الصندوق السيادي السوري و"المهيدب" يدرسان مشاريع غذائية في سوريا
الصندوق السيادي السوري و"المهيدب" يدرسان مشاريع غذائية في سوريا
-
الاقتصاد والأعمال
وقّع الصندوق السيادي السوري ومجموعة "المهيدب" السعودية مذكرة تفاهم لدراسة وتطوير فرص استثمارية استراتيجية في قطاع الصناعات الغذائية، في خطوة تعكس اتساع الاهتمام الخليجي بالقطاع الزراعي والغذائي في سوريا، مع انتقال البلاد تدريجياً من مرحلة الطوارئ الاقتصادية إلى البحث عن مشاريع إنتاجية قادرة على خلق فرص عمل وتعزيز الأمن الغذائي.
وبحسب وكالة الأنباء السورية "سانا"، وقع المذكرة في دمشق وزير السياحة ورئيس مجلس إدارة الصندوق السيادي السوري مازن الصالحاني، ونائب رئيس مجلس إدارة مجموعة "المهيدب" السعودية عماد المهيدب.
وتركز المذكرة على دراسة مشاريع في تربية الأبقار وإنتاج الألبان والأجبان، بالتعاون مع شركة أوروبية عالمية متخصصة في هذا القطاع.
من الحليب إلى سلسلة زراعية متكاملة
تكتسب المذكرة أهميتها من كونها تتعامل مع صناعة الألبان كسلسلة إنتاج أوسع تبدأ من تربية الأبقار والزراعة المرتبطة بالأعلاف، وتمتد إلى تدريب المزارعين وتأهيلهم وتزويدهم بالمعدات والتقنيات الحديثة. وقال مدير عام هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي إن المشروع يشمل القطاع الزراعي وتربية الأبقار، إضافة إلى إعادة تشغيل اثنين من أكبر مصانع إنتاج الحليب في سوريا توقفا خلال سنوات الحرب.
ويعطي واقع الأمن الغذائي في سوريا هذا التوجه بعداً إضافياً. فأحدث أرقام خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لسوريا لعام 2026، المنشورة عبر منصة العمل الإنساني التابعة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، تشير إلى أن نحو 13.3 مليون شخص في سوريا لا يزالون يعانون انعدام الأمن الغذائي، بينهم نحو 7.2 مليون شخص في مستوى انعدام أمن غذائي حاد، و0.7 مليون شخص في مستوى شديد من انعدام الأمن الغذائي.
وتدعم هذه القراءة بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو"، التي تشير إلى أن الزراعة ساهمت بنحو 27.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي السوري عام 2022، استناداً إلى بيانات البنك الدولي، ما يجعل القطاع أحد المداخل الأساسية للتعافي الاقتصادي وتشغيل الريف وتحسين سلاسل الإمداد الغذائي.
رهان على الاستثمار المنتج
وأشار رئيس مجلس إدارة الصندوق السيادي السوري مازن الصالحاني إلى إن المشاريع التي يتم مناقشتها تستهدف تطوير أساليب الإنتاج وزيادة المحصول والإنتاجية، من خلال مشاركة شركات أجنبية تنقل خبراتها إلى المزارعين، مشيراً إلى أن الصندوق يسعى إلى تحقيق عائد استثماري مستدام يرفد خزينة الدولة.
أما عماد المهيدب فأكد أن سوريا تمتلك موارد طبيعية وكفاءات بشرية وموقعاً جغرافياً متميزاً، وأن المجموعة سبق أن عملت في سوريا في مجالات متعددة.
وتكتسب هذه الإشارة أهمية إضافية لأنها تعيد وضع العلاقة الاستثمارية بين شركات خليجية كبرى والسوق السورية في إطار عملي، بعد سنوات تراجع فيها حضور رأس المال العربي في البلاد بفعل الحرب والعقوبات وتعطل جزء كبير من النشاط الإنتاجي.
وتأسست مجموعة "المهيدب" السعودية في أربعينيات القرن الماضي، وهي من المجموعات العائلية الاستثمارية الكبيرة في المملكة. وتعمل المجموعة في قطاعات الأغذية والمنتجات الاستهلاكية والصناعة والبنية التحتية والعقارات والاستثمارات المالية.
وتبرز أهمية "المهيدب" تحديداً في أن نشاطها التاريخي ارتبط بالغذاء والتجارة والسلع الأساسية. فإحدى شركاتها، "ميار فودز"، تعد من أوائل أعمال المجموعة في قطاع الأغذية، وهي من كبار مستوردي وموزعي الأرز والمنتجات الغذائية في السعودية.
كما أن المجموعة كانت من مؤسسي "صافولا" ولا تزال مساهماً رئيسياً فيها، وهي تملك أيضاً حصة كبيرة في "المراعي"، أكبر شركة ألبان في السعودية. وهذا الامتداد يمنح مذكرة التفاهم بعداً مختلفاً، لأنها تأتي من مجموعة تعرف قطاع الغذاء من زاوية التجارة والتوزيع والاستثمار الصناعي، لا من زاوية التمويل وحده.
لماذا الزراعة السورية؟
يأتي الاهتمام الخليجي بالزراعة السورية من تقاطع عدة اعتبارات. أولها أن سوريا تملك قاعدة زراعية تاريخية، وموارد بشرية ريفية، وموقعاً قريباً من أسواق الخليج والعراق وشرق المتوسط. وثانيها أن إعادة بناء القطاع الزراعي يمكن أن تحقق أثراً اقتصادياً واجتماعياً سريعاً نسبياً مقارنة بمشاريع صناعية أو بنى تحتية أكبر كلفة وأطول زمناً. وثالثها أن الأمن الغذائي أصبح ملفاً استراتيجياً لدول الخليج، التي تسعى إلى تنويع مصادر الإمداد والاستثمار في سلاسل غذائية خارج حدودها، إلى جانب بناء مخزونات استراتيجية وتطوير الإنتاج المحلي عالي التقنية.
وتتجاوز أهمية الزراعة السورية مسألة الإنتاج المحلي. فالقطاع يرتبط مباشرة بالريف، وبالهجرة الداخلية، وبعودة جزء من النشاط الاقتصادي إلى مناطق تضررت بشدة خلال سنوات الحرب. كما يرتبط بتوفير دخل للأسر الزراعية، وبإحياء الصناعات الغذائية، وبخفض فاتورة الاستيراد عندما تتوافر شروط الإنتاج والتسويق.
لذلك تبدو مشاريع الألبان وتربية الأبقار مدخلاً مناسباً، لأنها تجمع بين الزراعة والصناعة والخدمات اللوجستية والتوزيع، وتخلق طلباً على الأعلاف والمعدات والنقل والتبريد والعمالة الفنية.
جزء من عودة أوسع للاستثمارات الخليجية
تتزامن مذكرة "المهيدب" مع مؤشرات أوسع إلى عودة الاهتمام الخليجي بالسوق السورية، وخصوصاً من السعودية والإمارات، في قطاعات تشمل البنية التحتية والطيران والاتصالات والزراعة والصناعات الغذائية. ولا يعني ذلك أن الطريق أصبحت سهلة أمام الاستثمارات. فالسوق السورية لا تزال تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالتمويل، والطاقة، والبنية التحتية، وسلاسل النقل، والإطار القانوني، ووضوح الضمانات، والقدرة على تحويل المذكرات إلى مشاريع فعلية قابلة للتنفيذ.
وتبقى المذكرة في مرحلتها الحالية إطاراً للدراسة والتطوير، وليست إعلاناً نهائياً عن تنفيذ مشروع محدد أو حجم استثمار مؤكد. غير أن أهميتها تكمن في أنها تضع الأمن الغذائي والزراعة والصناعات الغذائية في قلب مسار التعافي الاقتصادي، وتربط بين حاجة سوريا إلى إعادة تشغيل الإنتاج، واهتمام مجموعات خليجية كبرى بالاستثمار في قطاعات قادرة على الجمع بين العائد التجاري والأثر التنموي.
الأكثر قراءة
-
معادن جديدة تمنح السعودية موقعاً متقدماً في اقتصاد المستقبل
-
الدقم ترسم موقع عُمان الاقتصادي الجديد: عقدة صناعية ولوجستية خارج مضيق هرمز
-
جهاز قطر للاستثمار و"ICEYE" التموضع في اقتصاد الفضاء والذكاء السيادي
-
رئيس اتحاد الغرف السعودية يرحب باستئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة
-
تعديل قانون مؤسسة البترول الكويتية: توسيع الدور نحو الطاقة الجديدة وتعزيز الحوكمة والمرونة التشغيلية

