سوريا تعيد ترتيب مؤسساتها الاقتصادية لتعزيز كفاءة التنفيذ

  • 2026-10-21
  • 16:29

سوريا تعيد ترتيب مؤسساتها الاقتصادية لتعزيز كفاءة التنفيذ

  • كتب فيصل أبوزكي

أعادت سوريا ترتيب عدد من مؤسساتها الاقتصادية الرئيسية، من خلال فصل الصناعة والتجارة الداخلية عن وزارة الاقتصاد، وتعيين رئيس جديد لمجلس إدارة الصندوق السيادي، ورئيس تنفيذي جديد للشركة السورية للبترول. وتشير هذه القرارات الرئاسية، الصادرة يومي 18 و19 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إلى مراجعة بعض الخيارات التنظيمية والإدارية، بعد نحو عام ونصف العام من تشكيل الحكومة وإطلاق مؤسسات اقتصادية جديدة.

وتبرز هذه المراجعة في وقت ينتقل فيه الاهتمام تدريجياً من إنشاء المؤسسات ووضع الأطر القانونية وإطلاق المبادرات وتوقيع الاتفاقيات الاستثمارية إلى تعزيز القدرة على التنفيذ. فالمرحلة المقبلة تتطلب إدارات أكثر تخصصاً وكفاءة، قادرة على تعبئة الاستثمارات وإعادة تنشيط الإنتاج وتحويل الخطط والاتفاقيات إلى مشاريع منفذة وإيرادات وفرص عمل.

ومن هنا، يمكن قراءة التغييرات الأخيرة بوصفها خطوات نحو تحسين توزيع المسؤوليات ورفع كفاءة الإدارة الاقتصادية، مع اختلاف طبيعة كل قرار ودوافعه ومتطلبات نجاحه.

فصل الصناعة عن الاقتصاد: مراجعة تجربة الدمج

أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 189  لعام 2026، القاضي بتعيين باسل عبد العزيز عبد الحنان وزيراً للصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك، بعد نحو عام ونصف العام من جمع هذه الاختصاصات مع الاقتصاد في وزارة واحدة برئاسة نضال الشعار.

ويمثل الفصل مراجعة لتجربة الدمج التي اعتمدت عند تشكيل الحكومة في مارس/آذار 2025، عندما أُسندت إلى وزارة واحدة مسؤوليات واسعة تشمل السياسات الاقتصادية والتجارة الخارجية والصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك.  ورغم الترابط بين هذه المجالات، فإن إدارتها تتطلب أدوات وأولويات مختلفة، خصوصاً في اقتصاد يسعى إلى إعادة بناء قاعدته الإنتاجية واستعادة علاقاته التجارية.

ويتيح الترتيب الجديد لوزارة الاقتصاد التركيز على السياسات الاقتصادية والتجارة الخارجية وتحسين مناخ الأعمال وجذب الاستثمارات، فيما تتولى الوزارة الجديدة إعادة تنشيط الصناعة وتنظيم التجارة الداخلية.  ويستحوذ هذا التخصص على وزن إضافي في ظل الحاجة إلى إعادة تشغيل المصانع المتوقفة، وتأمين الطاقة ومدخلات الإنتاج، وتحديث المعدات واستعادة القدرة التنافسية للمنتجات السورية.

كما يحمل الجمع بين الصناعة والتجارة الداخلية في حقيبة واحدة منطقاً عملياً، إذ يربط احتياجات المصانع بتوافر المواد الأولية وتوزيع المنتجات وحماية المستهلك. ويتمتع عبد الحنان بخبرة في الصناعات الهندسية والعمل الحكومي، يمكن أن تساعده في معالجة المشكلات التشغيلية للقطاع.

لكن الفصل يطرح تحدياً يتعلق بالتوفيق بين أولويات الصناعة ومتطلبات التجارة الخارجية.  فالصناعة تحتاج إلى حماية مدروسة من المنافسة غير المتكافئة وتسهيل استيراد الآلات والمواد الأولية، فيما تركز السياسة التجارية على الانفتاح وتطوير العلاقات الاقتصادية وتوسيع المبادلات. وقد تنشأ اختلافات بشأن التعريفات الجمركية والاستيراد وحماية المنتج المحلي إذا غابت آليات التنسيق بين الوزارتين.

ويرتبط نجاح الترتيب الجديد بوجود سياسة متناسقة تشجع الإنتاج المحلي وتحافظ على انسياب التجارة، وتربط حماية الصناعة بتحسين إنتاجيتها وتنافسيتها. كما يتطلب وضوحاً في توزيع الصلاحيات والمؤسسات، وهي تفاصيل لم يتناولها مرسوم تعيين الوزير الجديد.

الصندوق السيادي: ربط الاستثمارات بالقرار الاقتصادي

يرتبط تعيين عمر سامر الحلبي رئيساً لمجلس إدارة الصندوق السيادي دلالة بتعزيز ارتباط الاستثمار الحكومي بأولويات القرار الاقتصادي. ونص المرسوم رقم 191 لعام 2026 على تعيينه أيضاً مستشاراً للشؤون الاقتصادية لدى رئاسة الجمهورية، وإضافته إلى عضوية المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، مع الإبقاء على بقية أعضاء مجلس إدارة الصندوق دون تعديل.

ويوفر الجمع بين هذه المواقع امكانية تعزيز التنسيق بين السياسات الاقتصادية وإدارة الاستثمارات، وترتيب الأولويات وتسريع القرارات المتعلقة بالمشاريع.  وتزداد الحاجة إلى هذا التنسيق في ظل تعدد المؤسسات المعنية بإعادة الإعمار والاستثمار، وحجم التمويل المطلوب لتطوير البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية.

ويتمتع الحلبي بخبرة تتجاوز عشرين عاماً في الاستشارات الاقتصادية والاستثمار المؤسسي، شملت العمل مع صندوق الاستثمارات العامة السعودي وتولي مسؤوليات قيادية في شركة KPMG، وهي خبرات يمكن الاستفادة منها في تقييم المشاريع وهيكلة الشراكات وإدارة المخاطر.

وكان الصندوق قد أُحدث في يوليو/تموز 2025 بوصفه مؤسسة مستقلة مالياً وإدارياً ومرتبطة برئاسة الجمهورية، بهدف استثمار الممتلكات الحكومية غير المستغلة وتنفيذ مشاريع تنموية وإنتاجية.  وشارك منذ تأسيسه في الإعلان عن اتفاقيات استثمارية كبيرة، منها مشروع "دمشق الجديدة" مع مجموعة أرادَ الإماراتية، بقيمة استثمارية معلنة تقارب سبعة مليارات دولار.

وتتمثل الأولوية الآن في تطوير محفظة استثمارية قابلة للتنفيذ، واختيار المشاريع وفق جدواها الاقتصادية والمالية وقدرتها على توليد العوائد وفرص العمل.  ويمكن للصندوق تعبئة رؤوس الأموال والخبرات عبر الشراكات مع القطاع الخاص، خصوصاً في ظل محدودية الموارد العامة والحاجة إلى استثمارات واسعة في الصناعة والطاقة والبنية التحتية والخدمات.

وتضع هذه المسؤوليات الحوكمة والشفافية في صلب عمل الصندوق. وتتطلب إدارة الممتلكات الحكومية والاستثمارات الكبيرة تقييماً موثوقاً للموجودات، ومعايير واضحة لاختيار المشاريع والشركاء، وإفصاحاً منتظماً عن الالتزامات والعوائد وتدقيقاً مالياً مستقلاً، وفق ما نص عليه مرسوم التأسيس.

كما يستدعي جمع الحلبي بين مواقع اقتصادية متعددة وضوح الحدود بين التوجيه الاستراتيجي والإشراف على الاستثمارات والإدارة التنفيذية اليومية.  فتعزيز التنسيق مع مراكز القرار الاقتصادي يفترض المحافظة على استقلالية التقييم الاستثماري والمساءلة عن النتائج.

الشركة السورية للبترول:  أولوية الكفاءة التشغيلية

أما تعيين ماهر خليل الحسن رئيساً تنفيذياً للشركة السورية للبترول بموجب المرسوم رقم 190  لعام 2026، فيأتي بعد نحو عام من إحداثها كشركة عامة قابضة مملوكة للدولة، حلت محل المؤسسة العامة للنفط والمؤسسة العامة للتكرير والشركات التابعة لهما.

ويجمع الحسن بين خبرة في الإدارة الاقتصادية والمؤسسات الحكومية وخلفية مهنية في القطاع النفطي. فقد عمل سابقاً في شركة حيان للنفط، قبل أن يتولى وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حكومة تصريف الأعمال بين ديسمبر/كانون الأول 2024 ومارس/آذار 2025، ثم منصب نائب وزير الاقتصاد والصناعة لشؤون التجارة الداخلية وحماية المستهلك.

وقد يتيح هذا الجمع بين الخبرتين تطوير الإدارة المؤسسية والتشغيلية للشركة، مع الاستفادة من معرفته السابقة بقطاع النفط والغاز. غير أن مرسوم التعيين لم يوضح أسباب تغيير القيادة أو البرنامج المتوقع من الإدارة الجديدة.

وتتولى الشركة مسؤوليات واسعة تشمل إدارة المنشآت النفطية والغازية والشركات التابعة لها، وتطوير الإنتاج والتكرير، والمشاركة في إعداد الخطط الاستثمارية والعقود بالتنسيق مع وزارة الطاقة.  وتواجه مهمة إعادة بناء قطاع تضررت منشآته وبنيته التحتية خلال سنوات الحرب، ويتطلب تمويل وخبرات وتقنيات متخصصة.

وتشمل الأولويات إعادة تأهيل الحقول والمنشآت المتضررة، واستعادة الإنتاج، وتحسين كفاءة المصافي والإمدادات، واستقطاب شركات الطاقة الإقليمية والعالمية.  ويتطلب تنفيذ هذه المهام إدارة قادرة على تنظيم المشاريع والعقود وضبط التكاليف، إلى جانب فرق فنية متخصصة في مختلف أنشطة النفط والغاز.

وستكون قدرة الحسن على بناء فريق إداري وفني متكامل وتطوير أنظمة الإدارة والرقابة والشراكات الاستثمارية عاملاً أساسياً في تحسين الأداء.  ويكتسب ذلك وزناً خاصاً نظراً إلى ارتباط قطاع النفط والغاز بإمدادات الكهرباء والصناعة والنقل، وقدرته على تقليص فاتورة استيراد الطاقة وتوفير إيرادات عامة.

ولم يتضمن مرسوم التعيين تعديلاً في صلاحيات الشركة أو هيكلها القانوني، ما يجعل تقييم التغيير مرتبطاً بنتائج الإدارة التنفيذية الجديدة في الإنتاج والاستثمار والكفاءة التشغيلية.

من إعادة التنظيم إلى النتائج

تمثل التغييرات الأخيرة مراجعة لبعض ترتيبات إدارة الاقتصاد السوري بعد مرحلة شهدت إنشاء مؤسسات جديدة ووضع أطر قانونية وإبرام اتفاقيات استثمارية واسعة.  ويتيح فصل الاختصاصات وتجديد القيادات فرصة لتعزيز التخصص والتنسيق والكفاءة التنفيذية، مع المحافظة على وضوح المسؤوليات والحوكمة.

وسيعتمد نجاح هذه المراجعة على قدرة وزارة الصناعة على المساهمة في إعادة تشغيل القاعدة الإنتاجية، ووزارة الاقتصاد على تطوير بيئة التجارة والاستثمار، والصندوق السيادي على تعبئة رؤوس الأموال وتحويل الاتفاقيات إلى مشاريع، والشركة السورية للبترول على تحسين الإنتاج والكفاءة التشغيلية.

وتواجه هذه المؤسسات مسؤولية مشتركة في تسريع التعافي الاقتصادي وتوسيع القاعدة الإنتاجية.  وستكون المشاريع المنفذة والمصانع العاملة والإنتاج المتزايد والإيرادات وفرص العمل المعايير التي تحدد القيمة الفعلية للتغييرات الأخيرة ومدى مساهمتها في تطوير أداء الإدارة الاقتصادية السورية.