إعادة تشغيل الزوق والجية تختبر التحول في إدارة كهرباء لبنان
إعادة تشغيل الزوق والجية تختبر التحول في إدارة كهرباء لبنان
-
كتب فيصل أبوزكي
يشكل قرار مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان الأخير بإعادة تشغيل معملي الزوق والجية، بعد إقراره خطة للحوكمة المؤسسية قبل شهرين، مؤشراً إلى بداية تحول في إدارة قطاع الكهرباء اللبناني، الذي أصبح على مدى عقود أحد أكبر مصادر استنزاف المال العام وإضعاف الاقتصاد.
فالقراران، وإن كانا لا يشكلان حلاً شاملاً لأزمة الكهرباء، يعكسان توجهاً نحو تفعيل دور مجلس الإدارة الجديد نسبياً، والانتقال من إدارة الأزمات والخلافات إلى اتخاذ قرارات مؤسسية تستند إلى الوقائع والمعطيات الفنية والقانونية.
وتتجاوز أهمية هاتين الخطوتين نطاقهما المباشر، إذ تطرحان اختباراً لقدرة المؤسسة على استعادة زمام المبادرة في قطاع ارتبطت أزمته بتعثر الإصلاحات وتداخل الصلاحيات والمصالح السياسية والاقتصادية، وتفتحان المجال أمام مسار قد يقود إلى حلول جدية ومستدامة لمشكلة الكهرباء في لبنان.
إعادة تشغيل الزوق والجية على أسس فنية وقانونية
وافق مجلس الإدارة، في اجتماعه في 12 تشرين الأول/أكتوبر 2026، مبدئياً على إعادة تشغيل معملي الزوق والجية، استناداً إلى تقرير أعده عضوا المجلس المهندسان سامر الحسنية ومازن شبارو، بتكليف رسمي من المجلس، تناول إمكانات إعادة التشغيل والمعطيات الفنية والقانونية المرتبطة بها.

وتكمن أهمية القرار في المنهجية التي اعتمدها المجلس لمعالجة الملف، إذ سعى إلى إخراجه من دائرة الاستقطاب السياسي والسجالات الإعلامية، وإخضاعه لتقييم يستند إلى الوقائع والمعطيات التي أمكن توثيقها، تمهيداً لاتخاذ قرارات قابلة للتنفيذ. وفي هذا الإطار، كلف المجلس اللجنة الفنية الاستعانة بالشركة الصانعة MAN ، المعروفة حالياً باسم Everllence، لتحديد الوحدات القابلة للتشغيل والأعمال المطلوبة وكلفتها والمدة اللازمة لتنفيذها.
كذلك، حرص المجلس على الفصل بين إعادة التشغيل والنزاعات القضائية القائمة، ولا سيما أمام مجلس شورى الدولة، مع المحافظة على حقوق المؤسسة ومطالباتها تجاه المشغل والأطراف المعنية، وإخضاع العقود والنفقات الجديدة لموافقات مستقلة وفق الأصول القانونية.
وبذلك، وضع المجلس إطاراً لمعالجة ملف ظل عالقاً، يقوم على تحديد الوقائع والمسؤوليات والمتطلبات الفنية والمالية، مع إتاحة المجال لاستعادة قدرة إنتاجية متوقفة من دون انتظار حسم النزاعات القضائية، وبما يحفظ حقوق المؤسسة والمال العام.
الحوكمة وتفعيل دور مجلس الإدارة
يكتسب القرار دلالته المؤسسية من توقيته، بعد نحو خمسة أشهر ونصف الشهر من تعيين أعضاء جدد في مجلس الإدارة بموجب المرسوم رقم 2956 الصادر في 30 نيسان/أبريل 2026، وبعد إقرار خطة للحوكمة المؤسسية في آب/أغسطس الماضي.
وكانت "الاقتصاد والأعمال" قد تناولت هذه الخطة في مقال بعنوان "حوكمة كهرباء لبنان: مفتاح الاستثمار والتعافي"، مشيرة إلى أهميتها في تنظيم آليات اتخاذ القرار، وتحديد المسؤوليات، وتعزيز الرقابة والشفافية وتحسين الأداء المالي والتشغيلي.
وتعزز هذا المسار بقرار مجلس الوزراء في 17 أيلول/سبتمبر 2026 فصل منصبي رئيس مجلس الإدارة والمدير العام، وتعيين المهندس نسيب نصر رئيساً للمجلس، مع الإبقاء على المهندس كمال حايك مديراً عاماً، منهياً بذلك نحو 24 عاماً من الجمع بين المنصبين. ويشكل القرار خطوة مهمة في إعادة تنظيم إدارة المؤسسة، وتعزيز الدور التقريري والرقابي لمجلس الإدارة، والفصل بين مسؤولياته ومهام الإدارة التنفيذية.
وإذا كانت خطة الحوكمة قد أرست إطاراً لتنظيم المسؤوليات وآليات اتخاذ القرار والرقابة، فإن معالجة ملف الزوق والجية تمثل اختباراً عملياً بارزاً لهذا التوجه، من خلال اعتماد تقرير فني وقانوني أعده أعضاء في المجلس، والانتقال على أساسه إلى قرارات محددة للتنفيذ.
كلفة عقود من الهدر والتعطيل
تتضح أهمية هذا التحول عند النظر إلى الثمن الذي دفعه لبنان نتيجة إخفاق قطاع الكهرباء. فبحسب البنك الدولي، بلغ العجز التراكمي الذي تسبب به القطاع نحو 40 مليار دولار حتى عام 2020، فيما استحوذت التحويلات إلى مؤسسة كهرباء لبنان خلال العقد السابق للأزمة على ما يعادل نحو نصف العجز المالي للدولة. وبلغت هذه التحويلات ذروتها عام 2012 عند 2.2 مليار دولار.

وقد ساهم تمويل العجز بالاقتراض في تضخم الدين العام، فيما استنزف استيراد المحروقات موارد كبيرة من العملات الأجنبية. وفي المقابل، لم يحصل اللبنانيون على خدمة كهربائية مستقرة، واضطر المواطنون والمؤسسات إلى تحمل كلفة إضافية مرتفعة للمولدات الخاصة، بما أضعف القدرة الشرائية والتنافسية للاقتصاد.
ولم تكن الأزمة مالية أو تقنية فحسب، إذ ارتبطت أيضاً بسوء الإدارة وتعثر الاستثمارات والتجاذبات السياسية والاتهامات المتكررة بالهدر والفساد. وأصبح القطاع نموذجاً لعجز الدولة عن إدارة أحد مرافقها الأساسية، رغم الأموال الضخمة التي أنفقتها عليه.
اختبار استعادة دور الدولة
تضع هذه الخلفية قراري الحوكمة وإعادة تشغيل المعملين في إطار يتجاوز نطاقهما المباشر. فالمسألة تتعلق بقدرة مؤسسة عامة على استعادة صلاحياتها وتنظيم عملها ومعالجة الملفات العالقة، في مواجهة إرث طويل من التعطيل وتضارب المصالح.
وقد عكست السجالات الأخيرة حول الزوق والجية استمرار هذه التعقيدات، ما دفع مجلس الإدارة إلى الدعوة لإبعاد الملف عن التجاذبات السياسية والإعلامية، والتأكيد على مرجعيته في القرارات المتعلقة بالمؤسسة.
ولا تكفي إعادة تشغيل معملين أو إقرار خطة للحوكمة لإنهاء أزمة الكهرباء. فالقطاع يحتاج إلى استثمارات كبيرة في الإنتاج والشبكات، وتحسين الجباية، وخفض الهدر، وتأمين الوقود والتمويل، وإرساء إدارة مالية وتشغيلية مستدامة.
لكن أهمية التطور الأخير أنه يشير إلى إمكانية بدء مسار مختلف، تتولى فيه المؤسسة معالجة مشكلاتها عبر قرارات واضحة ومسؤوليات محددة، بدلاً من استمرار الدوران في حلقة التعطيل والخلافات.
وسيكون نجاح مجلس الإدارة في تحويل قرار الزوق والجية إلى إنتاج إضافي مجدٍ اقتصادياً أول اختبار ملموس لهذا التوجه. فاستعادة الكهرباء في لبنان تبدأ أيضاً باستعادة قدرة الدولة على إدارة مؤسساتها واتخاذ القرارات وتنفيذها، وقد يشكل ما يجري اليوم بداية تحول يفتح الطريق أمام حلول جدية ومستدامة لأزمة استنزفت البلاد طوال عقود.
الأكثر قراءة
-
العراق وتركيا يقرّبان طريق التنمية خطوة إضافية نحو التنفيذ
-
الربط السككي بين طرابلس وحمص يفتح باب التكامل اللوجستي بين لبنان وسوريا
-
السعودية والصين في 2026...شراكة تتجاوز النفط والتجارة إلى بناء مصالح أوسع
-
نادك تستحوذ بالكامل على "الراعي" وتعزز توسعها في البروتين
-
أديس تضاعف رأس المال لمواكبة نمو أعمالها

