هل يتآكل الطلب على النفط تحت ضغط الحرب؟
هل يتآكل الطلب على النفط تحت ضغط الحرب؟
-
أولاً- الاقتصاد والأعمال
مع الارتفاع السريع في أسعار النفط نتيجة الحرب وانعكاساتها على الإمدادات، عاد الحديث عن انحسار الطلب على النفط أو تآكله. السوق يقترب من نقطة حساسة قد تؤدي فيها الأسعار المرتفعة إلى كبح الاستهلاك، مع انتقال أثر هذا الارتفاع من الأسواق إلى الاقتصاد عبر ارتفاع كلفة النقل والإنتاج واتساع الضغوط التضخمية.
السؤال الذي يفرض نفسه في هذه المرحلة يتمثل في طبيعة هذا التراجع هو: هل يتجه الطلب إلى انكماش ملموس، أم أن ما يحدث هو تباطؤ في نموه وإعادة توزيع له بين الاقتصادات والقطاعات، تحت تأثير الأسعار المرتفعة واضطراب تدفقات الطاقة وتوافرها في آن واحد؟
عنق الزجاجة الذي يعيد تسعير السوق
يمرّ عبر مضيق هرمز نحو خمس الإمدادات العالمية المنقولة بحراً، إضافة إلى جزء أساسي من تجارة الغاز الطبيعي المسال، حيث يجعل هذا الحجم أي اضطراب في الملاحة عاملاً مباشراً في تسعير النفط.
مع تراجع حركة العبور وارتفاع كلفة التأمين والشحن، اصبحت الأسعار تعكس العرض والطلب واحتمالات الانقطاع، وباتت علاوة المخاطر جزءاً من السعر، وهي علاوة تتغير مع تطور الأحداث بقدر ارتباطها بالكميات المتاحة فعلياً.
الحرب تمتد إلى قلب صناعة الطاقة
لقد أدخل استهداف منشآت النفط والغاز والمعالجة والتكرير في أكثر من موقع في الخليج السوق في مرحلة مختلفة، ويشمل الحديث احتمال تراجع الكميات المنتجة أو المعالجة نفسها، إلى جانب اضطراب النقل.
يؤدي اضطراب الملاحة الى تأخير الإمدادات، مع إمكانية التعويض الجزئي عبر المخزونات الى حين استنزافها. وتعني إصابة المنشآت فقدان طاقة إنتاجية أو تحويلية او نقل، ما يخلق نقصاً فعلياً في الخام أو في منتجات ومشتقات مثل الديزل والغاز وغيرها.
دروس من بقيق والعراق وليبيا
تشير التجربة إلى حساسية هذه النقطة. فقد عطل هجوم بقيق السعودية العام 2019 نحو 5.7 ملايين برميل يومياً بشكل مفاجئ ولفترة وجيزة، وهو ما يعادل نحو 6 في المئة من الإمدادات العالمية آنذاك. وفي العراق بعد 2003، أدت الهجمات المتكررة إلى خفض القدرة التصديرية لفترات طويلة رغم توفر الاحتياطات. أما ليبيا، فقد تحولت إلى مثال على فجوة مستمرة بين الإنتاج الممكن والإنتاج الفعلي، حيث تراوح الإنتاج بين أقل من 300 ألف وأكثر من مليون برميل يومياً تبعاً للوضع الأمني. وتكشف هذه الوقائع أن السوق تتأثر بسلامة البنية التحتية بقدر تأثرها بحجم الاحتياطات.
تفاعل الطلب مع الصدمات الكبرى
يُظهر الطلب على النفط نمطاً متكرراً عند التعرض للصدمات، لكنه يتخذ أشكالاً مختلفة تبعاً لطبيعة كل أزمة وسياقها الاقتصادي. ففي السبعينات، تباطأ نمو الطلب قبل أن تبدأ الاقتصادات الصناعية بخفض كثافة استهلاك النفط بنسبة تراوحت ما بين 20 و30 في المئة خلال عقدين. وفي العام 2008، أدى التداخل بين الأسعار المرتفعة والأزمة المالية إلى تراجع الطلب العالمي بنحو 1.3 مليون برميل يومياً خلال عام واحد. أما في العام 2022 الذي شهد بداية حرب أوكرانيا، فقد ظهر تباطؤ في نمو الطلب إلى نحو 2 مليون برميل يومياً، مع تراجع في أوروبا واستمرار نمو في آسيا.
الطلب يتحرك… ولا يختفي
في الوضع الحالي، يظهر هذا النمط بوضوح. تبدأ الاقتصادات الأكثر حساسية للأسعار بتقليص الاستهلاك أو الحد من نموه، في حين تستمر اقتصادات أخرى في الطلب عبر الدعم أو إعادة توجيه الإمدادات، وينعكس هذا التباين جغرافياً وقطاعياً، ويؤدي إلى إعادة توزيع الطلب أكثر من تراجعه الشامل.
تآكل تدريجي يقود إلى تحولات أعمق
مع استمرار الضغوط، تظهر تحولات مرتبطة بالكفاءة والطاقة البديلة وأنماط الاستهلاك. تتراكم هذه التحولات مع الوقت، وتؤدي إلى تآكل تدريجي في الطلب في بعض القطاعات، مع استمرار النمو في قطاعات أو مناطق أخرى.
ينعكس ارتفاع أسعار النفط على التضخم والنمو، حيث يمكن أن ترفع زيادة قدرها 10 دولارات في سعر البرميل معدلات التضخم في الاقتصادات المستوردة بنحو 0.2 إلى 0.4 نقطة مئوية، ويمنح هذا الأثر الطاقة بعداً استراتيجياً، حيث تؤثر تدفقات النفط في التوازنات الاقتصادية بين الدول، فيما تستخدم الدول المستهلكة أدوات متعددة للتخفيف من هذه الضغوط.
يضيف استهداف البنية التحتية عاملاً جديداً، حيث يرتبط الطلب بالسعر، وأيضاً بتوافر الطاقة. ويؤدي نقص الإمدادات في منتجات محددة إلى تراجع الاستهلاك في قطاعات مرتبطة بها، ما يعمق أثر الصدمة.
إعادة توزيع الطلب تحت ضغط متعدد
تظهر المعطيات أن السوق تتجه نحو مسار معقد يتداخل فيه تأثير الأسعار مع اضطراب الإمدادات وتضرر البنية التحتية، ما يؤدي إلى إعادة توزيع الطلب عالمياً بدلاً من تراجعه بشكل متناسق. ويتجلى هذا المسار في تباطؤ النمو في بعض الاقتصادات، وتآكل تدريجي في بعض القطاعات، واستمرار الطلب أو نموه في مناطق أخرى، وهو ما يعكس طبيعة سوق النفط التي تتكون فيها الاتجاهات من خلال تفاعل العوامل الاقتصادية والسياسية والجيوسياسية في آن واحد.
الأكثر قراءة
-
الإمارات تبني نموذجاً جديداً لإدارة الدولة والاقتصاد بالذكاء الاصطناعي
-
مظلة الدولار للإمارات: أداة نقدية أم ترقية في طبيعة التحالف؟
-
"سالك" تُدخِل السعودية إلى قلب تجارة الغذاء العالمية عبر تملك "أولام"
-
"إي آند": نتائج الربع تُظهر اتساع قاعدة النمو وتماسك الربحية
-
تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة في السعودية: من فجوة ائتمانية إلى منظومة تمويل متكاملة

