لقاء السديري والرميان... من توسيع السوق المالية السعودية إلى تعميقها

  • 2026-10-19
  • 09:00

لقاء السديري والرميان... من توسيع السوق المالية السعودية إلى تعميقها

  • كتب فيصل أبوزكي

فتح اللقاء الذي جمع رئيس مجلس هيئة السوق المالية السعودية مازن السديري ومحافظ صندوق الاستثمارات العامة ياسر الرميان، في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2026، باباً لقراءة التوجهات الجديدة لتطوير السوق المالية، خصوصاً أنه جاء بعد أيام من إعلان السديري برنامجاً للإصلاح يستهدف تحسين جودة الطروحات الأولية، وتعزيز عدالة التداولات وثقة المستثمرين ومشاركتهم.

واقتصر البيان الرسمي على الإشارة إلى بحث الموضوعات المشتركة وتعزيز التعاون بين الهيئة والصندوق. لكن اللقاء يكتسب دلالته من موقع الصندوق كأحد أكبر المستثمرين المؤسسيين في المملكة، وامتلاكه محفظة واسعة من الشركات والأصول، ودوره في تمويل التحول الاقتصادي واستقطاب رؤوس الأموال، وهي مجالات ترتبط مباشرة بمستقبل السوق المالية السعودية.

وجاء اللقاء بعد أربعة أيام من مقابلة السديري مع قناة "العربية"، التي كشف فيها عن خطة لإطلاق إصلاحات خلال 90 يوماً، مقدماً تشخيصاً مباشراً لبعض التحديات التي تواجه السوق، خصوصاً جودة الطروحات، وأداء الأسهم بعد الإدراج، وعدالة التعاملات، ومشاركة المستثمرين الأفراد.

ويجمع السديري في خلفيته المهنية بين الخبرة المباشرة في أسواق المال والعمل الحكومي. فقد شغل منصب رئيس إدارة الأبحاث في "الراجحي المالية"، وعمل في التحليل المالي والاستثماري، قبل انتقاله إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء مستشاراً.

وتوفر له هذه المسيرة خبرة في تقييم الشركات وقراءة نتائجها وسلوك المستثمرين، إلى جانب الاطلاع على أولويات السياسة الاقتصادية. وتساعد هذه الخلفية في فهم اهتمامه المعلن بجودة الطروحات وكفاءة التسعير والعوائد التي يحققها المستثمرون.

وتكشف تصريحاته وتحركاته الأولى عن تصور طموح للبناء على ما تحقق خلال السنوات الماضية، وقيادة مرحلة جديدة في تطوير الهيئة والسوق، في وقت يشهد فيه الاقتصاد السعودي تحولات واسعة تفرض متطلبات متزايدة على الأسواق المالية ودورها في تعبئة المدخرات وتمويل الاستثمار.

مرحلة توسع أرست قاعدة متينة

يستند هذا التوجه إلى قاعدة أرستها الهيئة خلال المرحلة السابقة، ولا سيما في عهد رئيسها السابق محمد القويز، الذي شهدت السوق خلال رئاسته تطويراً واسعاً لبنيتها التنظيمية والرقابية. وشمل ذلك تحديث قواعد الطرح والإدراج والإفصاح وحوكمة الشركات، وتعزيز حماية المستثمرين، وتطوير مؤسسات السوق والمنتجات الاستثمارية، وتوسيع أنشطة إدارة الأصول وأسواق الصكوك وأدوات الدين.

كما شهدت السوق انفتاحاً متدرجاً على المستثمرين الأجانب، تُوّج بقرار هيئة السوق المالية في كانون الثاني/يناير 2026 فتح السوق الرئيسية للاستثمار المباشر أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب اعتباراً من شباط/فبراير، ما وسّع نطاق مشاركتهم وأزال قيوداً سابقة على دخولهم.

وانعكست هذه الإصلاحات في توسع الإدراجات، إذ شهدت السوق الرئيسية والموازية نشاطاً كبيراً خلال الأعوام الخمسة الماضية، من بينها 44 إدراجاً في عام 2024 وحده. وارتفعت قيمة ملكية المستثمرين الأجانب إلى 423 مليار ريال بنهاية ذلك العام، فيما بلغ صافي استثماراتهم التراكمي 218 مليار ريال.

ووفق بيانات "تداول السعودية"، بلغت ملكية الأجانب 425.65 مليار ريال، تعادل نحو 113.5 مليار دولار، في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2026، فيما تجاوزت الأصول المدارة 1.2 تريليون ريال بنهاية 2025، في مؤشر إلى النمو الكبير لصناعة الاستثمار المؤسسي.

وقد ساهمت هذه التطورات في بناء سوق أكثر انفتاحاً وتنوعاً، ورفعت قدرتها على استقطاب الاستثمارات وتمويل الشركات. وهي إنجازات تمنح السديري قاعدة متقدمة للانطلاق نحو معالجة تحديات جديدة تفرضها طبيعة المرحلة المقبلة.

متطلبات جديدة للتحول الاقتصادي

تدخل السعودية مرحلة من التحول الاقتصادي تتطلب أسواقاً مالية أوسع وأكثر عمقاً وتطوراً ومرونة في أدواتها وأنظمتها. ومع اتساع دور القطاع الخاص وتنامي الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية والخدمية والتقنية، ستحتاج الشركات السعودية إلى رؤوس أموال كبيرة لتمويل النمو وتعزيز قدرتها التنافسية وتطوير منتجاتها وبناء سلاسل الإمداد المحلية. وفي هذا السياق، يرتبط طموح السديري بتطوير سوق تستجيب لحاجات التمويل المتغيرة للشركات.

كما أن توسع الشركات السعودية في الأسواق الخارجية، سواء عبر الاستثمارات المباشرة أو الاستحواذات والشراكات، سيزيد حاجتها إلى مصادر تمويل متنوعة تتيح لها بناء منصات إقليمية ودولية وتوسيع أسواقها ومصادر إيراداتها.

وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن تشهد السوق انتقال المزيد من الشركات الصاعدة إلى الإدراج، خصوصاً العاملة في التقنية المالية والتجارة الإلكترونية والاقتصاد الرقمي. وتختلف هذه الشركات في نماذج أعمالها ومراحل نموها وطرق تقييمها واحتياجاتها التمويلية عن الشركات التقليدية، ما يفرض على السوق تطوير أدواتها التنظيمية والاستثمارية لاستيعابها.

وتضع هذه التحولات أمام الهيئة مجموعة مترابطة من الأولويات، من توفير التمويل للشركات في مراحل نمو مختلفة إلى استقطاب رؤوس الأموال طويلة الأجل وتوسيع الخيارات الاستثمارية للمؤسسات والأفراد. وتأتي كفاءة التسعير والسيولة وأدوات التمويل وإدارة المخاطر، إلى جانب الإفصاح والحوكمة، في صلب قدرة السوق على الاستجابة لهذه الاحتياجات.

ومن هذا المنطلق، تأخذ إصلاحات السديري بعداً اقتصادياً أوسع في تركيزها على تحسين آليات السوق القائمة وتهيئتها لاستقبال شركات بقطاعات ونماذج أعمال جديدة، وتمويل نموها داخل المملكة وخارجها. وهذه قراءة لاتجاه برنامجه المعلن، بينما ستتضح تفاصيل الأدوات التنظيمية مع صدور الإصلاحات المرتقبة.

إصلاح الطروحات وتعزيز ثقة المستثمرين

في مقابلته مع "العربية"، قدّم السديري تشخيصاً واضحاً للتحديات التي تواجه السوق، مشيراً إلى أن ارتفاع معدلات تغطية الاكتتابات لا يكفي للحكم على نجاحها، وأن أداء الأسهم بعد الإدراج يمثل مؤشراً أساسياً إلى جودة الطروحات.

وتتعلق المسألة بالتوازن بين مصالح الشركات التي تسعى إلى جمع الأموال، والمساهمين الذين يرغبون في بيع حصصهم، والمستثمرين الذين يتحملون مخاطر شراء الأسهم. فالتقييمات المرتفعة قد تحقق عوائد كبيرة للبائعين عند الاكتتاب، لكنها تضغط على أداء الأسهم لاحقاً إذا جاءت النتائج التشغيلية دون التوقعات.

ولهذا يركز السديري على مراجعة مسؤوليات المستشارين الماليين ومديري الاكتتاب والمتعهدين بالتغطية، وتعزيز دقة الإفصاحات وواقعية التقييمات، بما يرفع جودة الشركات التي تدخل السوق ويحسن نتائج الاستثمار فيها.

ويعطي السديري المستثمرين الأفراد حيزاً واضحاً من برنامجه، إذ طرح رفع حصتهم في الاكتتابات إلى 30 في المئة، بالتوازي مع مراجعة ضوابط التداولات الخوارزمية والبيع على المكشوف. ويستهدف هذا المسار تعزيز عدالة التعاملات وتحسين فرص المشاركة وجاذبية السوق للمدخرات المحلية.

وتكتسب هذه الإصلاحات بعداً إضافياً مع ازدياد حاجة الشركات إلى التمويل. فنجاح السوق في تعبئة رؤوس الأموال يتطلب المحافظة على ثقة المستثمرين بسلامة التسعير وعدالة التداول وكفاءة الرقابة، خصوصاً مع تنوع الشركات والمنتجات الاستثمارية.

صندوق الاستثمارات العامة وتعميق السوق

تتضح دلالات لقاء السديري والرميان في ضوء العلاقة بين تطوير السوق واستراتيجية صندوق الاستثمارات العامة. فالصندوق يمتلك شركات وأصولاً يمكن أن تشكل مصدراً لطروحات مستقبلية، فيما توفر السوق قناة لتوسيع قاعدة ملكيتها وتعبئة رؤوس الأموال وإعادة توظيف الموارد في استثمارات جديدة.

وتتسع هذه العلاقة مع دخول الصندوق مرحلة تركز على تعظيم قيمة أصوله، وتحسين العوائد، وتعزيز قدرة شركات محفظته على النمو والتمويل.

وتستطيع الشركات التابعة للصندوق، عند إدراجها، المساهمة في تعميق السوق وتنويع قطاعاتها وزيادة حجم الفرص الاستثمارية. وفي المقابل، توفر السوق الأكثر كفاءة وعمقاً للصندوق وغيره من المستثمرين المؤسسيين فرصاً أوسع لإدارة استثماراتهم وتنمية محافظهم.

وتبرز هنا مصلحة مشتركة في تطوير سوق قادرة على استيعاب شركات كبيرة ومتنوعة، واجتذاب المستثمرين الدوليين، وتوفير التمويل بشروط تنافسية، بما يخدم أهداف الصندوق والتحول الاقتصادي في المملكة.

الحوكمة وتحديات المرحلة المقبلة

تشمل توجهات السديري تعزيز دور المساهمين والجمعيات العمومية ومساءلة مجالس الإدارات، وتحسين التواصل بين الشركات والمستثمرين. كما ربط استقطاب استثمارات السعوديين بتحسين جاذبية السوق المحلية وقدرتها التنافسية، وتوفير فرص استثمارية مجزية تشجع على توجيه المدخرات نحوها.

ومع توسع السوق وزيادة عدد الشركات المدرجة والمستثمرين وتنوع المنتجات المالية، أصبحت الحاجة أكبر إلى أنظمة رقابة ومساءلة تواكب حجم السوق وتعقيد عملياتها. وتكشف أولويات السديري عن توجه نحو تقييم نجاح السوق بمعايير تتجاوز عدد الإدراجات وحجم الاكتتابات إلى جودة الشركات وأدائها بعد الطرح، وكفاءة التسعير، وعدالة التعاملات، والعوائد التي تحققها الاستثمارات على المدى الطويل.

ويسعى السديري إلى البناء على ما تحقق من تطور تنظيمي وانفتاح دولي ونمو في صناعة الاستثمار، لقيادة مرحلة ترفع كفاءة السوق وتوسع قدرتها على الاستجابة لاحتياجات الاقتصاد السعودي. ويجمع التوجه الذي عرضه بين تعزيز حماية المستثمرين وتطوير أدوات التمويل واستيعاب الشركات الجديدة باحتياجاتها المتنوعة.

وهذا ما يعطي لقاء السديري والرميان دلالة تتعدى التعاون بين الهيئة وصندوق الاستثمارات العامة، إذ يعكس التقاطع المتزايد بين تطوير السوق المالية ومتطلبات التحول الاقتصادي السعودي.

لقد نجحت السوق السعودية خلال السنوات الماضية في تحقيق توسع كبير وتعزيز حضورها الدولي. ويطمح السديري إلى قيادة الخطوة التالية، بتحويل هذا الاتساع إلى عمق أكبر وقدرة أعلى على تعبئة رؤوس الأموال وتمويل نمو الشركات وتعزيز تنافسيتها محلياً ودولياً، بما يواكب طموحات الاقتصاد السعودي وتحولاته.