العراق وحرق الغاز المصاحب... ملف بيئي يتحول إلى قضية طاقة واقتصاد

  • 2026-07-06
  • 18:47

العراق وحرق الغاز المصاحب... ملف بيئي يتحول إلى قضية طاقة واقتصاد

  • الاقتصاد والأعمال

يعيد إعلان وزارة النفط العراقية الأخير استهداف إنهاء حرق الغاز المصاحب بحلول عام 2030 فتح واحد من أكثر الملفات تناقضاً في اقتصاد الطاقة العراقي. فالبلد الذي يملك احتياطيات نفطية ضخمة، ويعاني في الوقت نفسه من نقص مزمن في الكهرباء، لا يزال يحرق كميات كبيرة من الغاز المنتج مع النفط، ثم يعود إلى استيراد الغاز والكهرباء لتغطية جزء من حاجته المحلية.

 لذلك أصبحت قضية حرق الغاز اختباراً لأمن الطاقة وكفاءة إدارة الموارد، بقدر ما هي ملف بيئي واقتصادي.

ثروة مهدورة قرب محطات الكهرباء

ينتج الغاز المصاحب مع استخراج النفط الخام. وفي الحقول التي لا تملك منشآت كافية لجمعه ومعالجته ونقله، يصبح الحرق الخيار الأسهل من الناحية التشغيلية. لكنه خيار مكلف اقتصادياً.

فالعراق يحرق غازاً يمكن استخدامه في توليد الكهرباء، أو في الصناعات البتروكيماوية، أو في مصانع الأسمدة، أو في تزويد المنشآت الصناعية بالوقود.

تضع تقديرات البنك الدولي العراق بين أكبر دول العالم في حرق الغاز. وتظهر بيانات 2024 أن روسيا وإيران والعراق وفنزويلا والمكسيك وليبيا والجزائر ونيجيريا والولايات المتحدة شكلت معاً 83 في المئة من إجمالي الغاز المحروق عالمياً، رغم أنها تنتج أقل من نصف النفط العالمي.

وفي 2025، ارتفع الحرق العالمي إلى 167 مليار متر مكعب، مع تقدير قيمة الغاز المهدور بنحو 54 مليار دولار، وكانت روسيا وإيران والعراق مسؤولة معاً عن نحو نصف الكميات المحروقة عالمياً.

لماذا يستمر الحرق في العراق؟

يرتبط استمرار الحرق في العراق بعدة أسباب متداخلة. أولها أن تطوير النفط سبق تطوير الغاز. فقد ركزت خطط ما بعد 2003 على رفع إنتاج النفط وصادراته، بينما تقدمت مشاريع الغاز بوتيرة أبطأ. وكل زيادة في إنتاج النفط تعني زيادة في الغاز المصاحب، وإذا لم تواكبها قدرة كافية على الجمع والمعالجة، ترتفع الكميات المحروقة.

السبب الثاني هو ضعف البنية التحتية. فالغاز لا يتحول إلى وقود مفيد بمجرد استخراجه، إنما يحتاج إلى محطات جمع ومعالجة وضغط وأنابيب وربط بمحطات كهرباء أو مصانع.

وفي بلد مثل العراق، حيث تتوزع الحقول وتتركز الكميات الكبرى في الجنوب، يصبح بناء هذه الشبكة مشروعاً كبيراً يتطلب تمويلاً وتنفيذاً وتنسيقاً بين وزارات وجهات متعددة.

السبب الثالث يتعلق بنموذج الاستثمار. فمشاريع الغاز تحتاج إلى عقود شراء طويلة الأجل، وأسعار مجدية، وضمانات دفع، ووضوح في العلاقة بين وزارات النفط والكهرباء والمالية. من دون هذه العناصر، يبقى المشروع ممكناً تقنياً، لكنه صعب من الناحية التجارية والإدارية.

تجارب إقليمية قابلة للاستفادة

تقدم السعودية تجربة مبكرة في تحويل الغاز المصاحب من عبء إلى قاعدة صناعية. فقد بنت المملكة شبكة الغاز الرئيسة التي جمعت الغاز من الحقول ونقلته إلى محطات الكهرباء والمصانع والبتروكيماويات. وبذلك تحول الغاز من مورد محروق إلى رافعة لتوليد الكهرباء والصناعة.

في الإمارات، جعلت "أدنوك" خفض الحرق والميثان جزءاً من استراتيجية أوسع لخفض الانبعاثات ورفع كفاءة التشغيل، مع الاعتماد على تقنيات الرصد والكشف المتقدمة. وفي قطر، ربطت "قطر للطاقة" خفض الحرق بالاستثمار في منشآت استرداد الغاز، خصوصاً في قطاع الغاز الطبيعي المسال، حيث يمكن إعادة الغاز المتبخر إلى دورة الإنتاج بدل حرقه.

أما عُمان، فتقدم تجربة مفيدة للحقول البعيدة أو المتفرقة. فالحلول لا تقتصر على الشبكات الكبرى، إنما تشمل وحدات معالجة أصغر، أو استخدام الغاز محلياً لتوليد الكهرباء في مواقع الإنتاج، أو تحويله إلى قيمة صناعية قريبة من الحقول.

ما الحلول المجدية للعراق؟

الحل الأول هو تسريع مشاريع تجميع ومعالجة الغاز في الجنوب، خصوصاً في البصرة والناصرية والغراف. فهذه المناطق تمثل مركز الثقل في إنتاج النفط والغاز المصاحب، وكل تأخير فيها يعني استمرار الحرق واستمرار الحاجة إلى الاستيراد.

الحل الثاني هو ربط عقود النفط الجديدة بشرط واضح لاستثمار الغاز. يجب أن يصبح منع الحرق جزءاً من تصميم الحقل منذ البداية، لا معالجة لاحقة بعد ارتفاع الإنتاج. ويتطلب ذلك إدخال مؤشرات أداء، وسقوف زمنية للحرق، وكلفة مالية على الحرق الروتيني، مع استثناءات محدودة لحالات السلامة والطوارئ.

الحل الثالث هو إصلاح العلاقة بين الغاز والكهرباء. فمحطات الكهرباء هي المستهلك الأكبر والأسرع قدرة على امتصاص الغاز المعالج. لذلك لا يمكن حل مشكلة الحرق من دون عقود واضحة بين النفط والكهرباء، وقدرة على الدفع، وخطة لتحديث محطات التوليد وربطها بمصادر الوقود المحلية.

الحل الرابع هو استخدام حلول مرحلية في الحقول البعيدة. فبعض المواقع لا يستطيع انتظار أنبوب كبير أو معمل مركزي. ويمكن في هذه الحالات استخدام وحدات معالجة صغيرة أو توليد كهرباء محلية من غاز كان سيُحرق. هذه الحلول لا تلغي الحاجة إلى الشبكات الكبرى، لكنها تقلل الهدر خلال مرحلة الانتقال.

الحل الخامس هو إدخال الطاقة المتجددة في منظومة الطاقة. يمكن لمشروع أرطاوي الشمسي بقدرة ألف ميغاواط أن يخفف جزءاً من الضغط على الوقود في أوقات الذروة، لكنه لا يعالج وحده مشكلة الحرق.

تساعد الطاقة الشمسية على تنويع المزيج، بينما يبقى الغاز المعالج ضرورياً لتوليد مستقر ودعم الشبكة.

اختبار 2030

يمكن اعتبار هدف إنهاء حرق الغاز المصاحب بحلول 2030 قابل للتحقيق تقنياً، لكنه صعب تنفيذياً. فالمنطقة تضم تجارب تثبت أن الحرق ليس قدراً دائماً على الدول النفطية.

وقد بنت السعودية شبكة غاز وطنية، وربطت الإمارات وقطر خفض الحرق بكفاءة التشغيل وخفض الانبعاثات، وطورت عُمان حلولاً أكثر مرونة للحقول المتفرقة.

يحتاج العراق إلى الجمع بين هذه الدروس. المطلوب شبكة غاز واسعة في الجنوب، وحلول أصغر في الحقول البعيدة، وعقود تلزم الشركات بجمع الغاز، وسوق محلية قادرة على استخدامه، وتنسيق فعلي بين النفط والكهرباء والصناعة. عندها يصبح إنهاء الحرق مشروعاً اقتصادياً متكاملاً، لا مجرد التزام بيئي.

فالغاز المحروق اليوم هو كهرباء مفقودة، وانبعاثات يمكن خفضها، وصناعة مؤجلة. وسيكون نجاح العراق في وقف الحرق بحلول 2030 مؤشراً على قدرته على الانتقال من إدارة النفط كصادرات خام إلى إدارة الطاقة كمنظومة إنتاج وقيمة وتنمية.