"قطر للطاقة" توسّع تجارتها العالمية للغاز بمشتريات أميركية حتى عام 2054
"قطر للطاقة" توسّع تجارتها العالمية للغاز بمشتريات أميركية حتى عام 2054
-
الاقتصاد والأعمال
وقعت شركة قطر للطاقة اتفاقيتين طويلتي الأمد مع شركة شينيير الأميركية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال حتى عام 2054، في خطوة تظهر توجهاً نحو توسيع محفظتها التجارية وتنويع مصادر إمداداتها الدولية.
وتأتي الاتفاقيتان في وقت تنفذ فيه قطر، وهي من أكبر الدول المنتجة والمصدرة للغاز المسال، برنامجاً ضخماً لتوسيع طاقتها الإنتاجية، بالتوازي مع جهودها لمعالجة تداعيات حرب إيران على منشآتها وصادراتها، وتنويع مصادر إمداداتها من الغاز.
وتنص الاتفاقيتان، الموقعتان في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2026، على شراء مليوني طن سنوياً من منشأة "سابين باس" في ولاية لويزيانا، ومثلهما من منشأة "كوربوس كريستي" في ولاية تكساس. ومن المتوقع أن تبدأ الإمدادات عام 2031 وتستمر حتى نهاية عام 2054، وفق صيغة التسليم على ظهر السفينة (FOB)، التي تمنح "قطر للطاقة" مسؤولية تنظيم نقل الشحنات ومرونة توجيهها إلى الأسواق المختلفة.
وبحسب إفصاح "شينيير"، يرتبط سعر الغاز بمؤشر "هنري هب" الأميركي، مضافاً إليه رسم ثابت لم يُعلن مقداره. كما أن توريد مليون طن سنوياً من كميات "سابين باس" مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي إيجابي بشأن المرحلة الأولى من مشروع توسعة المنشأة. وتوفر هذه الترتيبات ل قطر للطاقة إمدادات طويلة الأمد، مع تنويع مراجع التسعير والمواقع الجغرافية للإنتاج.

الحرب تفرض أولويات جديدة للإمدادات
تأتي الاتفاقيتان في أعقاب الأضرار التي تعرضت لها منشآت الغاز القطرية خلال حرب إيران في مارس/آذار الماضي، والتي أدت إلى تعطيل وحدتين لإنتاج الغاز المسال بطاقة إجمالية تبلغ 12.8 مليون طن سنوياً، تعادل نحو 17 في المئة من القدرة التصديرية القطرية. وقدرت "قطر للطاقة" أن إصلاح الأضرار قد يستغرق بين ثلاث وخمس سنوات، ما دفعها إلى البحث عن إمدادات بديلة لتعويض جزء من النقص والمحافظة على التزاماتها تجاه العملاء، وفق ما كشفته رويترز في سبتمبر/أيلول الماضي.
غير أن اتفاقيتي "شينيير"، اللتين يبدأ تنفيذُهما عام 2031 وتمتدان حتى عام 2054، تندرجان ضمن توجه أوسع لتنويع مصادر الإمدادات وتطوير محفظة قطر للطاقة التجارية العالمية. فقد أضافت الحرب اعتبارات جديدة تتعلق بأمن الإمدادات وإدارة المخاطر، فيما تتوافق المشتريات طويلة الأمد مع استراتيجية الشركة لتوسيع نشاطها التجاري خارج نطاق إنتاجها المحلي.
وكانت الشركة قد لجأت إلى شراء شحنات فورية من الغاز الأميركي، قبل أن تتجه إلى التفاوض على عقود تمتد لعدة سنوات لتعويض جزء من الإنتاج المعطل. وسبق أن كشفت رويترز عن محادثات مع منتجين أميركيين، بينهم "شينيير" و"فينتشر غلوبال"، لتأمين كميات إضافية.
وأفادت في 22 أكتوبر/تشرين الأول بأن مفاوضات متقدمة تجري مع "فينتشر غلوبال" لشراء ما لا يقل عن ثلاثة ملايين طن سنوياً، من دون الإعلان عن اتفاق نهائي.

غير أن اتفاقيتي "شينيير" تحملان بعداً استراتيجياً أبعد من معالجة نقص الإنتاج الحالي، إذ يبدأ تنفيذهما في مطلع العقد المقبل ويمتد حتى منتصف القرن تقريباً. وهو ما يشير إلى توجه نحو بناء مصادر إمداد دائمة ومتنوعة، في مسار قد تكون تداعيات الحرب قد عززت دوافعه.
من التوسع الإنتاجي إلى التجارة العالمية
تتزامن المشتريات الأميركية مع استمرار قطر في تطوير مشاريع حقل الشمال، التي تستهدف رفع الطاقة الإنتاجية السنوية للغاز المسال من 77 مليون طن إلى 142 مليون طن، وفق الخطة التي أعلنت في عام 2024.
كما تمتلك "قطر للطاقة" استثمارات إنتاجية خارج البلاد، أبرزها مشروع "غولدن باس" الأميركي بالشراكة مع "إكسون موبيل"، الذي يضيف قاعدة إنتاج خارجية إلى نشاطها التقليدي في قطر.
وتكشف هذه الاستثمارات، إلى جانب اتفاقيتي "شينيير"، عن تطور نموذج أعمال الشركة نحو الجمع بين إنتاج الغاز محلياً، والمشاركة في مشاريع إنتاج خارجية، وشراء كميات من منتجين مستقلين لإعادة تسويقها دولياً. ويتيح هذا النموذج تنمية حجم النشاط التجاري بمعزل نسبياً عن وتيرة نمو الإنتاج المباشر، مع تعزيز القدرة على تلبية احتياجات العملاء من مصادر مختلفة.
وفي هذا السياق، أكد سعد بن شريدة الكعبي، وزير الدولة لشؤون الطاقة والعضو المنتدب والرئيس التنفيذي لشركة قطر للطاقة، أن الاتفاقيتين ستسهمان في توسيع وتنويع محفظة الشركة العالمية من الغاز المسال، وتعزيز قدراتها في الإمداد والتجارة، وخدمة العملاء حول العالم.
تنويع المخاطر والفرص التجارية
أظهرت حرب إيران المخاطر المرتبطة بتركز الإنتاج القطري للغاز المسال في رأس لفان، واعتماد صادراته على المرور عبر مضيق هرمز. وتتيح المشتريات الأميركية لشركة قطر للطاقة تلبية جزء من التزاماتها التجارية بشحنات تنطلق من خارج منطقة الخليج، ما يقلص تعرض هذا الجزء من أعمالها لاضطرابات الملاحة في المضيق.

ويعطيها ذلك مرونة إضافية في إدارة عقود البيع وتوزيع الشحنات بين الأسواق الآسيوية والأوروبية، وفق احتياجات العملاء وفروقات الأسعار وتكاليف النقل. كما يعزز قدرتها على المحافظة على علاقاتها التجارية في حال حدوث اضطرابات إنتاجية أو لوجستية في إحدى مناطق الإمداد.
وتوفر صيغة التسعير المرتبطة بمؤشر "هنري هب" بعدأً تجارياً إضافية، إذ تتيح لشركة قطر للطاقة شراء الغاز وفق مرجع سعري أميركي، ثم تسويقه في أسواق قد تعتمد أسعاراً مختلفة. ويمكن أن تتيح الفروقات فرصاً لتحقيق هوامش تجارية، مع بقاء الربحية مرتبطة بتكاليف الشراء والإسالة والشحن وأسعار البيع النهائية.
وفي المقابل، تفرض العقود الممتدة حتى عام 2054 التزامات طويلة الأمد في سوق تشهد توسعاً في الطاقات الإنتاجية وتغيرات في أنماط الطلب والمنافسة. وتعتمد الجدوى الاقتصادية لهذه المشتريات على كيفية إدارة المحفظة التجارية وقدرة الشركة على توظيف مرونة الإمدادات والتسعير خلال العقود المقبلة.
وتعكس الاتفاقيتان تركيز "قطر للطاقة" على استمرار الدور العالمي للغاز المسال، وسعيها إلى توظيف قاعدتها الإنتاجية واستثماراتها الخارجية وشبكة عملائها لتوسيع حضورها في التجارة الدولية. ويوفر لها هذا التوجه مصادر إضافية للإيرادات ومرونة أكبر في إدارة المخاطر، بما يدعم موقعها كمورد عالمي للغاز خلال مرحلة تشهد تحولات واسعة في صناعة الطاقة.
الأكثر قراءة

