هل دخل الغاز المسال عصر الشح بعد صدمة رأس لفان وهرمز؟
هل دخل الغاز المسال عصر الشح بعد صدمة رأس لفان وهرمز؟
-
أولاً- الاقتصاد والأعمال
بين نهاية 2025 وبداية 2026، كان الاعتقاد السائد في أسواق الطاقة أن العالم يقترب من مرحلة أكثر راحة في إمدادات الغاز الطبيعي المسال. فقد كانت موجة المشاريع الجديدة في الولايات المتحدة وقطر وأفريقيا توحي بأن السوق تتجه إلى وفرة تدريجية تضغط الأسعار وتمنح المستوردين هامشاً أوسع للمناورة، لكن هذا التصور انهار سريعاً مع تطورات الحرب، حين تحولت ضربة واحدة في رأس لفان وتراجع الملاحة عبر مضيق هرمز إلى حدث أعاد خلط الاوراق غي هذا السوق.
رهان الوفرة الذي انهار تحت ضغط الحرب
فما حصل نتيجة الحرب لم يكن مجرد ارتفاع في الأسعار أو اضطراب ظرفي في الإمدادات، لقد كشفت الصدمة أن السوق العالمية تعتمد على نقاط ارتكاز محدودة، وأن أي خلل فيها يمكن أن ينعكس فوراً على توازنها. هنا بدأ التحول الفعلي في النقاش من نقاش حول حجم الطاقات الجديدة التي كان يتوقعها السوق إلى نقاش حول موثوقية هذه الطاقات وقدرتها على الوصول إلى الأسواق في الوقت المناسب.
من توقعات التوسع إلى صدمة الواقع
استند رهان الوفرة الذي ساد مطلع العام إلى معطيات قوية حيث كانت تقديرات وكالة الطاقة الدولية تشير إلى دخول كميات ضخمة من الطاقات الانتاجية الجديدة حتى نهاية العقد، مع توقعات بارتفاع الإنتاج العالمي إلى مستويات قياسية خلال 2026 وما بعدها. وكانت هذه الأرقام توحي بأن السوق تتجه إلى مرحلة من التحرر التدريجي من الضغوط التي رافقت أزمة أوكرانيا. لكن هذه التوقعات كانت تقوم على افتراضات أن تنفيذ المشاريع سيتم ضمن الجداول الزمنية، وان عمل المنتجين الكبار سيستمر من دون تعطيل، وأن طرق الشحن ستبقى مفتوحة وآمنة.
لكن تطورات الأسابيع الأخيرة أطاحت بهذه الافتراضات دفعة واحدة. فالضربة التي أصابت منشآت التسييل في رأس لفان أصابت مركزاً يمثل نحو خمس الإمدادات العالمية من الغاز المسال. وتشير التقديرات الأولية إلى خروج ما يقارب 17 في المئة من القدرة التصديرية القطرية، أي ما يوازي أكثر من 12 مليون طن سنوياً، مع احتمال استمرار هذا النقص لسنوات عدة. ويمكن اعتبارهذا الحجم كافٍ وحده لإحداث فجوة ملموسة في السوق العالمية.
قطر كمحور توازن في سوق الغاز العالمي
ترتبط أهمية قطر في صناعة الغاز بحجم إنتاجها كما بطبيعة موقعها في السوق، فهي مورد أساسي لآسيا، بعقود طويلة الأجل تغذي اقتصادات كبرى مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية، كما إن بنية وقاعدة إنتاجها مركزة إلى حد كبير في رأس لفان، ما يمنحها كفاءة تشغيلية عالية في الظروف الطبيعية، لكنه يزيد من حساسية السوق لأي اضطراب يصيب هذه العقدة تحديداً. وعندما تتعطل هذه المنظومة، يتأثر السوق الفوري وتمتد الانعكاسات إلى سلاسل التوريد التعاقدية.

أزمة مزدوجة... الإنتاج والنقل
لم تقف المشكلة عند حدود الإنتاج، فقد أضاف مضيق هرمز، الذي تمر عبره جميع الشحنات القطرية تقريباً، نوع ثاني من المخاطر. فتعطل الملاحة أو ارتفاع كلفة التأمين والشحن يؤدي الى اعادة النظر في مسارات التدفقات العالمية من الغاز. فالشحنات التي كانت تتجه بسهولة إلى آسيا أو أوروبا باتت تواجه مسارات أطول وتكاليف أعلى، مما يجبر المشترون إلى البحث عن بدائل في سوق انكمشت فيها الامدادات وزاد التنافس على ما هو متوافر منها. هنا، منحت هذه الازدواجية بين صدمة الإنتاج وصدمة النقل الأزمة بعداً أعمق من مجرد نقص مؤقت في الإمدادات.
الأسعار تعكس عودة الجغرافيا السياسية
وقد عكست الأسعار هذا التحول بسرعة حيث شهدت الأسواق الأوروبية قفزات حادة في عقود الغاز، فيما ارتفعت الأسعار الفورية في آسيا بشكل متزامن. وقد عبر هذا التفاعل السعري عن نقص في الكميات وعن إعادة تسعير للمخاطر. وبات المتعاملون يأخذون في الاعتبار احتمال استمرار الاضطرابات لفترة أطول، واحتمال تكرارها في مواقع أخرى. بهذه الطريقة، دخلت الجغرافيا السياسية إلى قلب معادلة التسعير اليومية.
آسيا في قلب الصدمة… وأوروبا تتأثر عبر السوق العالمية
لم تكن الانعكاسات متساوية بين المناطق. تبدو آسيا الأكثر تعرضاً، نظراً لاعتمادها الكبير على الإمدادات القطرية. أي نقص يدفع المستوردين الآسيويين إلى المنافسة على الشحنات المتاحة من الولايات المتحدة وأفريقيا، ما يرفع الأسعار عالمياً. أوروبا، التي نجحت في تنويع مصادرها بعد 2022، تواجه ضغوطاً غير مباشرة، لأن السوق أصبحت مترابطة بشكل أكبر. كل شحنة يتم تحويلها نحو آسيا تعني ارتفاعاً إضافياً في كلفة الإمدادات الأوروبية، خصوصاً مع اقتراب مواسم إعادة ملء المخزونات.
أزمة مؤقتة أم تحول أطول أمداً؟
هل الازمة الراهنة هي أزمة مؤقتة أم بداية تحول أطول أمداً؟ تكمن الإجابة في تداخل عوامل عدة، تركز الإمدادات في عدد محدود من الدول والمرافق، طول دورة تطوير مشاريع الغاز المسال، واحتمال تأخر بعض المشاريع التوسعية، كلها عناصر تدفع نحو سوق أكثر صعوبة. في المقابل، لا تزال موجة الاستثمارات العالمية في تطوير قدرات جديدة قائمة، ما يعني أن الطاقات الإضافية ستدخل تباعاً خلال السنوات المقبلة.
وفرة إسمية… وقيود فعلية
يُظهر هذا الوضع تناقضا أساسياً في السوق. هناط وفرة على الورق تقابلها قيود فعلية على الأرض. قد تكون الطاقة الاسمية مرتفعة، لكن ما يهم المستوردين هو الكميات القابلة للتسليم في الوقت المناسب وبمستوى مقبول من المخاطر، وهذا ما يفسر الانتقال من الحديث عن فائض محتمل إلى سوق مشدودة وحالة من عدم اليقين.
الدور الأميركي وحدود القدرة على التعويض
الولايات المتحدة، التي تقود موجة التوسع في إنتاج الغاز المسال، توفر جزءاً من الحل، لكنها لا تستطيع سد الفجوة فوراً. تحويل التدفقات، وإعادة توجيه الشحنات، وبناء القدرات اللوجيستية، كلها عمليات تحتاج وقتاً واستثمارات إضافية، كما إن ارتفاع الأسعار قد يؤدي إلى تعديل في أنماط الطلب، مع توجه بعض الدول إلى بدائل أخرى أو تقليص الاستهلاك.
ما الذي يجب مراقبته حتى 2030؟
خلال السنوات الممتدة حتى 2030، ستبقى عوامل عدة تحت المجهر اهمها: مدى السرعة في إصلاح الأضرار في قطر، وتوقيت استعادة الطاقة الإنتاجية، ومستوى الاستقرار في مضيق هرمز، وقدرة المشاريع الجديدة على الالتزام بجداولها الزمنية، إضافة إلى تطور الطلب في آسيا. ستحدد هذه المتغيرات ما إذا كانت السوق ستعود إلى توازن أكثر راحة أو ستبقى في حالة شد مستمر.
سوق جديدة بمعايير مختلفة
يتعلق التحول الأهم الذي فرضته هذه الأزمة بكيفية النظر إلى سوق الغاز المسال. حالياً، أصبح الحديث يدور حول كميات الإنتاج وأمن الإمدادات واستقرارها. وباتت الشركات والدول أكثر حساسية لمخاطر التركز الجغرافي، وأكثر ميلاً إلى تنويع المصادر وبناء هوامش أمان أعلى عبر التخزين والعقود طويلة الأجل.
وما تغير يتجاوز الأرقام والإمدادات الآنية. لقد دخلت السوق مرحلة جديدة حيث تلعب المخاطر الجيوسياسية دوراً موازياً لعوامل العرض والطلب التقليدية، ويتوقع أن تبقى هذه المعادلة حاضرة في تسعير الغاز خلال السنوات المقبلة، حتى مع دخول طاقات جديدة إلى الخدمة.
الأكثر قراءة
-
الإمارات تبني نموذجاً جديداً لإدارة الدولة والاقتصاد بالذكاء الاصطناعي
-
مظلة الدولار للإمارات: أداة نقدية أم ترقية في طبيعة التحالف؟
-
"سالك" تُدخِل السعودية إلى قلب تجارة الغذاء العالمية عبر تملك "أولام"
-
"إي آند": نتائج الربع تُظهر اتساع قاعدة النمو وتماسك الربحية
-
تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة في السعودية: من فجوة ائتمانية إلى منظومة تمويل متكاملة

