عمار المالك: نتوقع بزوغ المزيد من الشركات المليارية محلياً

  • 2020-03-12
  • 11:00

عمار المالك: نتوقع بزوغ المزيد من الشركات المليارية محلياً

حوار خاص أجراه موقع "أولاً-الاقتصاد والأعمال" مع المدير التنفيذي لمدينة دبي للإنترنت

  • دبي - سليمان عوده

 تشكل مدينة دبي للإنترنت منصة رئيسية لتدعيم اقتصاد المعرفة في الإمارة، لا سيما أنها تلعب دوراً تخصصياً في دعم القطاعات التكنولوجية وإيجاد بيئة حاضنة تستقطب أبرز  وأهم الشركات العالمية. ولا يقتصر دور المدينة على هذا الأمر فحسب، إذ بدأت تضطلع حديثاً بدور الحاضنة للشركات المحلية، تؤهلها وتيسر لها سبل الازدهار والنمو، والانطلاق نحو العالمية.

وعلى مدار العقدين الماضيين، استقطبت دبي مجموعة من أبرز الشركات التكنولوجية التي انطلقت محلياً، وأضحت تمثل قصص نجاح على المستوى الإقليمي وحتى العالمي، ومنها شركة "كريم" و"سوق دوت كوم" و"دوبيزل" و"بروبيرتي فايندر" و"أنغامي"، وكلها غدت جزءاً لا يتجزأ من المشهد الرقمي المتطور ومتسارع النمو في الإمارات.

ماذا في جعبة مدينة دبي للإنترنت من مشاريع جديدة راهناً، وما أبرز التحديات التي تواجه عملها، وما الأدوار التي تلعبها في تحقيق استراتيجية دبي الذكية 2021، وأي مساهمة لها في تأصيل المعرفة والتقانة محلياً؟ موقع "أولاً-الاقتصاد والأعمال" التقى المدير التنفيذي لمدينة دبي للإنترنت عمار المالك، وطرح عليه هذه الأسئلة ليعود بالحوار التالي:

 

ما الأسس التي يقوم عليها اقتصاد المعرفة، وهل تتوفر مثل هذه الأسس في دبي، وفي الإمارات عموماً؟

 

يعتمد اقتصاد المعرفة على الابتكار الذي يشكل رأس مال المستقبل، ومحركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي وتحسين الإنتاجية، وتحويل الرؤى والنظريات إلى واقع ملموس، ودفع عجلة التنمية المستدامة لتحقيق سعادة المجتمع. وتمتلك الإمارات، ودبي، مقومات الانتقال من الاقتصاد المعرفي إلى الاقتصاد القائم على الابتكار، وقد نجحت مجموعة "تيكوم" عبر السنوات في المساهمة بالتنويع الاقتصادي لإمارة دبي بعيداً عن النفط، وتخصصت مدينة دبي للإنترنت بدعم القطاعات التكنولوجية وإيجاد البيئة الحاضنة لأهم الشركات العالمية، ومساعدة الشركات المحلية على النمو والازدهار ومن ثم التوسع في المنطقة وصولاً إلى العالم.

وفي عالم تتقدم فيه العلوم بقفزات كبيرة، أصبح لزاماً تحويل الأفكار إلى خدمات متكاملة، وإشراك المتعاملين بتصميم الخدمات، ومن أجل ذلك كله تبنت الإمارات استراتيجية للذكاء الاصطناعي، لتمثل النقلة الجديدة بعد الحكومة الذكية، وبحيث تعتمد عليها القطاعات المختلفة والبنية التحتية في مقبل الأيام، وبدورها تشكل مئوية الإمارات 2071 خارطة طريق إلى مستقبل تصوغه التكنولوجيا.

 

ما هي أبرز التحديات التي تواجهها مدينة دبي للإنترنت حالياً؟

 

أحياناً كثيرة تكون التحديات هي نفسها الفرص المتاحة أمامنا في حال أحسنا التعامل معها، واليوم نعيش في عالم تُغِّيرُ التقنيات الإحلالية علاقات الإنتاج السائدة فيه وتأخذنا إلى أماكن جديدة لم نختبرها سابقاً في تاريخنا الإنساني، فالعولمة والاقتصاد التشاركي والاقتصاد الدائري ونماذج الأعمال الجديدة لا تترك مجالاً للتراخي في عالم يشهد تغيرات سريعة تطال أوجه الحياة كلها، ونحن بطبيعة الحال نشكل جزءاً من هذا العالم، نواجه التحديات نفسها، ولكننا نعمل على تحويلها إلى فرص، ونعمل من أجل ذلك على جذب أفضل العقول والمهارات، وننجح في ذلك لسببين، أولهما بيئة الأعمال في مدينة دبي للإنترنت، والتي تضم شركات من قائمة "فورتشن 500" وشركات صغيرة ومتوسطة وشركات ناشئة ومساحات عمل حرة، ونظام رخص عمل للمبدعين المستقلين، والثاني كوننا نمثل جزءاً من دبي التي أضحت مقصداً للعمل والحياة، بسبب ما توفره من أمن واستقرار وأسلوب حياة يناسب ويستوعب شتى الثقافات، ولذلك، فإن الشركات العالمية تختار دبي مقراً لها، لما في ذلك من راحة لموظفيها الذين يجدون عوامل الراحة والترفيه لتصبح تجربة الحياة في دبي متعة للساكنين فيها وزائريها، ولذا فإننا نعتقد أننا سنصل بسهولة إلى هدفنا المتمثل في اجتذاب مزيد من المواهب، خصوصاً مع الافتتاح القريب لمركز الابتكار، والذي سيضيف مساحات للعمل والتفاعل.

 

إلى العالمية

 

ما هي الاستراتيجيات التي تنفذها مدينة دبي للإنترنت لمساعدة الشركات المحلية الناشئة على بلوغ العالمية؟

 

شهدت مدينة دبي للإنترنت قصص نجاح عالمية لشركات مليارية مثل "سوق دوت كوم" و"كريم"، ونتوقع بزوغ مزيد من الشركات والإنجازات العالمية، ونعمل في سبيل ذلك بشكل دائم على استقصاء آراء شركاء الأعمال، أي الشركات العاملة ضمن مجمعاتنا ومعرفة احتياجاتها، والعمل على تلبيتها.

كما نعمل على التعاون مع جهات حكومية وخاصة لتطوير بيئة الأعمال، ونتوجه لعقد شراكات مع مبادرات متعددة مثل مؤتمر "ستيب"، الذي أصبحنا شريكاً أساسياً له، والذي نؤمن بأهميته لدعم رواد الأعمال والشركات الناشئة.

كما أطلقت مجموعة تيكوم باقة "غو فريلانس" المخصصة لدعم المبدعين المستقلين وتوفير خيارات إقامة تناسبهم، ناهيك عن مساحات العمل الحرة والمشتركة والتي تخفف الأعباء المالية عنهم وتساعدهم على تثبيت أقدامهم وإثبات أنفسهم في مرحلة التأسيس والتي عادة ما تكون الأكثر تحدياً.

كما تسهم حاضنة الأعمال in5 للتكنولوجيا في مساعدة رواد الأعمال في مراحل عملهم الأولى على الانخراط في بيئة تفاعلية تساعدهم على فهم أنفسهم وتحديد احتياجاتهم وطموحاتهم وتطوير مشروعاتهم.

 

ما هي استراتيجية دبي الذكية 2021، وما الدور الذي تلعبه مدينة دبي للإنترنت في قلب هذه الاستراتيجية؟

 

انطلاقاً من دورها في دعم تحول دبي إلى مدينة ذكية، تستقطب منظومة الأعمال المتواجدة لدينا الشركات الصغيرة والمتوسطة وكبرى الشركات العالمية بمجال التكنولوجيا والاتصالات، والتي تستثمر في هذه المنظومة الناضجة للأعمال، ما يساعد على إرساء معايير جديدة للتميز تشترك في صياغتها شركات التكنولوجيا العالمية البارزة التي ترغب في تأسيس مراكز إقليمية لها وإطلاق مراكز ابتكار، كما توفر مدينة دبي للإنترنت منظومة أعمال متطورة للشركات بمختلف أحجامها ما يمكنها من التعاون في تقديم أفكار مستقبلية مبتكرة.

 

تأصيل التقنيات والمعرفة

 

ما هو عمل مركز الابتكار؟ وكيف تفيد منه الشركات التي تعمل في نطاق مدينة دبي للإنترنت؟

 

مركز الابتكار تبلغ مساحته 1.8 مليون قدم مربعة ويوفر مرافق وخدمات عالمية المستوى مع بنية تحتية متطورة تضيف الكثير لبيئة الأعمال التي توفرها مدينة دبي للإنترنت. وأود أن أشير هنا إلى تواجد مجموعة مراكز ومختبرات وصل عددها إلى 12 تتبع لشركات "كانون الشرق الأوسط" و"هواوي" و"ساب" و"أكسنتشر" و"فيزا" و"ماستركارد" و"مايكروسوفت" و3M و"سيسكو" و"أسينتور" و"سامسونغ" و"أوراكل". 

 

ما شروط تأصيل المعرفة التقنية، وإلى أي حد نجحت الإمارات في تحقيق هذا الهدف؟

 

تشكل التكنولوجيا اليوم العنصر المعرفي الأهم في التنمية الاقتصادية ، وتنويع الاقتصاد وتأمين فرص العمل، وينظر المشروع الحضاري الإماراتي إلى التكنولوجيا باعتبارها أداة لخدمة الإنسان وليست هدفاً بحد ذاتها، ويعتبرها ظاهرة اجتماعية حديثة تشكل انعكاساً للقيم المجتمعية، ويتم النظر إلى توطين المعرفة والتكنولوجيا على أنها عملية مستمرة تحتاج إلى الاستيراد المدروس للتكنولوجيا ومن ثم إنتاجها محلياً رويداً رويداً، حيث تقوم الإمارات بتهيئة البيئة التشريعية لأحدث التقنيات والعمل على توظيفها قبل الآخرين، ونلحظ في مجال مثل النقل والمواصلات الجهود الكبيرة لتنظيم استخدام الطائرات دون طيار والسيارات ذاتية القيادة.

وقبل غيرها، بادرت الإمارات لإنشاء وزارات للذكاء الاصطناعي والعلوم المتقدمة، وأطلقت استراتيجية الذكاء الاصطناعي، وحظي نهجها باعتراف دولي من جهات عالمية مثل المنتدى الاقتصادي العالمي الذي أعلن ضم الإمارات إلى المركز الذي أنشأه للثورة الصناعية الرابعة، لتنخرط الإمارات بذلك في تحمل مسؤولية إعداد أول بروتوكول وطني مستقبلي للبيانات والتقنيات.

وتدأب الإمارات على تطبيق التكنولوجيا الحديثة قبل غيرها، وهو أمر ضروري لتحقيق الأهداف الابتكارية والتحول الذكي. ونعمل في مدينة دبي للإنترنت على تجسيد توجهات الحكومة في أن تصبح الدولة نموذجاً عالمياً رائداً في المواجهة الاستباقية لتحديات المستقبل، وتطويع التقنيات والأدوات التي توفرها الثورة الصناعية الرابعة، ونسهم في المشاركة بصياغة نظام وطني للإبداع يرفع المقدرة التنافسية ويحقق تنمية مستدامة، ويرسخ دبي لتكون المدينة الأذكى عالمياً، ولتغدو الإمارات نموذجاً للدول التي تستثمر في المستقبل.

 

سر شرقي

ما هي أبرز الخطط المستقبلية التي تعمل عليها مدينة دبي للإنترنت؟

 

نركز على دعم مجالات تسهم في ثورة المعلومات والاتصالات والثورة الصناعية الرابعة مثل التجارة الإلكترونية والبلوك تشين، والروبوت والذكاء الاصطناعي، وأمن المعلومات، وحلول المواصلات الحديثة، والطائرات دون طيار، والطباعة ثلاثية الأبعاد، ونتيح لرواد الأعمال في مدينة دبي للإنترنت وخصوصاً في in5 فرصاً متجددة للتواصل مع شركات من أرجاء العالم.

وكجزء من مد جسور التواصل مع العالم، وقعنا مذكرة تفاهم مع الرابطة الوطنية لشركات البرمجيات والخدمات (ناسكوم)، وهي الأولى من نوعها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتهدف لجذب الشركات الهندية الصغيرة والمتوسطة الراغبة بتأسيس أعمال ومشاريع لها في الإمارات واختبار أسواق المنطقة والتوسع لاحقاً. واختار مركز التصدير الروسي مدينة دبي للإنترنت لتكون مقر المركز الروسي الأول للابتكارات الرقمية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات خارج روسيا، وهذا يتيح لشركاء الأعمال التعرف إلى سوق كبير ومهم هو السوق الروسي، وهو ما قد لا يمكنهم القيام به بسهولة انطلاقاً من أماكن أخرى في العالم.

 

ختاماً، كيف أثر اطلاعك على الثقافة اليابانية وثقافة قطاع الأعمال فيها خلال دراستك على تجربتك المهنيَّة، وما الذي طبقته من هذه الثقافة في مدينة دبي للإنترنت؟

 

التجربة اليابانية غنية جداً، ولطالما شكلت بلاد الشمس المشرقة مقصداً لطلبة إماراتيين نهلوا من تجربة هذا البلد وعملوا على استلهام أفضل الممارسات ونقلها إلى الإمارات. ولا شك في أنَّ معايشة اليابانيين ومحاولة فهم ثقافتهم شكلت جزءاً من منظومتي الفكرية التي تصوغ تفاعلي مع ما حولي على المستوى الشخصي والعملي، وقد استفدت خصوصاً من مفهوم ياباني يدعى "كايزن"، ويعني التغيير المستمر للأفضل، ويشير إلى مجموع الجهود الصغيرة والمستمرة والتي تهدف إلى تحسين الأداء، والقضاء على الهدر، وهو ما يتطلب مشاركة جماعية في هذه الجهود، التي تنعكس أيضاً على مكان العمل وإضفاء طابع إنساني عليه. كما أن "كايزن" أسلوب حياة يمكن تطبيقه على المجالات كلها، سواء التطوير الشخصي أو تطوير قطاعات الأعمال، أو مراحل الإنتاج المختلفة المطبقة في كل عمل، ويعتبر في اليابان نهجاً لبعض كبرى الشركات.

ونحن بشكل أو بآخر نجسِّد هذا المفهوم في دبي من خلال الجهود المستمرة للانفتاح على الثقافات، والتبادل المعرفي والإنساني مع مقيمين من معظم دول العالم وجنسياته، والسعي المستمر لفهم الآخر الذي ما هو إلا انعكاس لنا في صورة تشبهنا أكثر مما تتمايز عنا، لأننا في المحصلة بشر، نعيش الآمال والطموحات ذاتها ونمتلك المشاعر والأحاسيس نفسها، ولكن وباختلاف المؤثرات المحيطة والظروف التاريخية، تتشكل تجارب تغني بتنوعها وجودنا وتكاملنا الإنساني الذي لا يتعارض مع خصوصيتنا الثقافية.