فهد الشارخ.. من "صخر" الى "وادي السيليكون"

  • 2025-11-12
  • 11:07

فهد الشارخ.. من "صخر" الى "وادي السيليكون"

  • كتب فيصل أبوزكي

 

حين تتحدث مع فهد الشارخ عن وادي السيليكون الأميركي، تشعر أنك أمام موسوعة حية من الخبرة والمعرفة في عالم التكنولوجيا والاستثمار في الشركات الناشئة. لا يكتفي الشارخ بوصف هذا العالم، بل يشرح بنيته الذهنية والثقافية التي تجعل منه منظومة متكاملة لا يمكن فهمها إلا من الداخل، بوصفها البيئة التي أعادت صياغة الاقتصاد العالمي وفرضت نموذجاً جديداً من النفوذ يقوم على المعرفة والابتكار.

الشارخ هو من القلائل من العرب الذين عاشوا تجربة وادي السيليكون عن قرب. بدأ مسيرته بالاستثمار الشخصي في الشركات الناشئة، قبل أن يؤسس مع شركة كامكو إنفست الكويتية صندوق JEDI، الذي يجمع بين الاستثمار المباشر في الشركات الناشئة ودعم مديري الصناديق الناشئين، لكن علاقة الشارخ بالتكنولوجيا تعود إلى أبعد من ذلك بكثير، فهو ابن الراحل محمد الشارخ، مؤسس شركة "صخر"، التي كانت من أوائل المشاريع العربية الطموحة الساعية إلى إدخال اللغة العربية في عالم الحاسوب وتطوير البرمجيات التعليمية والمعجمية التي مهدت الطريق أمام الثورة الرقمية في العالم العربي.

 

 

 البدايات: من تجربة "صخر" إلى فهم منطق التقنية

يقول الشارخ إن رحلته في عالم التكنولوجيا بدأت من بوابة "صخر"، حيث عمل مع والده في مراحلها الأولى كموزعين للأجهزة الإلكترونية والحواسيب الشخصية، ثم كوكلاء لشركات عالمية مثل "أتاري" و"دِل" و"مايكروسوفت". عملت "صخر" على تعريب البرامج والأنظمة وتكييفها لتناسب المستخدم العربي، في وقت لم تكن الشركات العالمية تولي هذا الجانب أي اهتمام.

تلك التجربة، كما يقول، لم تكن مجرد عمل تجاري، بل مدرسة تقنية ومعرفية صقلت رؤيته للعالم الرقمي. فقد أدرك باكراً أن تطوير التكنولوجيا في المنطقة العربية يتطلب أكثر من مجرد ترجمة أو استيراد، بل تأسيس بيئة كاملة تجمع بين الابتكار والتمويل والتعليم.
ومن خلال عمله في "صخر"، اكتسب الشارخ معرفة عميقة بالتقنيات التي شكلت لاحقاً الأساس لحقبة الذكاء الاصطناعي، إذ عملت الشركة منذ الثمانيات على تطوير أدوات للـتعلم الآلي (Machine Learning) وتحليل اللغة العربية آلياً.

ويضيف: "تعلمت أن النجاح في هذا المجال ليس مرتبطاً فقط بجودة الفكرة، بل بتوافر المنظومة التي تحتضنها: البنية التحتية، والتمويل، والكفاءات، ورأس المال الجريء. ولهذا السبب، 99 في المئة من الأفكار التي تُعرض على المستثمرين تكون غير واقعية أو غير قابلة للحياة، أما الـ1 في المئة الباقية فهي التي تستحق البحث والتعمق".

 

من الأزمة المالية إلى رأس المال الجريء

بحلول عامي 2008 و2009، كانت الأزمة المالية العالمية قد ضربت الأسواق وأطاحت بمؤسسات عملاقة، فيما كانت شركات صغيرة آنذاك مثل "غوغل" و"أمازون" تنمو بسرعة غير مسبوقة. بالنسبة لـ الشارخ، كانت تلك اللحظة مفصلية: "أدركت أن هناك نظاماً اقتصادياً جديداً يتشكل، مختلفاً تماماً عن الذي درسته في الجامعات أو الذي كان سائداً في العالم العربي. إنه عالم رأس المال الجريء".

في تلك الفترة، كان يسوّق تقنيات "صخر" في الولايات المتحدة، خصوصاً برامج التعرف البصري على النصوص (OCR) لمعالجة الوثائق العربية، وقد لاحظ أن الشركات المنافسة كانت كلها شركات ناشئة، تمولها صناديق جريئة بميزانيات ضخمة، في حين كانت "صخر" تعتمد على التمويل الذاتي والمصرفي. هذه المقارنة أوحت له بأن السر ليس فقط في التقنية، بل في منظومة التمويل التي تسمح للشركات بالمخاطرة والنمو السريع.

يقول الشارخ: "تلك التجربة جعلتني أرى كيف تُدار الشركات الناشئة من الداخل، وكيف يقيمها المستثمرون. فهم لا ينظرون إلى الأرباح الفورية، بل إلى الأفكار التي يمكن أن تحدث فرقاً في المستقبل، وإلى الفرق القادرة على التنفيذ".

 الانطلاق الى وادي السيليكون

من هنا، بدأ الشارخ مغامرته الخاصة في الاستثمار في الشركات الناشئة. ففي عامي 2010 و2011، انتقل إلى وادي السيليكون في كاليفورنيا، حيث تعرف إلى عدد من صناديق رأس المال الجريء ومديريها. لم يكن من السهل دخول هذا العالم المغلق، فمعظم المستثمرين هناك لم يكونوا مهتمين بالمنطقة العربية ولا بحاجة إلى رؤوس أموال إضافية، لكن إصرار الشارخ جعله من أوائل المستثمرين العرب الذين دخلوا هذا المجال.

وبعد سنوات عدة، كُلّف من قبل أحد الصناديق السيادية الخليجية بدراسة فرص الاستثمار في الشركات الخاصة المتقدمة تكنولوجياً في الولايات المتحدة، وتحديد مديري الصناديق الأنسب للشراكة. من خلال شركته  Invest Tech التي أسسها العام 2015، بدأ في بناء شبكة علاقات واسعة مع رواد الاستثمار الجريء، واضعاً قائمة من المعايير الدقيقة لتقييم الصناديق والشركات.

خلال تلك المرحلة، اكتشف أن العائد الأكبر لا يتحقق من الاكتتابات العامة، بل من المراحل المبكرة للاستثمار الخاص، حيث يكون الخطر عالياً، لكن الأرباح المحتملة قد تصل إلى مئات الأضعاف.

 

 

فلسفة الاستثمار في الشركات الناشئة

يؤكد الشارخ أن الاستثمار في الشركات الناشئة ليس علماً دقيقاً، بل مزيج من الفهم والحدس والمخاطرة المحسوبة. "عليك أن تتعلم من أخطائك بسرعة، فالسوق لا يرحم. كثير من المستثمرين يكررون الأخطاء نفسها لأنهم  قد لا يدركون ماهية المكان وروحيته ولا يملكون الشجاعة لتغيير استراتيجيتهم".

ويضيف: "دخلنا مجال الذكاء الاصطناعي قبل أن يصبح مصطلحاً شائعاً. استثمرنا في شركات تم الاستحواذ عليها لاحقاً من قبل  NVIDIA وOpenAI، لأننا كنا نرى مبكراً الاتجاه الذي تسير نحوه التكنولوجيا. في البداية، يبدو المشهد أشبه بصالة قمار، الكل يبيعك حلماً، لكنك تتعلم مع الوقت كيف تميّز الجوهر من الضجيج".

 التحدي الأكبر: الوصول إلى الفرص

يشرح الشارخ أن التحدي الأساسي في هذا القطاع هو الوصول إلى المعلومات والفرص، فالسوق الأميركي كبير جداً، والفرص فيه متاحة لمن يملك العلاقات والمعرفة لا المال فقط.
"عليك أن تعرف ما الذي يجري فعلاً خلف الكواليس. عندما تقرأ في الصحف عن شركة مثل OpenAI أو Anthropic، فاعلم أنك متأخر خمس سنوات عن الموجة. المستثمر الناجح هو من يرى الاتجاه قبل أن يصبح ظاهراً".

ويضرب مثالاً على ذلك: "اليوم، يتحدث الجميع عن النماذج اللغوية التوليدية، لكن التحدي القادم هو إدارة كميات هائلة من البيانات التي تولدها هذه النماذج. نحن الآن في عصر "بحيرات البيانات"، والفرصة الحقيقية تكمن في الشركات التي تطور أدوات لتحليل هذه البيانات وتصنيفها وتوليد قيمة عملية منها".

 

 كيف تُصنع الفرص في وادي السيليكون

في سعيه للوصول إلى الشركات الواعدة، وجد الشارخ أن أفضل الفرص تأتي من فئة من المستثمرين تُعرف باسم المديرين الناشئين (Emerging Managers) وهم غالباً موظفون سابقون في شركات تقنية كبرى مثل "غوغل" و"مايكروسوفت"، يمتلكون خبرة تقنية عميقة، لكنهم لا يملكون رأس المال الكافي لإطلاق صناديق ضخمة.

يقول: "المديرون الناشئون لديهم ميزة فريدة؛ فهم يعرفون ما يحتاجه السوق بعد خمس سنوات، لأنهم يعيشون في قلب التطور التكنولوجي. لا يعتمدون على العمولات بل على نمو رأس المال، ولهذا يكون تركيزهم على تحقيق نتائج ملموسة. أحدهم قال لي مرة: رأس المال هو عدو العائد، فكلما كبر الصندوق، قلت مرونته وقلت يقظته".

من هنا، جاءت فكرة إنشاء صندوق JEDI وهو اختصار لـ Joint Emerging Manager & Direct Investment Program. في مرحلته الأولى، استثمر الصندوق في نحو 19 صندوقاً صغيراً يديرها مديرون ناشئون، كل واحد منها يضم في محفظته ما يقارب 40 شركة ناشئة، ما منح الشارخ وفريقه إمكانية الوصول إلى قاعدة بيانات تضم أكثر من 800 شركة يمكن متابعتها واختيار الأنسب منها للاستثمار المباشر فترات لاحقة.

 

 من الصناديق الى الشركات

ميزة صندوق JEDI أنه لا يكتفي بالاستثمار في الصناديق، بل يدخل لاحقاً مباشرة في الشركات التي تظهر إمكانات نمو كبيرة ضمن تلك الصناديق. هذا الأسلوب يتيح الوصول إلى الشركات في مراحلها الحساسة قبل أن ترتفع قيمتها بشكل كبير.

"من خلال حصتنا في الصناديق، نحصل على مقعد في اللجان الاستثمارية، ونطّلع على بيانات مفصلة عن الشركات: من هم المهندسون؟ ما خبراتهم؟ من أين أتوا؟ مدى التزامهم بالمشروع؟ هذه التفاصيل البشرية والتقنية تعني الكثير، لأننا في النهاية لا نستثمر فقط في فكرة، بل ايضاً في أشخاص".

ويضيف: "لقد استثمرنا في الشركات التي تزود أدوات مهمة لمنظومة الذكاء الاصطناعي، أي الأدوات التي تساعد الآخرين على الابتكار، تماماً كما أن الرابحين في حمى الذهب لم يكونوا من ينقبون عن الذهب بل من يبيعون أدوات الحفر وبناطيل الجينز".

 

 

 بناء الشراكة مع "كامكو إنفست"  

العلاقة بين الشارخ وشركة كامكو إنفست تعود إلى أكثر من عقد. يقول: "كانوا يديرون محافظي الشخصية، وأعرفهم جيداً من الداخل، وعندما بدأت "كامكو" و"كيبكو" التفكير في التوسع نحو الاستثمارات البديلة، عرضت عليهم فكرة JEDI. بعد نقاشات مستفيضة، اتفقنا على إطلاق الصندوق كشراكة، فأصبحت شريكاً عاماً فيه، واستثمرت من أموالي الخاصة، فيما استثمرت "كامكو" أضعاف ذلك".

تملك "كامكو" شبكة إقليمية قوية وشركات مرخصة في أسواق خليجية عدة، إضافة إلى بنية قانونية وتنظيمية متكاملة، ما مكّنها من إدارة عمليات الصندوق بكفاءة عالية. اليوم، وبعد استثمار كامل رأس ماله البالغ 45 مليون دولار، حقق الصندوق حتى الآن نمواً في قيمته تجاوز 40 في المئة، وفق أحدث تقارير الشركة.

 

  صندوق اكبر لشركات اكبر

يتوقع الشارخ أن السنوات الخمس المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ملامح المرحلة التالية. "نحن الآن نراقب عن كثب أداء الشركات التي استثمرنا فيها عبر الصناديق التسعة عشر. أتوقع أن يتحول ما لا يقل عن عشر شركات منها إلى كيانات كبرى في قطاعاتها. هدفنا الآن إطلاق صندوق ثانٍ يركز على الشركات التي أثبتت قدرتها على النمو ونريد زيادة حصتنا فيها في الجولات التمويلية اللاحقة".

ويضيف بثقة: "مقارنة بالصناديق العالمية المماثلة، نحن في مراكز متقدمة من حيث الأداء، رغم أننا لا نملك الموارد الضخمة التي تملكها الصناديق السيادية الكبرى. السر في المعرفة الدقيقة والتوقيت الصحيح، لا في حجم المال".

 

 فقاعة الذكاء الاصطناعي أم بداية دورة جديدة؟

حول المخاوف من وجود فقاعة في استثمارات الذكاء الاصطناعي، يقول الشارخ: "نعم، هناك ضخ هائل للأموال في هذا القطاع، خصوصاً في مراكز البيانات وصناعة الرقائق ومحطات الطاقة. لكن هذا ليس أمراً جديداً؛ فقد شهدنا المشهد نفسه في مطلع الألفية خلال طفرة الدوت كوم. انهار السوق يومها، لكن البنية التحتية التي بُنيت آنذاك كانت الأساس لانطلاق التجارة الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي لاحقاً".

ويتابع: "نحن لا نستثمر في البنى التحتية، بل في الشركات التي تطور الأدوات والبرمجيات التي ستُستخدم فوق هذه البنى، أي أننا نبيع أدوات الحفر في زمن الذهب الرقمي. ومع ذلك، نبقى حذرين وواقعيين في تقييم المخاطر".

 يختم الشارخ حديثه قائلاً: "النجاح في وادي السيليكون لا يتحقق بالصدفة. إنه نتاج مزيج من الرؤية، والمثابرة، والقدرة على التعلم المستمر. ما أدهشني هناك هو الإيمان العميق بأن الفشل جزء من عملية الابتكار، وأن المغامرة ليست خياراً بل هي شرط للنجاح. حاولت أن أنقل هذه الثقافة إلى عملنا في المنطقة، لأننا بحاجة إلى بيئة تسمح بالمخاطرة الذكية وتحتضن الفكرة قبل أن تنضج".

بهذا الهدوء الواثق يتحدث فهد الشارخ عن تجربته بين "صخر الكويتية" و"وادي السيليكون"، بين ماضٍ صنع البدايات ومستقبل يكتب الفصول التالية من قصة عربية في أكثر رقعة ديناميكية في الاقتصاد العالمي: عالم التكنولوجيا والاستثمار في المستقبل.