السعودية تتحول إلى قوة عالمية في التعدين والصناعات التعدينية
السعودية تتحول إلى قوة عالمية في التعدين والصناعات التعدينية
-
أولاً- الاقتصاد والأعمال
تعكس الأرقام الجديدة التي أظهرتها إحصاءات الثروة المعدنية لعام 2024 حجم التحول الذي يشهده قطاع التعدين السعودي، أكان من حيث ارتفاع عدد الرخص التعدينية أو توسع نشاط الاستكشاف، أو من حيث انتقال القطاع تدريجياً من نشاط محدود التأثير إلى أحد الأعمدة الرئيسية التي تراهن عليها المملكة في مرحلة ما بعد النفط.
فارتفاع عدد الرخص التعدينية إلى 2401 رخصة مقارنة بـ 1985 رخصة في عام 2016، وزيادة مواقع التعدين المكتشفة إلى 5651 موقعاً، يعكسان تسارعاً واضحاً في وتيرة بناء قطاع جديد يراد له أن يصبح خلال السنوات المقبلة أحد أهم محركات النمو الصناعي والتصدير والاستثمار في الاقتصاد السعودي.
من قطاع هامشي إلى ركيزة ثالثة للاقتصاد
لكن ما يجري في المملكة يتجاوز تطوير قطاع تعدين تقليدي قائم على استخراج المواد الخام وبيعها للأسواق العالمية. فالسعودية تحاول بناء ما يمكن وصفه باقتصاد المعادن؛ أي منظومة متكاملة تمتد من الاستكشاف الجيولوجي والتعدين، إلى الصناعات التحويلية، والخدمات اللوجستية، والتصدير، وجذب التكنولوجيا والاستثمارات العالمية، وربط كل ذلك بالتحول الصناعي والاستراتيجي الذي تقوده رؤية 2030.
وخلال سنوات قليلة، تغير موقع التعدين داخل الاقتصاد السعودي بصورة جذرية. فقبل أقل من عقد، كان القطاع محدود الحضور مقارنة بالنفط والبتروكيماويات، رغم ضخامة الثروات المعدنية التي تمتلكها المملكة.
لكن منذ إطلاق رؤية 2030، بدأت الدولة إعادة بناء القطاع بالكامل عبر تحديث الأنظمة، وتوسيع أعمال المسح الجيولوجي، وتسريع إصدار الرخص، وإطلاق الحوافز الاستثمارية، وربط التعدين بالاستراتيجية الصناعية والخدمات اللوجستية والطاقة.
ثروة معدنية تتوسع مع أعمال الاستكشاف
ويفسر ذلك الارتفاع الكبير في تقديرات قيمة الثروات المعدنية السعودية، التي قفزت من نحو 5 تريليونات ريال (حوالي 1.33 تريليون دولار) قبل سنوات إلى ما يقارب 9.4 تريليونات ريال (حوالي 2.5 تريليون دولار) حالياً بعد توسع أعمال الاستكشاف والتقييم الجيولوجي. وتشمل هذه الثروات الذهب، والفوسفات، والنحاس، والزنك، والنيكل، والبوكسيت، والمعادن الأرضية النادرة، إضافة إلى اليورانيوم والمعادن الصناعية ومواد البناء.
لكن الجزء الأكبر من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بالكامل، وهو ما يفسر الحجم الكبير للاستثمارات الحالية في أعمال الاستكشاف. فما تزال لسعودية في مرحلة تأسيس قاعدة التعدين الوطنية أكثر من كونها وصلت إلى مرحلة النضج الكامل للقطاع.
ولهذا السبب تحديداً، تبدو الزيادة الكبيرة في رخص الكشف والاستطلاع أكثر أهمية من مجرد ارتفاع أعداد الرخص بحد ذاتها، لأنها تعكس اتجاهاً لبناء احتياطات مستقبلية وتوسيع الخريطة التعدينية للمملكة لعقود مقبلة.
المعادن الاستراتيجية والاقتصاد العالمي الجديد
ويكتسب هذا المسار أهمية إضافية لأن العالم يعيش حالياً سباقاً متسارعاً على المعادن الاستراتيجية المستخدمة في البطاريات والسيارات الكهربائية والطاقة المتجددة وأشباه الموصلات. فقد تحولت المعادن خلال السنوات الأخيرة من مواد أولية صناعية إلى أصول جيوسياسية واستراتيجية ترتبط بالأمن الصناعي والتكنولوجي وسلاسل الإمداد العالمية. ومن هنا، تحاول السعودية التموضع كمورد عالمي للمعادن والصناعات المرتبطة بها.
بناء سلاسل القيمة لا تصدير الخام

هنا تحديداً تظهر ملامح النموذج السعودي الذي يجري بناؤه. فالمملكة لا تريد الاكتفاء بتصدير الخام، بل تسعى إلى بناء سلاسل قيمة صناعية متكاملة حول المعادن حيث تتحقق القيمة الاقتصادية الكبرى من استخراج المعدن ومن تحويله إلى منتجات صناعية تدخل في قطاعات البناء والطيران والسيارات والطاقة والتكنولوجيا والدفاع.
ولهذا السبب، يجري تطوير منظومة كاملة تربط المناجم بالموانئ والسكك الحديدية ومناطق التصنيع والطاقة. ويبرز مجمع رأس الخير للصناعات التعدينية، ومشروع وعد الشمال للفوسفات، كنموذجين لهذا التوجه، حيث تم بناء سلاسل إنتاج متكاملة تبدأ من التعدين وتنتهي بالتصدير والصناعات التحويلية.
وفي الفوسفات مثلاً، بنت المملكة صناعة متكاملة للأسمدة الفوسفاتية جعلتها من كبار المصدرين عالمياً، مع وصول صادرات الأسمدة الفوسفاتية إلى 5.7 ملايين طن في عام 2024، وتصدر الهند لقائمة المستوردين.
أما في الألومنيوم، فقد نجحت السعودية في بناء سلسلة إنتاج تمتد من استخراج البوكسيت إلى التكرير والصهر والتصنيع، وهو ما يفسر وصول صادرات الألومنيوم إلى 283 ألف طن خلال العام الماضي.
سباق على النحاس والنيكل والمعادن النادرة
وفي الوقت نفسه، تتجه الاستراتيجية السعودية بصورة متزايدة نحو المعادن المرتبطة بالاقتصاد العالمي الجديد، خصوصاً النحاس والنيكل والمعادن الأرضية النادرة، نظراً لدورها المحوري في الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة. فالسعودية تدرك أن الطلب العالمي خلال العقدين المقبلين سيتحول بصورة متزايدة نحو هذه المعادن، مع التوسع في السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والبنية الرقمية العالمية.
"معادن" من شركة تعدين إلى منصة لبناء القطاع
وفي قلب هذا التحول تقف شركة التعدين العربية السعودية (معادن)، التي تحولت خلال العقد الأخير من شركة تعدين محلية إلى منصة استراتيجية لبناء قطاع التعدين السعودي نفسه. فدور "معادن" يجمع بين تشغيل المناجم وإنتاج المعادن، وبناء الخبرة الوطنية، وتطوير الصناعات التعدينية، وجذب الشراكات العالمية، وتأسيس سلاسل القيمة الصناعية المرتبطة بالمعادن.
ومن هذه الزاوية، تبدو "معادن" أقرب إلى الدور الذي لعبته أرامكو في النفط أو سابك في البتروكيماويات؛ أي شركة تقود بناء قطاع اقتصادي كامل، وليس مجرد شركة إنتاج تقليدية. وهذا ما يفسر توسع استثماراتها وشراكاتها الدولية، ودورها المحوري في مشاريع الفوسفات والألومنيوم والذهب والمعادن الصناعية.
استقطاب المستثمرين الأجانب والتكنولوجيا العالمية
كما أصبح المستثمرون الأجانب جزءاً أساسياً من هذه المعادلة. فالسعودية تسعى إلى جذب رؤوس الأموال واستقطاب التكنولوجيا والخبرة العالمية. ولهذا شهدت السنوات الأخيرة دخول شركات تعدين عالمية وتحالفات مع مستثمرين دوليين، بالتوازي مع تطوير البيئة التنظيمية وتحديث نظام الاستثمار التعديني وتوسيع المسوحات الجيولوجية.
وتحول مؤتمر التعدين الدولي في الرياض خلال فترة قصيرة إلى واحدة من أبرز المنصات العالمية لقطاع التعدين، في مؤشر إلى أن المملكة تسعى إلى لعب دور يتجاوز حدود السوق المحلية، وصولاً إلى التموضع كمركز إقليمي وعالمي للتعدين والصناعات التعدينية، خصوصاً في المنطقة الممتدة من أفريقيا إلى غرب ووسط آسيا.
التعدين كأداة لتنويع الاقتصاد
ويأتي كل ذلك ضمن رؤية اقتصادية أوسع تتعلق بإعادة بناء القاعدة الإنتاجية السعودية. فالمملكة تريد رفع مساهمة التعدين في الاقتصاد، وزيادة الصادرات غير النفطية، وجذب الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة والتكنولوجيا، وبناء مصادر دخل طويلة الأجل أقل ارتباطاً بتقلبات النفط.
كما يملك القطاع بعداً تنموياً داخلياً مهماً، لأن جزءاً كبيراً من الثروات المعدنية يقع في مناطق بعيدة عن المراكز الاقتصادية التقليدية. وهذا يعني أن مشاريع التعدين يمكن أن تتحول إلى محركات لبناء مدن صناعية وبنية تحتية وفرص عمل واستثمارات جديدة في مناطق متعددة من المملكة، بما ينسجم مع أهداف رؤية 2030 المتعلقة بتنويع التنمية جغرافياً.
مشروع طويل الأجل لإعادة بناء القاعدة الصناعية
ورغم هذا التقدم، لا يزال القطاع في مرحلة بناء طويلة ومعقدة. فالتعدين صناعة كثيفة رأس المال وتتطلب استثمارات ضخمة وفترات زمنية طويلة قبل تحقيق العوائد، كما أن المنافسة العالمية على المعادن الاستراتيجية تتصاعد بسرعة.
لكن الاتجاه العام يشير إلى أن السعودية تتحرك بخطوات متسارعة لتحويل التعدين إلى واحد من أكبر مشاريعها الاقتصادية الجديدة خلال العقود المقبلة كقطاع إنتاجي وكاقتصاد متكامل يقوم على المعادن والصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا.
الأكثر قراءة
-
الإمارات تبني نموذجاً جديداً لإدارة الدولة والاقتصاد بالذكاء الاصطناعي
-
مظلة الدولار للإمارات: أداة نقدية أم ترقية في طبيعة التحالف؟
-
"سالك" تُدخِل السعودية إلى قلب تجارة الغذاء العالمية عبر تملك "أولام"
-
"إي آند": نتائج الربع تُظهر اتساع قاعدة النمو وتماسك الربحية
-
تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة في السعودية: من فجوة ائتمانية إلى منظومة تمويل متكاملة

