الحرب الجديدة قد تكلف الاقتصاد اللبناني نحو 20 مليار دولار

  • 2026-03-18
  • 15:08

الحرب الجديدة قد تكلف الاقتصاد اللبناني نحو 20 مليار دولار

  • أولاً- الاقتصاد والأعمال

يشير تقرير حديث صادر عن غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان إلى أن الحرب التي اندلعت في لبنان قبل نحو أسبوعين قد تفرض كلفة اقتصادية باهظة على بلد لم يخرج بعد من أعمق أزمة مالية في تاريخه الحديث. ويقدم التقرير تقديراً أولياً للخسائر المحتملة وفق سيناريوهات زمنية مختلفة، في محاولة لقياس التأثير الاقتصادي للنزاع الجديد في ظل هشاشة البنية الاقتصادية والمالية.

يعتمد التقرير على تحليل انعكاسات الحرب في الناتج المحلي والنشاط الاقتصادي، إضافة إلى الأضرار المادية التي قد تصيب المساكن والبنية التحتية والخدمات العامة. ويضع التقرير سيناريوهين رئيسيين لتطور النزاع في المرحلة المقبلة. يفترض السيناريو الأول أن تبقى العمليات العسكرية محدودة زمنياً وتشبه الحرب التي شهدها لبنان في العام 2024، بحيث لا تتجاوز مدتها ثلاثة أشهر. أما السيناريو الثاني فيفترض تصعيداً أوسع قد يطيل أمد الحرب إلى عام كامل أو أكثر.

خسائر اقتصادية قد تصل إلى 9.5 مليارات دولار في ثلاثة أشهر

وبحسب التقديرات الواردة في التقرير، فإن الخسائر الاقتصادية في حال استمرار الحرب لفترة قصيرة قد تبلغ نحو 9.5 مليارات دولار. ويشير التقرير إلى أن هذه الخسائر تبقى أقل من الخسائر التي سجلها الاقتصاد اللبناني خلال الحرب السابقة والتي قُدرت بنحو 14.5 مليار دولار، وهو فارق يعود جزئياً إلى أن جزءاً كبيراً من الأصول التي دُمِّرت في النزاع السابق لم يُعاد بناؤه بعد، ما يقلص حجم الأصول المعرضة للتدمير مجدداً.

أما في حال استمرار الحرب لفترة أطول قد تمتد لعام كامل أو أكثر، فيتوقع التقرير أن ترتفع الكلفة الاقتصادية إلى نحو 19.5 مليار دولار، رغم افتراض أن الاقتصاد والحكومة قد يتمكنان تدريجياً من التكيف مع ظروف الحرب بما يحد من تسارع الخسائر مقارنة بالمرحلة الأولى من النزاع.

مساكن مدمرة وخدمات معطلة ونزوح سكاني

وتشمل الخسائر المحتملة تراجعاً في النشاط الاقتصادي وأضراراً مادية واسعة. فقد ركز التقرير على أربع فئات رئيسية من الأضرار التي ظهرت في الحروب السابقة ويتوقع أن تتكرر في النزاع الحالي، وهي تدمير المساكن، وتعطل الخدمات العامة، والأضرار البيئية، والنزوح السكاني.  وتشير التقديرات إلى أن المساكن التي يمكن أن تتعرض للتدمير في المرحلة القصيرة من الحرب قد تبلغ نحو نصف ما كان معرضاً للخطر في الحرب السابقة، كما تم اعتماد تقديرات مماثلة للأضرار المحتملة في الخدمات العامة والبيئة، في حين اعتُبر النزوح السكاني قريباً من المستويات التي سجلت في النزاعات السابقة.

اقتصاد ضعيف يدخل حرباً جديدة

تكتسب هذه التقديرات أهمية خاصة لأنها تأتي في وقت يعاني فيه الاقتصاد اللبناني أصلاً من ضعف شديد نتيجة الأزمة المالية التي بدأت العام 2019. فقد أدت تلك الأزمة إلى انكماش حاد في الناتج المحلي وتراجع كبير في قيمة العملة المحلية وانخفاض القدرة الشرائية للأسر، إضافة إلى انهيار القطاع المصرفي وتراجع الاستثمارات. وفي مثل هذا السياق، تصبح أي حرب جديدة ضربة إضافية لاقتصاد يفتقر أصلاً إلى هوامش الصمود.

وتُظهر التقارير الدولية حول النزاعات السابقة في لبنان حجم الهشاشة الاقتصادية التي يدخل بها البلد هذه الحرب الجديدة. فقد قدّر البنك الدولي في تقييم سابق للأضرار والخسائر الناجمة عن الحرب التي شهدها لبنان في عامي 2024 و 2025 أن الاقتصاد تكبد خسائر كبيرة في الناتج والنشاط الاقتصادي إضافة إلى أضرار واسعة في المساكن والبنية التحتية والخدمات، وتشكل تلك التقديرات الخلفية الاقتصادية التي تفسر مدى خطورة اندلاع حرب جديدة في بلد لم يتمكن بعد من إعادة بناء ما دمرته النزاعات السابقة.

ضربة للقطاعات الحيوية والاستثمار

كما إن الحرب الحالية تضرب قطاعات اقتصادية أساسية يعتمد عليها لبنان لتوليد الدخل بالعملات الأجنبية. فالقطاع السياحي، الذي كان قد بدأ يظهر مؤشرات انتعاش نسبي خلال بعض المواسم، يتعرض لضربة جديدة مع تراجع حركة السفر، كذلك تتأثر التجارة والخدمات اللوجيستية نتيجة المخاطر الأمنية واضطراب النقل، بينما يؤدي ارتفاع مستوى المخاطر السياسية والأمنية إلى تجميد الاستثمارات الخاصة وإبطاء أي محاولات لإعادة إطلاق النشاط الاقتصادي.

وتتفاقم هذه التحديات مع موجات النزوح الداخلي التي ترافقت مع العمليات العسكرية الأخيرة، حيث يضطر عدد كبير من السكان إلى مغادرة مناطق المواجهات. ويخلق ذلك ضغوطاً إضافية على المدن التي تستقبل النازحين وعلى الخدمات العامة في بلد يعاني أصلاً من محدودية الموارد المالية.

حرب قد تطيل أمد الأزمة الاقتصادية

يقدم تقرير غرفة التجارة والصناعة والزراعة صورة أولية مقلقة عن الكلفة الاقتصادية المحتملة للحرب التي اندلعت قبل أسبوعين. فحتى في السيناريو الأقصر زمنياً، قد يخسر الاقتصاد اللبناني مليارات الدولارات من الناتج والنشاط الاقتصادي. أما إذا طال أمد النزاع، فإن الخسائر قد تتضاعف لتقترب من عشرين مليار دولار، وهو رقم كبير بالنسبة لاقتصاد تقلص حجمه بشكل حاد خلال السنوات الأخيرة.

وتشير هذه التقديرات إلى أن الحرب قد تؤدي إلى تعميق الأزمة القائمة وإطالة أمد التعافي الاقتصادي لسنوات إضافية، ما يجعل استعادة الاستقرار شرطاً أساسياً ليس فقط للأمن، بل أيضاً لإعطاء الاقتصاد اللبناني فرصة حقيقية للخروج من دوامة الانهيار التي يعيشها منذ سنوات.