الإمارات تتطلع إلى مقعد في "سويفت"
الإمارات تتطلع إلى مقعد في "سويفت"
-
كتب فيصل أبوزكي
فتح إعلان اتحاد مصارف الإمارات سعيه للحصول على تمثيل للدولة في مجلس إدارة "سويفت" باباً واسعاً للنقاش حول موقع الإمارات داخل النظام المالي العالمي وحول طبيعة المؤسسة التي تدير الجزء الأكبر من الرسائل والتحويلات المالية الدولية بين المصارف. فهذه الخطوة ترتبط بتمثيل عالي المستوى داخل مؤسسة مالية دولية مهمة، كما ترتبط بموقع الإمارات داخل واحدة من أكثر البنى التحتية المالية تأثيراً في العالم.
ويأتي هذا التوجه في وقت تواصل فيه الإمارات تعزيز حضورها كمركز عالمي للتجارة والخدمات المالية والتحويلات العابرة للحدود، مستفيدة من موقعها الجغرافي، وتوسع شبكتها اللوجستية، وتنامي دور أبوظبي ودبي كمركزين للأعمال ورؤوس الأموال وإدارة الثروات والخدمات المصرفية الدولية.
وأشار رئيس اتحاد مصارف الإمارات عبدالعزيز الغرير إلى أن الدولة أصبحت ضمن أكبر 20 دولة عالمياً في التحويلات المالية والسابعة عالمياً في التحويلات المرتبطة بالتجارة، وهو ما يشكل أحد المرتكزات الرئيسية لدعم ملفها للحصول على مقعد داخل مجلس إدارة "سويفت".
ويعكس هذا المسار رغبة إماراتية متزايدة في لعب دور مالي عالمي يتناسب مع تنامي الوزن الاقتصادي والتجاري للدولة، بعد تحول الإمارات إلى مركز رئيسي يربط التدفقات التجارية ورؤوس الأموال بين آسيا وأفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.
وبرز هذا التوجه بشكل أوضح أخيراً من خلال النقاش الدائر بين الحكومتين الأميركية والإماراتية لإقامة ترتيب رسمي لتبادل العملات (Currency Swap Arrangement)، وهي آلية تهدف إلى توفير السيولة بالعملتين وتعزيز قدرة المؤسسات المالية على إدارة التدفقات والتسويات العابرة للحدود خلال فترات الضغوط والتقلبات المالية.
ما هي "سويفت"؟
تأسست "سويفت" عام 1973 في بلجيكا تحت اسم "جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك"، بعدما قررت مجموعة من المصارف العالمية إنشاء شبكة موحدة وآمنة وسريعة لتبادل الرسائل المالية بدلاً من الأنظمة التقليدية البطيئة والمعرضة للأخطاء. واليوم أصبحت المنظمة تمثل البنية الأساسية التي تعتمد عليها المصارف والمؤسسات المالية حول العالم لإرسال أوامر الدفع والتحويلات وتعليمات التسويات المالية.
وتضم الشبكة أكثر من 11 ألف مؤسسة مالية في أكثر من 200 دولة وإقليم، ما يجعلها العمود الفقري العملي للنظام المالي العالمي.
ورغم الاعتقاد الشائع، فإن "سويفت" لا تنقل الأموال فعلياً بين الحسابات، إنما تنقل الرسائل والتعليمات المالية بين المصارف. فعندما يقوم بنك في الإمارات بتحويل أموال إلى بنك في نيويورك أو سنغافورة، فإن "سويفت" تنقل الرسالة المشفرة التي تتضمن تفاصيل العملية بين الطرفين، بينما تتم التسوية المالية الفعلية عبر الحسابات المصرفية المراسلة.
لكن أهمية "سويفت" تجاوزت الجانب التقني منذ سنوات طويلة، لأنها أصبحت تمثل عملياً اللغة المشتركة للنظام المالي العالمي، والنقطة التي تمر عبرها نسبة ضخمة من التحويلات والمدفوعات العابرة للحدود.
كيف تحولت "سويفت" إلى أداة نفوذ عالمي؟
مع توسع منظومة العقوبات المالية الغربية خلال العقدين الماضيين، تحولت "سويفت" تدريجياً إلى عنصر شديد الحساسية في الصراعات الاقتصادية والجيوسياسية. فحرمان أي دولة أو مصرف من الوصول إلى الشبكة يعني عملياً عزله عن جزء كبير من النظام المالي العالمي.
وقد ظهر ذلك بوضوح في حالات استبعاد بنوك إيرانية من الشبكة تحت ضغط العقوبات الأميركية والغربية، ثم لاحقاً مع استبعاد عدد من البنوك الروسية بعد الحرب الأوكرانية.
ومن هنا بدأت دول عديدة تنظر إلى "سويفت" ليس فقط كبنية مالية محايدة، بل كأداة يمكن استخدامها ضمن منظومة العقوبات والنفوذ الغربي المرتبط بالدولار والنظام المالي الأميركي.
وهذا ما دفع قوى دولية كبرى إلى محاولة تطوير بدائل أو شبكات موازية تقلل اعتمادها على النظام المالي الغربي التقليدي.
تحديات تواجه "سويفت" والنظام المالي القائم
تواجه "سويفت" اليوم تحديات متزايدة مع تصاعد الجهود الدولية لبناء أنظمة دفع وتسوية أقل ارتباطاً بالدولار وبالبنية المالية الغربية. فقد طورت الصين خلال السنوات الأخيرة نظام CIPS للمدفوعات العابرة للحدود باليوان، وتسعى إلى توسيع استخدامه مع تنامي التجارة الصينية العالمية.
كما عملت روسيا بعد العقوبات الغربية على توسيع شبكاتها البديلة للمدفوعات الداخلية والخارجية، فيما تصاعدت النقاشات داخل مجموعة "بريكس" حول تعزيز استخدام العملات المحلية في التجارة البينية وتقليص الاعتماد على الدولار في التسويات التجارية.
وفي موازاة ذلك، بدأت العملات المشفرة، ولا سيما العملات المستقرة (Stablecoins)، تفرض نفسها تدريجياً كأحد التحديات الجديدة أمام شبكات المدفوعات التقليدية. فهذه العملات تتيح تنفيذ تحويلات وتسويات مالية عابرة للحدود بصورة مباشرة وسريعة وعلى مدار الساعة، من دون المرور الكامل بالبنية المصرفية التقليدية أو بشبكات الرسائل المالية مثل "سويفت". وقد بدأت شركات مالية وتقنية عالمية، إضافة إلى بعض المصارف، اختبار استخدام العملات المستقرة في المدفوعات الدولية وتمويل التجارة والتحويلات بين الشركات.
كما أن تنامي الاهتمام الرسمي بالعملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs) يفتح الباب أيضاً أمام نماذج جديدة من التسويات العابرة للحدود قد تقلل مستقبلاً الاعتماد على الشبكات التقليدية الحالية.
ولا يعني ذلك أن "سويفت" مهددة بفقدان موقعها قريباً، لأن الشبكة ما تزال تتمتع بأكبر قاعدة مستخدمين وبثقة تشغيلية عالية وبترابط عميق مع النظام المصرفي العالمي والدولار الأميركي. لكن العالم المالي يتحرك تدريجياً نحو مزيد من التعددية في أنظمة المدفوعات والتسويات، وهو ما يدفع "سويفت" نفسها إلى تطوير خدماتها وربطها بالتقنيات المالية الجديدة للحفاظ على موقعها داخل النظام المالي العالمي.
كيف تُدار "سويفت"؟
تعمل "سويفت" كشركة تعاونية مملوكة من المؤسسات المالية الأعضاء فيها، وتخضع للقانون البلجيكي، كما تخضع لرقابة مجموعة من البنوك المركزية الكبرى بقيادة البنك الوطني البلجيكي وبالتنسيق مع بنوك مركزية من مجموعة العشر.
وتدار المؤسسة عبر مجلس إدارة يمثل كبار المستخدمين العالميين للشبكة من المصارف والمؤسسات المالية الكبرى. وتؤكد "سويفت" أن تركيبة المجلس تستند إلى حجم استخدام الشبكة وإلى التوازن الجغرافي وطبيعة الأسواق المالية العالمية.
وخلال عام 2026 بدأت المؤسسة الانتقال إلى نموذج حوكمة جديد يتضمن إنشاء مجلس إشرافي يضم أعضاء مستقلين إلى جانب ممثلين عن المساهمين، في إطار تعزيز الرقابة والحوكمة بما يتناسب مع أهمية "سويفت" كنظام مالي عالمي بالغ الحساسية.
كيف يتم اختيار أعضاء مجلس الإدارة؟
لا يتم اختيار أعضاء مجلس إدارة "سويفت" وفق تمثيل سياسي مباشر للدول، بل وفق مزيج من حجم استخدام المؤسسات والدول للشبكة، وأهمية المؤسسات المالية المشاركة، والثقل العالمي والإقليمي للأسواق التي تمثلها.
ويتم انتخاب أعضاء المجلس من قبل المؤسسات المالية المالكة خلال الجمعية العمومية للمساهمين، وتمتد الولاية عادة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، مع تجديد جزء من المجلس دورياً لضمان الاستمرارية. كما ينتخب المجلس رئيسه ونائب الرئيس من بين الأعضاء.
وعملياً، تهيمن المصارف والمؤسسات المالية الكبرى الأكثر نشاطاً في المدفوعات الدولية وتمويل التجارة على الجزء الأكبر من المقاعد، ما يفسر الحضور القوي للمصارف الأميركية والأوروبية والآسيوية الكبرى داخل المجلس.
من يهيمن على مجلس الإدارة حالياً؟
يضم مجلس إدارة "سويفت" ممثلين عن مؤسسات مالية عالمية كبرى مثلJPMorgan ، Citi ،HSBC ،Santander ،Bank of China ،UBS ،ING ،MUFG وNatWest، وغيرها. ويرأس المجلس حالياً غرايم مونرو من" جي بي مورغان"، فيما تتولى سامانثا إيمري من "مجموعة لويدز المصرفية" منصب نائب الرئيس.
وتعكس تركيبة المجلس موازين القوة داخل النظام المالي العالمي، حيث يتركز النفوذ بصورة رئيسية في الولايات المتحدة وأوروبا والصين واليابان وبعض المراكز المالية الكبرى.
ماذا عن دول الشرق الأوسط؟
لا يوجد حالياً تمثيل مباشر واضح لدول الخليج أو غيرها من البلدان العربية داخل مجلس إدارة "سويفت"، رغم تنامي أهمية المنطقة في التجارة والطاقة والتدفقات المالية العالمية. ولا تظهر مصارف خليجية ضمن الأعضاء الحاليين للمجلس، وهو ما يفسر جزئياً أهمية التحرك الإماراتي الحالي.
فالإمارات ترى أن موقعها الحالي في الاقتصاد العالمي لم يعد ينسجم مع محدودية حضورها داخل المؤسسات التي تدير النظام المالي العالمي، خصوصاً في ظل تحولها إلى مركز دولي للتحويلات وتمويل التجارة والخدمات المصرفية العابرة للحدود والتكنولوجيا المالية.
لماذا تريد الإمارات مقعداً داخل "سويفت"؟
بالنسبة إلى الإمارات، فإن الحصول على تمثيل داخل مجلس إدارة "سويفت" يحمل أبعاداً تتجاوز البعد الرمزي. فهو يمنح الدولة حضوراً داخل المؤسسة التي تشارك عملياً في رسم مستقبل المدفوعات الدولية والبنية المالية العابرة للحدود.
كما يتيح للإمارات الاقتراب أكثر من النقاشات المتعلقة بالأمن السيبراني المالي، والعملات الرقمية للبنوك المركزية، والمدفوعات الفورية، والتشريعات التنظيمية، ومستقبل شبكات التحويلات العالمية في عالم يشهد تغيرات متسارعة.
وفي الخلفية أيضاً، هناك إدراك متزايد بأن النظام المالي العالمي يدخل مرحلة أكثر تعقيداً وتنافسية، مع تصاعد الصراع بين النماذج الغربية والآسيوية للمدفوعات والتسويات، ومع سعي قوى دولية عديدة إلى بناء شبكات مالية أكثر استقلالية عن الدولار وعن النفوذ المالي الأميركي.
وهنا، تبدو الإمارات وكأنها تسعى إلى تثبيت موقعها داخل قلب النظام المالي العالمي القائم، مع الاستعداد في الوقت نفسه لعالم مالي أكثر تعددية وتنافساً خلال السنوات المقبلة.
الأكثر قراءة
-
الإمارات تبني نموذجاً جديداً لإدارة الدولة والاقتصاد بالذكاء الاصطناعي
-
مظلة الدولار للإمارات: أداة نقدية أم ترقية في طبيعة التحالف؟
-
"سالك" تُدخِل السعودية إلى قلب تجارة الغذاء العالمية عبر تملك "أولام"
-
"إي آند": نتائج الربع تُظهر اتساع قاعدة النمو وتماسك الربحية
-
تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة في السعودية: من فجوة ائتمانية إلى منظومة تمويل متكاملة

