الائتمان المصرفي السعودي عند مستويات قياسية… تمويل التحول الاقتصادي يواصل دفع النمو

  • 2026-05-12
  • 01:36

الائتمان المصرفي السعودي عند مستويات قياسية… تمويل التحول الاقتصادي يواصل دفع النمو

  • أولاً- الاقتصاد والأعمال

يعكس وصول الائتمان المصرفي في السعودية إلى مستوى قياسي جديد عند 3.335 تريليونات ريال في نهاية فبراير 2026، حجم التحول الذي يشهده الاقتصاد السعودي منذ إطلاق رؤية 2030، من حيث توسع النشاط الاقتصادي والاستثماري واتساع دور القطاع المصرفي في تمويل هذا التحول وتحمله جزءا أساسيا من دورة النمو الجديدة التي تقودها المشاريع الكبرى والاستثمارات الحكومية والخاصة.

وتظهر بيانات النشرة الإحصائية الشهرية الصادرة عن البنك المركزي السعودي (ساما) أن الائتمان المصرفي الممنوح للقطاعين العام والخاص ارتفع بنسبة 9.6 في المئة على أساس سنوي، بزيادة تقارب 292 مليار ريال مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما واصل تسجيل نمو شهري وإن بوتيرة أكثر هدوءا بلغت 0.5 في المئة خلال فبراير وحده.

ويأتي هذا النمو في وقت يشهد فيه الاقتصاد السعودي أكبر دورة استثمارية في تاريخه الحديث، مدفوعة بمشاريع البنية التحتية العملاقة، والتوسع العمراني، والاستثمارات الصناعية واللوجستية والسياحية، إضافة إلى نمو القطاع الخاص وتوسع الشركات في الاقتراض لتمويل التوسعات والاستحواذات ورأس المال العامل.

البنوك تتحول إلى شريك مباشر في تمويل رؤية 2030

خلال السنوات الماضية، تحول القطاع المصرفي السعودي تدريجيا من ممول تقليدي للاقتصاد إلى شريك رئيسي في تنفيذ رؤية 2030. فالمصارف باتت تمول قطاعات لم تكن تشكل في السابق جزءا أساسيا من محافظها الائتمانية، مثل السياحة والترفيه والخدمات اللوجستية والتقنية والطاقة المتجددة والتطوير العقاري الضخم.

وتظهر الأرقام أن جزءا كبيرا من النمو الائتماني خلال الأعوام الأخيرة ارتبط بتمويل المشاريع العملاقة المرتبطة بالرؤية، سواء بشكل مباشر عبر القروض وتمويل المشاريع، أو بشكل غير مباشر عبر تمويل الشركات المتعاقدة وسلاسل التوريد المرتبطة بهذه المشاريع.

كما أن توسع صندوق الاستثمارات العامة والشركات التابعة له في تنفيذ مشاريع ضخمة رفع الطلب على التمويل المحلي، في وقت تسعى فيه المملكة إلى زيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد ورفع حجم الاستثمار المحلي والأجنبي، ما خلق طلبا واسعا على الائتمان المصرفي.

هيمنة التمويل طويل الأجل تعكس طبيعة الاقتصاد الجديد

ومن أبرز المؤشرات التي تعكس طبيعة المرحلة الاقتصادية الحالية، استحواذ الائتمان طويل الأجل، أي التمويل الذي تتجاوز مدته ثلاث سنوات، على نحو 48.6 في المئة من إجمالي الائتمان بقيمة بلغت 1.622 تريليون ريال.

ويعكس ذلك انتقال الاقتصاد السعودي نحو دورة استثمارية طويلة الأمد تحتاج إلى تمويلات تمتد لسنوات، خصوصا في مشاريع البنية التحتية والعقار والطاقة والصناعة والنقل والخدمات اللوجستية.

في المقابل، بلغ حجم الائتمان قصير الأجل 1.257 تريليون ريال، بما يمثل 37.7 في المئة من إجمالي الائتمان، وهو ما يرتبط بتمويل التجارة ورأس المال العامل والنشاط التشغيلي للشركات، فيما بلغ الائتمان متوسط الأجل نحو 456 مليار ريال.

وتشير هذه التركيبة إلى أن النمو الائتماني لم يعد قائما فقط على التمويل الاستهلاكي أو القروض قصيرة الأجل، بقدر ما بات يرتبط بصورة متزايدة بتمويل استثمارات إنتاجية طويلة المدى، وهو تحول مهم في بنية الاقتصاد السعودي.

نمو اقتصادي واسع يقود الطلب على التمويل

ويأتي هذا التوسع الائتماني بالتوازي مع استمرار نمو الأنشطة غير النفطية في المملكة، والتي أصبحت المحرك الأساسي للاقتصاد السعودي خلال السنوات الأخيرة.

فقطاعات مثل الإنشاءات، والتطوير العقاري، والصناعة، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والتجارة، والتقنية، شهدت توسعا كبيرا رفع الطلب على التمويل المصرفي، سواء من الشركات الكبرى أو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

كما ساهمت برامج الدعم الحكومية ومبادرات "ساما" وبرامج الضمان والتمويل في تعزيز قدرة القطاع الخاص على الوصول إلى التمويل، خصوصا مع تركيز الرؤية على رفع مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي.

وفي الوقت نفسه، استفادت البنوك السعودية من ارتفاع أسعار الفائدة خلال السنوات الماضية، ما عزز هوامش الربحية ورفع قدرتها على التوسع في الإقراض، رغم بدء دورة خفض الفائدة تدريجيا خلال 2025 تماشيا مع تحركات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

هل يثير النمو السريع للائتمان مخاوف؟

ورغم قوة النمو الائتماني، فإن القطاع المصرفي السعودي ما زال يتمتع بمستويات رسملة وسيولة قوية مقارنة بالعديد من الأسواق الناشئة، وفقا لبيانات "ساما" وتقارير وكالات التصنيف الدولية.

إلا أن استمرار نمو الائتمان بوتيرة مرتفعة يفرض على البنوك تحديات تتعلق بإدارة السيولة وجودة الأصول وتكلفة التمويل، خصوصا مع ضخامة المشاريع الجاري تنفيذها وحجم الاحتياجات التمويلية المتوقعة خلال السنوات المقبلة.

كما أن المنافسة المتزايدة بين البنوك على تمويل المشاريع الكبرى قد تضغط مستقبلا على الهوامش الربحية، خاصة إذا استمرت أسعار الفائدة في التراجع تدريجيا.

وفي المقابل، يرى كثير من المحللين أن الاقتصاد السعودي ما زال في بداية دورة استثمارية طويلة قد تستمر لسنوات، ما يعني أن الطلب على الائتمان مرشح للبقاء قويا، خصوصا مع استمرار الإنفاق الحكومي، وتوسع الاستثمارات الخاصة، وتسارع مشاريع البنية التحتية والتحول الصناعي واللوجستي.

الاقتصاد السعودي يدخل مرحلة مختلفة

تكشف أرقام الائتمان المصرفي في جوهرها عن تحول أعمق من مجرد ارتفاع في حجم القروض. فهي تعكس اقتصادا يتحرك بوتيرة استثمارية غير مسبوقة، وقطاعا مصرفيا أصبح جزءا من عملية إعادة بناء الاقتصاد السعودي الجديد.

فالسعودية تتحول من الاعتماد على الدورة النفطية التقليدية لتحريك الاقتصاد، إلى الاعتماد على منظومة اقتصادية جديدة تقوم على الاستثمار طويل الأجل، والتوسع الصناعي، وتطوير البنية التحتية، ورفع مساهمة القطاع الخاص، وتحويل المملكة إلى مركز مالي ولوجستي وصناعي إقليمي.

ووسط هذه العملية، يقف القطاع المصرفي باعتباره أحد أهم أدوات التمويل والتنفيذ، وهو ما يفسر استمرار الائتمان المصرفي في تسجيل مستويات تاريخية جديدة رغم التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية التي شهدتها المنطقة والعالم خلال العامين الماضيين.