نزار ناصر حسين: محافظ جديد لمرحلة الإصلاح والمعايير الدولية
نزار ناصر حسين: محافظ جديد لمرحلة الإصلاح والمعايير الدولية
-
كتب فيصل أبوزكي
يبدأ نزار ناصر حسين مهمته محافظاً للبنك المركزي العراقي في مرحلة مهمة من مسار القطاع المصرفي والمالي في البلاد. فالتعيين يأتي بعد سنوات من الضغوط المرتبطة بسعر الصرف، وتنظيم الطلب على الدولار، وإعادة ترتيب التحويلات الخارجية، وتعزيز الرقابة على المصارف وشركات الصرافة. كما يأتي بعد إدراج العراق ضمن قائمة الدول الخاضعة للمتابعة المعززة لدى مجموعة العمل المالي، المعروفة إعلامياً باللائحة الرمادية، ما يجعل ملف مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في صدارة أولويات المرحلة الجديدة.
خلفية مختلفة في لحظة مختلفة
تمنح هذه الخلفية تعيين نزار ناصر حسين معنى يتجاوز التغيير الإداري. فالمحافظ الجديد يأتي من داخل البنك المركزي، ومن موقع شديد الصلة بالملف الذي بات يشكل أحد مفاتيح الإصلاح المصرفي في العراق.
فقد شغل منصب مدير عام مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهو مسار يجعل معرفته بالتحديات الرقابية والامتثالية معرفة مباشرة ووثيقة.
وتضع هذه الخلفية المحافظ الجديد في موقع مناسب للتعامل مع إحدى أكبر المهام التي تنتظره، وهي تعزيز الثقة بالقطاع المصرفي العراقي من بوابة الامتثال والمعايير الدولية. فهي تمنحه معرفة عملية بطبيعة المتطلبات التي تضعها المؤسسات الدولية، وبنقاط الضعف التي تحتاج المصارف إلى معالجتها كي تتحسن علاقتها بالقطاع المصرفي الإقليمي والعالمي.
باشر المحافظ الجديد مهامه في 22 حزيران/يونيو 2026، برفقة المحافظ السابق علي محسن العلاق، في مشهد حمل دلالة مؤسسية مهمة. فالبنك المركزي أراد أن يظهر انتقالاً منظماً في المسؤولية، وأن يؤكد استمرار العمل داخل مؤسسة تواجه ملفات متراكمة.
وتكمن أهمية هذا الانتقال في أن العراق يحتاج اليوم إلى إدارة تجمع بين الاستقرار النقدي والإصلاح الرقابي، وبين معالجة الضغوط اليومية وبناء قاعدة مصرفية أكثر قدرة على الاندماج في النظام المالي الإقليمي والعالمي.
اللائحة الرمادية واختبار الامتثال
يعطي إدراج العراق على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي خلفية المحافظ الجديد وزناً إضافياً. فهذه القائمة تعني أن الدولة تخضع لمتابعة معززة لمعالجة أوجه قصور استراتيجية في نظام مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ووفق ما أعلنته مجموعة العمل المالي، فإن العراق مطالب بمعالجة مخاطر مرتبطة بالنقد، وتعزيز التحقيقات في غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتحسين استخدام المعلومات المالية. وتضع هذه المطالب البنك المركزي في موقع محوري، لأن المصارف وشركات الصرافة والتحويلات وأنظمة الدفع تقع ضمن نطاق رقابته المباشرة أو غير المباشرة.
وهذا ما يجعل إخراج العراق من اللائحة الرمادية إحدى المهام الكبرى للمحافظ الجديد. ولا تتحقق هذه المهمة عبر سن قوانين وأنظمة جديدة أو إصدار تعليمات إضافية وحدها، إذ تحتاج إلى نتائج عملية قابلة للقياس وفعالية في التطبيق.
وسيكون التقدم في هذا الملف مرتبطاً برفع جودة الرقابة على المؤسسات المالية، وتحسين تقارير العمليات المشبوهة، وتعزيز معرفة العملاء، وتتبع المستفيد الحقيقي، وضبط القنوات النقدية عالية المخاطر، وتفعيل التنسيق بين البنك المركزي والجهات القضائية والأمنية والضريبية والجمركية. كما يرتبط بخطاب واضح مع الداخل والخارج، يبين أن العراق يتعامل مع هذا الملف كأولوية سيادية واقتصادية، لا كاستجابة شكلية لضغط خارجي.
وقد تكون خلفية نزار ناصر في هذا المجال من العوامل التي رجحت أساساً اختياره لهذه المرحلة، من دون أن يعني ذلك اختزال مهمته في ملف واحد. فالسياسة النقدية، وسعر الصرف، والاحتياطيات، وتمويل التجارة، والرقابة المصرفية، كلها ملفات ستبقى حاضرة في عمله اليومي. غير أن الامتثال أصبح اليوم الرابط الذي يجمع كثيراً من هذه الملفات في مسار واحد.
المعايير الدولية وبناء الثقة المصرفية
يمر أي تحول حقيقي في القطاع المصرفي العراقي، وأي اندماج أوسع مع القطاع المصرفي الإقليمي والعالمي، عبر الامتثال. فالمصارف العالمية والبنوك المراسلة لا تنظر فقط إلى حجم الاقتصاد العراقي أو احتياطياته أو حاجته إلى التمويل. هي تنظر أولاً إلى جودة الرقابة، وقوة أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وقدرة المصارف المحلية على معرفة عملائها، وتحديد مصادر الأموال، وإدارة المخاطر، والالتزام بالعقوبات والقواعد الدولية.
لذلك، لم تعد علاقة المصارف العراقية بالبنوك المراسلة مسألة تقنية مرتبطة بالتحويلات فقط. إنها انعكاس لثقة أوسع. كلما تحسنت هذه الثقة، أصبحت التحويلات الخارجية أكثر انتظاماً، وتراجعت الحاجة إلى القنوات غير الرسمية، وانخفضت كلفة التجارة، وتقلصت الضغوط على سوق الدولار. وكلما بقيت الثقة محدودة، ظل القطاع المصرفي يدور في حلقة ضيقة بين القيود والرقابة والاستثناءات.
هنا تظهر أهمية معايير بازل أيضاً. فالإصلاح المصرفي لا يكتمل عبر مكافحة غسل الأموال وحدها. تحتاج المصارف إلى رأس مال كافٍ، وإدارة مخاطر فعالة، وحوكمة واضحة، ورقابة داخلية مستقلة، وإفصاح أفضل، وقدرة على اختبار الضغوط.
قد تبدو هذه المتطلبات فنية، لكنها تشكل اللغة التي يتعامل بها العالم المصرفي مع أي قطاع يريد أن يكون جزءاً من النظام المالي الدولي. فالمصرف العراقي الذي يريد شراكة إقليمية، أو علاقة مراسلة مستقرة، أو قدرة على تمويل التجارة والاستثمار، عليه تطوير بنية امتثال فعالة، والتمتع بمستويات مناسبة من كفاية رأس المال، قبل أي توسع.
سعر الصرف يبدأ من القنوات المصرفية
سيبقى سعر الصرف أحد أكثر الملفات حساسية أمام المحافظ الجديد. فقد ارتبطت السنوات الأخيرة بضغوط متكررة في سوق الدولار، وبمحاولات لتنظيم التحويلات الخارجية ومنع استخدام العملة الأجنبية في مسارات غير مشروعة. لكن معالجة هذا الملف لا تتوقف عند نافذة بيع العملة أو أدوات السياسة النقدية التقليدية، لأن جوهر المسألة يكمن في بناء قنوات مصرفية موثوقة تمر عبرها التجارة والتحويلات بصورة طبيعية وشفافة.
كل تقدم في ملف الامتثال ينعكس على سوق الصرف. فحين تتحسن قدرة المصارف على تنفيذ التحويلات وفق المعايير الدولية، يصبح الطلب التجاري المشروع أكثر قدرة على المرور عبر القنوات النظامية. وحين تتوسع علاقات البنوك المراسلة، تتراجع مساحة السوق غير الرسمية. وحين يعرف التجار والمستوردون أن القناة الرسمية تعمل بكفاءة ووضوح، تنخفض الحاجة إلى البحث عن بدائل مكلفة أو غير مضمونة.
من هذه الزاوية، تبدو مهمة المحافظ الجديد مزدوجة. فهو يتولى الحفاظ على الاستقرار النقدي، ويدفع في الوقت نفسه نحو إصلاح القنوات التي ينتقل عبرها الدولار إلى الاقتصاد. ولا يتحقق الاستقرار هنا إلا من خلال ثقة السوق بأن النظام المصرفي قادر على تلبية الطلب المشروع ضمن قواعد واضحة.
تحديث المصارف وتقليل الاعتماد على النقد
يمثل إصلاح المصارف تحدياً آخر أمام المحافظ الجديد. فالعراق يملك قطاعاً مصرفياً واسعاً في العدد، لكنه يحتاج إلى نقلة في النوعية.
لا تزال المصارف الحكومية الكبرى تتمتع بثقل كبير في الودائع والمعاملات، بينما تحتاج مصارف خاصة كثيرة إلى تطوير رأس المال، والحوكمة، والتكنولوجيا، وإدارة المخاطر، والامتثال. ويحد هذا الواقع من قدرة القطاع المصرفي على لعب دور تمويلي حقيقي في الاقتصاد.
وتحتاج المرحلة المقبلة إلى فرز واضح بين المصارف القادرة على التطور وتلك التي ما زالت تعتمد على خدمات محدودة أو نماذج عمل ضعيفة. ويوازي ذلك تشجيع الاندماجات، ورفع متطلبات الإفصاح، وتطبيق اختبارات أكثر صرامة على رأس المال والسيولة، وتحديث الأنظمة الداخلية، وتطوير الكوادر.
أما المصارف الحكومية، فتبدو أمام مسار تحديث عميق يجعلها أكثر قدرة على تمويل الاقتصاد وإدارة المخاطر، وأقل اعتماداً على أدوار تقليدية مرتبطة بالرواتب والسيولة العامة.
وسيتطلب النجاح في هذا الملف توازناً دقيقاً. فالإصلاح السريع قد يصطدم بمصالح قائمة وبنية مصرفية اعتادت العمل ضمن نمط معين. والإصلاح البطيء قد يطيل بقاء القطاع خارج التحول المطلوب.
لذلك ستكمن أهمية المرحلة المقبلة في بروز مسار تدريجي واضح، يرفع المعايير من دون إرباك السوق، ويدفع المصارف إلى التطور من دون إضعاف الثقة.
ويتضمن إصلاح القطاع المصرفي العراقي أيضاً تقليل الاعتماد على النقد. فاقتصاد يغلب عليه التعامل النقدي يصعب ضبطه ورقابته وتمويله. وكلما بقيت الأموال خارج القطاع المصرفي، ضعفت قدرة المصارف على جمع الودائع، وتحليل المخاطر، وتمويل الأفراد والشركات الصغيرة، ومراقبة التدفقات. لذلك، تصبح المدفوعات الإلكترونية والشمول المالي جزءاً من مهمة البنك المركزي، لا مجرد ملف تقني جانبي.
وتضع الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي 2025-2029 أهدافاً واضحة، من بينها رفع نسبة البالغين الذين يمتلكون حسابات مصرفية أو رقمية إلى 50 في المئة بحلول 2030، وزيادة استخدام المدفوعات الرقمية إلى 85 في المئة.
تبدو هذه الأهداف كبيرة في اقتصاد اعتاد التعامل النقدي، لكنها تقدم خريطة طريق ضرورية. فإدخال الأفراد والشركات الصغيرة إلى النظام المالي يوسع قاعدة الودائع، ويزيد الشفافية، ويمنح المصارف فرصة للتحول من مؤسسات تحويل ودفع إلى مؤسسات تمويل وتنمية.
فرصة المحافظ وحدود المهمة
من الإنصاف إعطاء نزار ناصر حسين فرصته كاملة. فالرجل يتسلم مؤسسة سيادية استراتيجية في لحظة صعبة، ويدخل المنصب بخبرة تتصل مباشرة بواحد من أهم ملفات المرحلة. وهذا يمنحه أفضلية واضحة في فهم مطالب مجموعة العمل المالي، ومتطلبات البنوك المراسلة، وثغرات الامتثال في القطاع المصرفي. فالملفات التي تنتظره مؤسسية ومعقدة، وتتجاوز صلاحيات البنك المركزي وحده في بعض جوانبها.
إن خروج العراق من اللائحة الرمادية يتطلب تعاوناً حكومياً واسعاً يتجاوز البنك المركزي إلى الجهات الرقابية والقضائية والأمنية والضريبية والجمركية.
أما تطبيق معايير بازل، فيفترض استعداد المصارف لتحمل كلفة التحديث ورفع كفاءة رأس المال وإدارة المخاطر. كذلك، يرتبط استقرار سعر الصرف بتنسيق دقيق بين السياسات النقدية والمالية والتجارية، في حين يتوقف توسيع المدفوعات الرقمية على ثقة الجمهور، وجاهزية البنية التحتية، ووضوح التشريعات.
لذلك ستكون مهمة المحافظ في جمع هذه الملفات ضمن مسار واضح، وتحويل الامتثال من عبء رقابي إلى مدخل لتحديث القطاع المصرفي.
يمكن النظر إلى تعيين المحافظ الجديد باعتباره اختياراً مناسباً لمرحلة يتقدم فيها الامتثال إلى قلب الإصلاح المالي. ويمكن لهذا التعيين أن يتيح نقل جزء أكبر من التركيز من إدارة الضغوط اليومية إلى بناء قطاع مصرفي أكثر ثقة واندماجاً وانضباطاً.
يتولى نزار ناصر حسين مهامه في مرحلة تتداخل فيها متطلبات الاستقرار النقدي مع مسار الإصلاح المصرفي وتعزيز الثقة بالقطاع المالي. وتمنحه خلفيته في الامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب معرفة مباشرة بأحد الملفات الأكثر تأثيراً في هذه المرحلة، الأمر الذي يوفر له نقطة انطلاق مهمة للتعامل مع تحديات القطاع، ودفعه تدريجياً نحو مستويات أعلى من الامتثال والاندماج في النظام المالي الإقليمي والعالمي.
الأكثر قراءة
-
شركة أبوظبي الوطنية للتأمين تعيّن رئيس تنفيذي بالإنابة
-
معادن جديدة تمنح السعودية موقعاً متقدماً في اقتصاد المستقبل
-
الدقم ترسم موقع عُمان الاقتصادي الجديد: عقدة صناعية ولوجستية خارج مضيق هرمز
-
جهاز قطر للاستثمار و"ICEYE" التموضع في اقتصاد الفضاء والذكاء السيادي
-
رئيس اتحاد الغرف السعودية يرحب باستئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة

