إتش إس بي سي يطلق الودائع المرمزة في الإمارات

  • 2026-06-22
  • 16:38

إتش إس بي سي يطلق الودائع المرمزة في الإمارات

خطوة جديدة نحو البنية المالية الرقمية العالمية

  • أولاً- الاقتصاد والأعمال

أعلن بنك "إتش إس بي سي" إطلاق خدمة الودائع المرمزة في دولة الإمارات العربية المتحدة، في خطوة تعكس تنامي دور الدولة كمركز مالي قادر على استيعاب التقنيات الجديدة وربطها بالاقتصاد الحقيقي. وتأتي هذه الخطوة ضمن استراتيجية البنك العالمية للأصول الرقمية، التي تستهدف بناء شبكة مالية أكثر سرعة وكفاءة وقدرة على العمل على مدار الساعة.

وقال محمد المرزوقي، الرئيس التنفيذي لبنك "إتش إس بي سي" الشرق الأوسط المحدود في الإمارات العربية المتحدة، إن إطلاق الخدمة يمثل "خطوة مهمة أخرى في مستقبل التحويلات المالية"، مشيراً إلى أن الإمارات تتمتع بمكانة تؤهلها لقيادة هذا التحول. وأضاف أن إدخال الودائع المرمزة إلى الدولة يعكس نضج البيئة التنظيمية المحلية في مجال الخدمات المالية الرقمية، كما يعكس وجود طلب متزايد من الشركات العاملة داخل الدولة أو عبرها على أدوات خزانة أكثر كفاءة.

وتتيح الخدمة الجديدة للشركات المؤهلة إجراء التحويلات المحلية والدولية بصورة فورية عبر تقنية البلوك تشين، وربط مراكز الخزانة بالشركات التابعة وإدارة السيولة النقدية بصورة لحظية، مع الاستفادة من موثوقية الودائع المصرفية التقليدية ومرونة البنية الرقمية الحديثة. كما تسمح بتشغيل العمليات على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، بما ينسجم مع طبيعة التجارة العالمية وسلاسل التوريد التي أصبحت تعمل بصورة مستمرة وعابرة للحدود.

ويحمل إطلاق الخدمة في الإمارات دلالات تتجاوز الجانب التقني، إذ ينضم الدرهم الإماراتي إلى شبكة العملات التي يدعمها البنك، والتي تشمل الدولار الأميركي واليورو والجنيه الإسترليني ودولار هونغ كونغ ودولار سنغافورة، بما يربط منطقة الخليج مباشرة بشبكة التدفقات التجارية والاستثمارية العالمية التي يديرها البنك. كما يعكس الإطلاق مستوى النضج التنظيمي الذي وصلت إليه الإمارات في مجال الأصول الرقمية والخدمات المالية المبتكرة.

وتستهدف الخدمة بصورة أساسية الشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات الكبرى التي تحتاج إلى إدارة أكثر كفاءة للسيولة النقدية بين فروعها المختلفة. فالتحويلات الفورية، وتقليص العمليات اليدوية، وتحسين إدارة رؤوس الأموال التشغيلية، وتوفير رؤية آنية للأرصدة النقدية، تمثل عناصر تزداد أهميتها بالنسبة للشركات العاملة في بيئة اقتصادية تعتمد على السرعة والربط المستمر بين الأسواق.

الودائع المرمزة تدخل القطاع المصرفي التقليدي

تمثل الودائع المرمزة إحدى أبرز حلقات التقارب بين النظام المصرفي التقليدي وتقنيات البلوك تشين. فالوديعة المرمزة هي في جوهرها وديعة مصرفية عادية موجودة لدى البنك، يجري تمثيلها رقمياً على شبكة بلوك تشين، بما يسمح بنقلها وتسويتها بصورة أسرع وأكثر شفافية، مع بقاء الأموال خاضعة للأنظمة المصرفية والرقابية المعتادة.

ويختلف هذا النموذج عن العملات المشفرة التقليدية والعملات المستقرة الخاصة، إذ إنه يعتمد على أموال مصرفية حقيقية ويستند إلى الميزانية العمومية للبنك نفسه. لذلك تنظر المؤسسات المالية الكبرى إلى الودائع المرمزة باعتبارها إحدى الأدوات القادرة على بناء جسر بين النظام المالي التقليدي وعالم الأصول الرقمية.

وقد شهدت الأعوام الأخيرة تسارعاً في تطوير هذا النوع من الحلول. فقد أطلقت مؤسسات مثل "جي بي مورغان" و"سيتي" و"يو بي إس" السويسري وبنوك آسيوية عدة مشاريع مرتبطة بالودائع المرمزة والبنية التحتية للأصول الرقمية، بينما تعمل البنوك المركزية في عدد من الدول على دراسة كيفية ربط العملات الرقمية للبنوك المركزية وشبكات المدفوعات الحديثة بالأصول الرقمية المختلفة.

التوكنة تتحول إلى اتجاه عالمي

يمثل إطلاق إتش إس بي سي لهذه الخدمة جزءاً من موجة أوسع تعرف باسم "التوكنة" أو ترميز الأصول. ويقوم هذا المفهوم على تحويل الأصول المالية والتجارية إلى رموز رقمية يمكن تداولها أو تسويتها عبر شبكات البلوك تشين. وقد توسعت تطبيقات التوكنة خلال السنوات الأخيرة لتشمل السندات والصكوك والأسهم وصناديق الاستثمار والعقارات والسلع والائتمان والودائع المصرفية.

ويعكس هذا التحول اقتناعاً متزايداً لدى المؤسسات المالية العالمية بأن البنية التقليدية للأسواق تحتاج إلى مزيد من السرعة والكفاءة والمرونة. فالأنظمة الحالية تعتمد على عدد كبير من الوسطاء، وتتطلب في كثير من الأحيان فترات تسوية تمتد إلى أيام، في حين تسمح التوكنة بتنفيذ العمليات بصورة شبه فورية، وتخفيض الكلفة التشغيلية، وتعزيز الشفافية، وتحسين إدارة السيولة، وإتاحة التداول على مدار الساعة.

وقد انتقلت التوكنة خلال السنوات الأخيرة من مرحلة التجارب المحدودة إلى الاستخدامات الفعلية. وشهدت الأسواق العالمية إصدار سندات وصكوك وأدوات مالية مرمزة، كما تعمل شركات إدارة الأصول والبنوك الكبرى على تطوير منصات مخصصة لتداول وتسوية هذه الأصول. وتشير تقديرات عدد من المؤسسات الاستشارية الدولية إلى أن قيمة الأصول المرمزة قد تصل إلى تريليونات الدولارات خلال العقد المقبل، ما يفسر تسارع الاستثمارات في هذا المجال.

سباق عالمي لبناء البنية المالية الجديدة

تشهد الأسواق المالية العالمية سباقاً متسارعاً لبناء ما يمكن وصفه بالطبقة المالية الرقمية الجديدة. فالولايات المتحدة وأوروبا وسنغافورة وهونغ كونغ والإمارات تعمل على تطوير الأطر التنظيمية والبنى التقنية اللازمة لاستقطاب الأعمال المرتبطة بالأصول الرقمية والتوكنة.

وفي هذا السياق، تسعى الإمارات إلى ترسيخ موقعها كأحد المراكز العالمية الرائدة في هذا المجال، مستفيدة من بيئة تنظيمية متقدمة وبنية تحتية مالية متطورة وموقعها كمركز للتجارة والاستثمار بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط. ويعزز دخول مؤسسات مصرفية عالمية مثل إتش إس بي سي إلى هذا المجال داخل الدولة من مكانة الإمارات كمختبر عملي لنماذج التمويل الجديدة التي يجري تطويرها على مستوى العالم.

ومع اتساع استخدام التوكنة، تتجه الأسواق المالية نحو مرحلة تصبح فيها الأموال والأصول والالتزامات المالية قابلة للحركة والتسوية بصورة فورية وعلى مدار الساعة، وهو تحول مرشح لإعادة رسم بنية المدفوعات وإدارة السيولة وأسواق رأس المال خلال السنوات المقبلة، تماماً كما أحدثت الإنترنت تحولاً جذرياً في التجارة والاتصالات خلال العقود الماضية.