة. الجمع بين هذين العنصرين يمكن أن يخلق نموذجاً جديداً للاستثمار العربي في سوريا.

الرهان الحقيقي يبدأ بعد توقيع الاتفاقات. فإذا تحولت الدفعة الأولى من البطاطا إلى مسار تصديري مستمر، وإذا تطور الاستثمار الطويل الأمد إلى مشاريع واضحة في المحافظات، يمكن للزراعة أن تصبح واحدة من بوابات عودة سوريا إلى الاقتصاد العربي، وواحدة من أكثر القطاعات قدرة على تحويل الانفتاح السياسي إلى أثر اقتصادي مباشر.