الكويت: إعادة البناء الهادئ نحو دور جديد في زمن التحولات
الكويت: إعادة البناء الهادئ نحو دور جديد في زمن التحولات
-
كتب فيصل أبوزكي
منذ أن تولى الأمير مشعل الأحمد الجابر الصباح الحكم، تسير الكويت في مسار مختلف عن مساراتها في فترات الركود السياسي والاقتصادي التي سبقت. انه مسار اصلاحي جديد يقوم على عملية بناء متأنية وعميقة تعيد صياغة الدولة على اسس أكثر رسوخاً وجاهزية لحقبة واعدة. ما يبدو للوهلة الاولى خطوات متفرقة، من مكافحة الفساد الاداري وترشيد القطاع العام، الى صلاحات مالية، ومراجعة ملف الجنسية، واطلاق مشاريع كبرى، هو في جوهره مشروع واحد متماسك يتمحور حول اعادة بناء الدولة. إنها مرحلة إعادة بناء شاملة للدولة وفق عملية تتجاوز الإصلاح الإداري إلى إعادة هيكلة عميقة للمؤسسات والسياسات والبنى التحتية والمالية العامة، تمهيداً لنهضة اقتصادية جديدة تستفيد من الطاقات الكامنة في المجتمع، ومن الموقع الجغرافي الاستثنائي للبلاد، ومن رصيد دبلوماسي عريق جعل من الكويت على الدوام عنصر توازن في منطقة مضطربة.
إعادة بناء الدولة ومؤسساتها
ما يجري في الكويت اليوم لا يمكن اعتباره مجرد سلسلة من الإجراءات الحكومية، بل هو مشروع لإعادة تعريف الدولة الكويتية نفسها، تتشكل من خلاله ملامح دولة مؤسسات أكثر انضباطاً وفعالية.
هذه المراجعة الهادئة التي يقودها الأمير مشعل تتسم بالاستمرارية والمنهجية، وهي تُعيد إلى الإدارة العامة روحها، وإلى المواطن ثقته، وتُعيد إلى الاستثمار بيئته الطبيعية. فالإصلاح في الكويت بات يعني اليوم "إعادة البناء" لا "إعادة الترتيب"، وهي نقطة فارقة في مسار الدولة الحديثة.
إعادة هيكلة المالية العامة والسياسات الاقتصادية
في قلب هذه العملية يقف مشروع إعادة هيكلة المالية العامة، الذي يهدف إلى رفع كفاءة الإنفاق وتوسيع قاعدة الإيرادات، وتعزيز العدالة في توزيع الموارد العامة. فالكويت، التي تمتلك واحداً من أدنى مستويات الدين إلى الناتج المحلي في العالم تجد نفسها في موقع فريد يسمح لها بتمويل عجز الميزانية عبر الاقتراض بشروط جيدة، بدلاً من السحب من احتياطاتها السيادية.
إن احتفاظ الكويت بتصنيفها الائتماني المرتفع يمنحها هامشاً مالياً كبيراً لتوسيع الاستثمار في البنى التحتية والمشاريع الكبرى، خصوصاً مع بدء تراجع أسعار الفائدة عالمياً، ما يجعل اللحظة مؤاتية لبناء اقتصاد متنوع ومستدام.
وتشير أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الناتج المحلي الحقيقي للكويت سيسجل نمواً يناهز 2.6 في المئة في 2025 بعد انكماش طفيف في 2024، على أن يستمر النمو في 2026 بوتيرة مماثلة مع ارتفاع الإنتاج النفطي وانتعاش النشاط غير النفطي. أما القطاع غير النفطي فسيبقى محور التحول، إذ يتوقع أن ينمو بنحو 2.8 في المئة سنوياً مدفوعاً بانتعاش الائتمان والإنفاق الاستثماري.
إعادة تطوير البنى التحتية والبيئة العمرانية
التحول الأبرز ربما يتمثل في العودة إلى المشاريع الكبرى التي تُعيد رسم الخريطة الاقتصادية والعمرانية للكويت. فالدولة أطلقت خلال العامين الماضيين موجة جديدة من العقود والمشاريع تجاوزت قيمتها اكثر من ثمانية مليارات دولار، وهي الأعلى منذ 2017، وتشمل تطوير شبكات الطرق والطاقة والمياه والموانئ والمدن الجديدة.
مشاريع مثل ميناء مبارك الكبير و"مدينة الحرير" والمدن الإسكانية الجديدة في المطلاع وسعد العبدالله تمثل اللبنات الاولى في بناء بنية تحتية حديثة تُؤسس لاقتصاد أكثر انفتاحاً وتنوعاً. وفي موازنة 2025–2026، خُصصت ستة مليارات دولار إضافية لمشاريع البنية التحتية الحيوية، في مؤشر على إرادة واضحة لتحريك عجلة النمو عبر الاستثمار العام.
زخم وثقة بالأسواق
كما سجلت بورصة الكويت أداءً استثنائياً خلال عامي 2024 و2025، جعلها من بين الأفضل أداءً في الخليج، مع تحسن شهية المستثمرين المحليين والأجانب. وتعتبر ملكية المستثمرين الاجانب في الاسهم الكويتية بين الاعلى في الخليج.
هذه المؤشرات ليست مجرد أرقام، بل شواهد على عودة الثقة بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى بداية مرحلة جديدة من التفاعل البناء بين السياسة الاقتصادية والقطاع المالي والاستثماري.
إحياء الروح الريادية
الكويت اليوم لا تبني مؤسساتها فقط، بل تُعيد إحياء روحها الريادية التي ميزتها في المنطقة منذ خمسينات وستينات القرن الماضي. فقد كانت سباقة في التعليم، والإعلام، والتجارة، والحياة السياسية، والعمل الأهلي. واليوم، وهي تعيد بناء اقتصادها على أسس حديثة، تستثمر في تلك الروح ذاتها، روح المبادرة والانفتاح، لتصبح بيئة اكثر جاذبية للاستثمار وللشركات الناشئة ورواد الأعمال، ووجهة لتمويل الابتكار في مجالات التكنولوجيا والخدمات.
هذه الرؤية لا تنفصل عن الواقع الإقليمي، بل تتفاعل معه بوعي. فالكويت تدرك التحولات الكبرى في الخليج، لكنها تختار مسارها الخاص: مسار بناء تدريجي متوازن يحافظ على خصوصيتها السياسية والاجتماعية، من دون أن يعزلها عن موجة التحديث والاندماج الاقتصادي التي تعيشها المنطقة.
دور إقليمي بروح متجددة
ومع هذا البناء المتكامل، المؤسسي، المالي، البنيوي، والاجتماعي، تستعد الكويت لاستعادة دورها كلاعب إقليمي فاعل ومتزن. فهي تملك ما لا تملكه كثير من الدول: رصيد دبلوماسي من الثقة، ووسطية في المواقف، وثروة مالية ضخمة في صندوقها السيادي الذي تقترب أصوله من تريليون دولار، إضافة إلى قطاع خاص ديناميكي يمتد بنشاطه إلى الأسواق الإقليمية والعالمية ومجتمع حيوي مبادر.
هذه المقومات تجعلها مؤهلة لتكون نقطة توازن جديدة في المشهد الخليجي والعربي، ومركزاً للتلاقي الاقتصادي والمالي، ومختبراً لنموذج من التنمية الخليجية، نموذج يستثمر في الإنسان والمؤسسات بقدر ما يستثمر في المشاريع الكبرى.
الكويت التي ستكون
ليست الكويت اليوم في صدد إعادة إنتاج الماضي، بل في صدد صنع مستقبل جديد يعيدها إلى قلب المعادلة الاقتصادية والسياسية في المنطقة. انها ليست عودة الى "الكويت التي كانت" بل عبور الى "الكويت التي ستكون". إنها دولة تُعيد بناء نفسها بهدوء، بإرادة صلبة، وبواقعية عالية، لكن أيضاً برؤية طموحة وهي تعرف تماماً ما تريد: أن تكون الكويت، كما كانت دائماً، صوت العقل والتوازن في السياسة، ومحرك المبادرة في الاقتصاد، وجسر التلاقي في المنطقة.
هكذا، يكتمل معنى "البناء الهادئ". انه مشروع طويل النفس، لكنه ثابت الخطى، يُعيد للدولة قدرتها على الفعل، وللاقتصاد قدرته على النمو، وللكويت مكانتها المستحقة في زمن التحولات الكبرى.
الأكثر قراءة
-
الإمارات تبني نموذجاً جديداً لإدارة الدولة والاقتصاد بالذكاء الاصطناعي
-
مظلة الدولار للإمارات: أداة نقدية أم ترقية في طبيعة التحالف؟
-
"سالك" تُدخِل السعودية إلى قلب تجارة الغذاء العالمية عبر تملك "أولام"
-
"إي آند": نتائج الربع تُظهر اتساع قاعدة النمو وتماسك الربحية
-
تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة في السعودية: من فجوة ائتمانية إلى منظومة تمويل متكاملة

