تسعير المخاطر في زمن الحرب
تسعير المخاطر في زمن الحرب
واختبار صلابة الاقتصادات الخليجية
-
أولاً- الاقتصاد والأعمال
في توقيت تتقاطع فيه اعتبارات الاستقرار المالي مع تطورات الحرب في المنطقة، يأتي التقرير الصادر عن المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات (ضمان) ليقدم قراءة دقيقة عن كيفية تفاعل مؤشرات المخاطر السيادية مع التصعيد العسكري، وليكشف في الوقت نفسه عن حقيقة لافتة مفادها أن ارتفاع سريع في تقييم المخاطر خلال ذروة الأحداث، يقابله ثبات نسبي في الأسس المالية والتصنيفية، خصوصاً في دول الخليج.
صدمة سريعة في المخاطر… واستجابة محسوبة من الأسواق
يشير التقرير إلى أن اندلاع الحرب في نهاية فبراير 2026 أدى إلى ارتفاع تقييمات المخاطر السياسية في المنطقة خلال مارس، استناداً إلى بيانات مؤشر PRS الصادر عن PRS Group، وهو من أبرز المؤشرات العالمية التي تقيس مخاطر الدول عبر نموذج مركب يشمل الأبعاد السياسية والاقتصادية والمالية ضمن إطار International .Country Risk Guide (ICRG)
يُستخدم هذا المؤشر على نطاق واسع من قبل المستثمرين والمؤسسات المالية لتقييم درجة المخاطر في كل دولة، حيث يعكس مستوى الاستقرار السياسي، متانة الاقتصاد، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. لذلك، فإن ارتفاعه خلال مارس يعكس إعادة تسعير سريعة للمخاطر السياسية المرتبطة بالحرب، وليس بالضرورة تدهوراً في الأسس الاقتصادية.
اللافت أن هذه القفزة بدت أقرب إلى تعديل فوري في تقييم المخاطر منها إلى تحول هيكلي في نظرة الأسواق، وهو ما يفسر التوقعات بعودة المؤشرات إلى مستوياتها السابقة مع تثبيت الهدنة وإعادة فتح مضيق هرمز.
قوة امتصاص الصدمات تتفوق على أثر الحرب
أحد أهم استنتاجات التقرير هو أن التصنيفات السيادية لدول الخليج لم تتأثر بشكل كبير. وتحمل هذه النتيجة دلالات عميقة تتجاوز مجرد الاستقرار الظاهري، وتعكس مجموعة من العوامل المتداخلة.
يتمثل أول هذه العوامل في الهوامش المالية القوية، سواء من حيث الاحتياطات أو مستويات الدين، ما يمنح هذه الدول قدرة واضحة على امتصاص الصدمات قصيرة الأجل، كما إن استمرار تدفق الإيرادات النفطية لبعض الدول وعدم تعرض البنية التحتية للطاقة لأضرار كبيرة شكّلا عاملاً حاسماً في الحفاظ على ثقة الأسواق.
إلى جانب ذلك، تبرز ثقة المستثمرين في قدرة الحكومات والمؤسسات النقدية على إدارة الأزمات، وهي ثقة ترسخت عبر تجارب سابقة، وتدعمها أدوات تدخل فعالة لضمان السيولة واستمرار التمويل.
في سياق الحرب، هذا يعني أن المستثمرين ميزوا بين مخاطر الحدث ومخاطر المعطيات الجوهرية، واختاروا عدم المبالغة في رد الفعل.
تحسن 2025… قاعدة صلبة قبل الصدمة
يلفت التقرير إلى أن العام 2025 شهد تحسناً عاماً في مؤشرات المخاطر والتصنيفات في الدول العربية، وهو ما وفر قاعدة صلبة لامتصاص صدمة 2026.
كانت الدول التي دخلت هذه المرحلة وهي في مسار إصلاحي وتحسن تصنيفي، أكثر قدرة على احتواء أثر الحرب. فقد سجلت السعودية وسلطنة عمان ومصر والمغرب وتونس تحسناً في تصنيفاتها، فيما حافظت دول أخرى عدة على استقرارها.
يوضح هذا المعطى أن الإصلاحات الاقتصادية وتحسين بيئة الأعمال يعززا النمو ويرفعان أيضاً قدرة الاقتصادات على مواجهة الصدمات الخارجية.
خريطة المخاطر العربية: تركّز واضح وجاذبية متفاوتة
يبرز التقرير تركزاً واضحاً في أفضل التصنيفات ضمن دول الخليج، تليها المغرب ثم الأردن ومصر، ما يعكس تفاوتاً في جاذبية الاستثمار بين الدول العربية.
كما إن استقرار شروط الدفع التجارية، خصوصاً في دول مثل قطر والإمارات والكويت والسعودية، يشير إلى استمرار الثقة التشغيلية حتى في ظل التوترات. فالمصدرون الدوليون يواصلون تفضيل التعامل مع هذه الأسواق عبر الحساب المفتوح، وهو مؤشر عملي على قوة البيئة التجارية والمالية فيها.
الحرب كاختبار لقدرة الاقتصادات على الصمود
ما يكشفه التقرير هو أن الحرب لم تعيد رسم خريطة المخاطر في المنطقة، إنما وضعت متانة الاقتصادات تحت الاختبار. ارتفاع المخاطر كان سريعاً، لكن محدودية تأثيره على التصنيفات تعكس تحولاً تدريجياً في نظرة الأسواق إلى المنطقة، حيث باتت أكثر تمييزاً بين التقلبات الظرفية والعوامل الهيكلية.
مع ذلك، فإن التأثيرات غير المباشرة للحرب تبقى قائمة، سواء عبر كلفة التمويل أو تدفقات رؤوس الأموال أو قرارات الاستثمار المؤجلة، وهي عوامل قد تظهر بشكل أوضح في المدى المتوسط.
من إدارة الصدمة إلى تحسين الموقع الاستثماري
تكتسب التوصيات التي يطرحها التقرير، خصوصاً بشأن تشكيل لجان وطنية لتحسين مؤشرات المخاطر والتصنيفات، أهمية إضافية في هذه المرحلة. فالمنافسة بين الدول لم تعد تقتصر على جذب الاستثمار، بل تشمل أيضاً القدرة على الحفاظ على ثقة الأسواق في بيئات عالمية متقلبة.
تتطلب المرحلة المقبلة العمل على تحويل الاستقرار النسبي الذي أظهرته الدول العربية، بخاصة الخليجية منها، إلى مكسب دائم عبر تحسين التصنيفات وخفض كلفة التمويل وتعزيز تدفقات الاستثمار.
يقدم تقرير "ضمان" صورة متوازنة تشير إلى أن ارتفاع سريع في المخاطر حصل مع بداية التصعيد، يقابله ثبات في الأسس، وهذه المعادلة هي التي ستحدد اتجاه المرحلة المقبلة، حيث تصبح القدرة على الحفاظ على الثقة عاملاً حاسماً في رسم موقع المنطقة على خريطة الاستثمار العالمية.
الأكثر قراءة
-
الإمارات تبني نموذجاً جديداً لإدارة الدولة والاقتصاد بالذكاء الاصطناعي
-
مظلة الدولار للإمارات: أداة نقدية أم ترقية في طبيعة التحالف؟
-
"سالك" تُدخِل السعودية إلى قلب تجارة الغذاء العالمية عبر تملك "أولام"
-
"إي آند": نتائج الربع تُظهر اتساع قاعدة النمو وتماسك الربحية
-
تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة في السعودية: من فجوة ائتمانية إلى منظومة تمويل متكاملة

