هدنة الضرورة: لماذا تحتاج الصين وأميركا إلى استراحة طويلة من حربهما الاقتصادية؟

  • 2025-10-27
  • 19:33

هدنة الضرورة: لماذا تحتاج الصين وأميركا إلى استراحة طويلة من حربهما الاقتصادية؟

  • كتب فيصل أبوزكي

لم تعدّ المنافسة بين الصين والولايات المتحدة مجرد خلاف حول الرسوم الجمركية أو فائض الميزان التجاري، بل أصبحت معركة أوسع حول من يضع قواعد الاقتصاد العالمي للقرن الحادي والعشرين. فمنذ اندلاع الحرب التجارية رسمياً في 2018، تعمقت المواجهة لتشمل مجالات التكنولوجيا والطاقة والاستثمار وسلاسل الإمداد العالمية.
واليوم، بعد عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض واطلاقه حرب التعرفات الجمركية في "يوم التحرير"، يدخل الصراع مرحلة جديدة أكثر تعقيداً. فبينما يواصل ترمب تبني خطاب "أميركا أولاً" بأسلوب أكثر براغماتية، تظهر إشارات على استعداد الجانبين لوقف التصعيد مؤقتاً. وجاء الاجتماع الأخير في كوالالمبور بين كبار المسؤولين الاقتصاديين من البلدين ليضع الأساس لقمة مرتقبة في كوريا الجنوبية تجمع الرئيسين دونالد ترمب وشي جينبينغ، وسط ترقب عالمي لما قد يسفر عنها من اتفاق هدنة اقتصادية تمتد لأشهر أو حتى سنوات.

الاقتصاد أولاً

على الجانب الأميركي، تواجه إدارة ترمب واقعاً اقتصادياً مركباً: نمو متأرجح، تضخم متجدد مدفوع بتكاليف الخدمات والرسوم الجمركية، قلق على الوظائف، اقفال حكومي، تخوف متصاعد من تقلبات الاسواق المالية نابع من قلق حول اسواق الائتمان الخاصة والاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي، وشركات أميركية تجد نفسها عالقة بين الحاجة إلى السوق الصينية ورغبة الإدارة الاميركية في تقليص الاعتماد عليها. لذلك، يُدرك ترمب أن استمرار الحرب التجارية ربما يكلف الشركات الأميركية والأسواق أكثر مما يضر بالصين، وأن تحقيق مكاسب سياسية داخلية يتطلب تخفيف حدة التوتر من دون التنازل عن موقف القوة.
أما في بكين، فالأزمة العقارية الممتدة، وتراجع ثقة المستثمرين الأجانب، وتباطؤ الصادرات كلها عوامل تدفع القيادة الصينية إلى تبني نهج أكثر مرونة في التفاوض. فالصين تدرك أن النمو المستدام يحتاج إلى بيئة خارجية مستقرة، وأن التوتر مع واشنطن يعرقل قدرتها على جذب الاستثمارات والتكنولوجيا الضرورية لتجديد اقتصادها وتسريع النمو. لذلك، تتعامل بكين مع الهدنة المقبلة كفرصة لإعادة التقاط الأنفاس وإعادة ضبط الإيقاع الاقتصادي.

السياسة الداخلية والقلق الجيوسياسي

تأتي الحسابات السياسية لتزيد من وزن خيار التهدئة. فترمب، المعروف بأسلوبه التفاوضي القائم على "الضغط ثم الصفقة"، يسعى إلى تحقيق إنجاز خارجي يعزز صورته كرئيس قادر على إعادة صياغة علاقات القوى العظمى وفق شروطه. أما شي جينبينغ، فهو بحاجة إلى فترة من الاستقرار الخارجي لتمكين إصلاحاته الداخلية وإدارة الضغوط  الناتجة عن تباطؤ النمو وفي الوقت نفسه كسب المزيد من الوقت لاحداث نقلة نوعية جديدة في انتاج التكنولوجيات المتقدمة وتعزيز استقلالية الصين في هذا المجال.

وفي السياق الجيوسياسي، يدرك الطرفان أن استمرار التوتر في آسيا قد يقود إلى سيناريوهات غير محسوبة، خصوصاً في ظل الحشود العسكرية في بحر الصين الجنوبي والتوترات حول تايوان. لذلك، فإن هدنة اقتصادية مدروسة قد تُستخدم كبوابة لخفض حرارة المشهد الاستراتيجي في المنطقة، ولو مؤقتاً.

إدارة التنافس بدل المواجهة؟

الهدنة المتوقعة بين واشنطن وبكين ليست تنازلاً من أحدهما للآخر، بل نتيجة إدراك متبادل لحدود القوة. وبحسب ما رشح من مفاوضات كوالالمبور، يجري العمل على "إطار تفاهم" يشمل خطوات عملية لتجميد تنفيذ بعض التعرفات المعلنة سابقاً وتخفيف القيود التجارية في بعض القطاعات الحساسة وتفعيل قنوات حوار دائمة لتفادي الأزمات المفاجئة.
من أبرز ملامح الهدنة المحتملة:  تخفيف تدريجي للقيود على الصادرات التكنولوجية غير الحساسة، بما يسمح بعودة التعاون في مجالات مثل الطاقة النظيفة والطيران المدني، واستئناف الحوار المالي والتجاري رفيع المستوى لتنسيق المواقف وإدارة الخلافات، وتفاهمات ضمنية حول التقنيات الحساسة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة، وتوسيع التعاون في الملفات العالمية المشتركة مثل التغير المناخي وأمن الطاقة والديون في دول الجنوب العالمي.

هذه الهدنة، إن تمّ إعلانها في القمة المرتقبة في كوريا، ستكون مختلفة عن اتفاق المرحلة الأولى في عهد ترمب العام 2020، لأنها تنطلق من منطق إدارة الصراع لا إنهائه.

تنفس مؤقت للأسواق والاقتصاد العالمي

أي تهدئة مستدامة بين الصين والولايات المتحدة ستنعكس فوراً على الاسواق المالية والاقتصاد العالمي. الأسواق ستتنفس الصعداء، وسلاسل الإمداد ستبدأ في استعادة مرونتها، كما ستتراجع حالة القلق التي تهيمن على قطاعات التكنولوجيا والطاقة والمعادن النادرة.
بالنسبة للدول النامية والاقتصادات الصاعدة، ولاسيما في الشرق الأوسط، فإن هذه الهدنة تمثل فرصة لإعادة التموضع بين القوتين. إذ يمكن لدول الخليج مثلاً أن تواصل تنويع شراكاتها الاقتصادية والتكنولوجية دون التعرض لضغوط الاصطفاف، كما ستتيح الهدنة وقتاً ثميناً لاستقطاب الاستثمارات الأميركية والصينية معاً في قطاعات التحول الرقمي والطاقة المتجددة والبنى التحتية وغيرها.

هدنة الضرورة لا تلغي التنافس

رغم التوجه نحو التهدئة، ستظل المنافسة بين واشنطن وبكين هي السمة المهيمنة. فالصراع بين نموذجين اقتصاديين وسياسيين متناقضين لا يُحسم بصفقة مؤقتة، بل يُدار عبر موازين القوة والمصالح المتغيرة، لكن هدنة كهذه، إن تم التوصل إليها رسمياً في قمة كوريا، ستكون بمثابة استراحة استراتيجية تفرضها الضرورات الاقتصادية والسياسية على الطرفين. إنها لحظة لالتقاط الأنفاس في سباق طويل، لا نهاية له في المدى المنظور، على زعامة الاقتصاد العالمي وتشكيل ملامح النظام الجديد المتعدد الاقطاب.