هل يعود الاقتصاد العالمي إلى الانتعاش بعد الركود؟

  • 2023-08-06
  • 10:33

هل يعود الاقتصاد العالمي إلى الانتعاش بعد الركود؟

  • أحمد عياش

 

"كان الاقتصاديون حذرين من البيانات الاقتصادية القوية، قلقين من أنها تعني أن التضخم قد يظل مرتفعاً. الآن بدأوا في احتضانه". هذا ما كتبته النيويورك تايمز في عددها الصادر في الثالث من آب/أغسطس الحالي.

بالطبع، هذا التقييم يتصل بالاقتصاد الأميركي أولاً، فهل تبدو الصورة مختلفة في أماكن أخرى من العالم؟

 

 

قد يهمك:

"المركز": أداء إيجابي للأسواق المالية برغم رفع سعر الفائدة

 

 

 

إن الجواب على هذا السؤال يأخذ في الاعتبار أولاً الصين "التي تمثل أسرع تحول اقتصادي في تاريخ العالم"، على حدّ تعبير مارتن وولف المسؤول السابق في البنك الدولي والكاتب الاقتصادي حالياً. ويضيف وولف في حديث إلى النيويورك تايمز: "إن التحوّل الجاري في الصين حالياً، هو حتى أسرع من صعود الولايات المتحدة في أواخر القرن 19 وأوائل القرن 20 – الصين هي قوة عظمى". ويخلص وولف الى القول، إن الصين "تحتوي على نصف سكان العالم والتي كانت، كما يمكن للمرء أن يقول، مركز الحضارة لفترة طويلة جداً، بحيث إن الصين على وجه الخصوص والصعود الأوسع لآسيا قد حولت تماماً ميزان النفوذ الاقتصادي والقوة وبالتالي القوة العالمية".

بالعودة الى ما يمكن وصفه بـ "الاخبار الطيبة" التي أتت حديثاً من الولايات المتحدة الأميركية، فهي متأتية من بدء اعتدال التضخم أخيراً بشكل جدي. وفي هذا الصدد، يقول جاي برايسون، كبير الاقتصاديين في ويلز فارغو، شركة الخدمات المالية العملاقة الأميركية المتعددة الجنسية، "إن التضخم الآن يهدأ بشكل أسرع مما توقعه بعض الاقتصاديين - والأخبار الجيدة إيجابية بشكل متزايد".

بدوره، لحظ رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي، جيروم باول "أن الأدلة على مرونة المستهلك مرحب بها طالما أنها لا تخرج عن السيطرة".

وأحد الأسباب التي جعلت الاقتصاديين أكثر تفاؤلاً في الأشهر الأخيرة هو أنهم يرون علامات على تحسن جانب العرض في معادلة العرض والطلب. عادت سلاسل التوريد في الغالب إلى طبيعتها، ازدهر الاستثمار التجاري، وخصوصاً بناء المصانع. تنمو القوى العاملة، وذلك بفضل زيادة الهجرة وعودة العمال الذين تمّ تهميشهم أثناء وباء كورونا.

من الولايات المتحدة الى الصين مجدداً. بالنسبة إلى العديد من البلدان في جميع أنحاء العالم، وبخاصة مصدرو السلع الأساسية ولكن أيضاً البلدان القريبة جداً من الصين، فإن هذا هو أكبر سوق لهم. هذا هو السوق الذي يشكل صعوده وهبوطه، سواء على المدى المتوسط أو على المدى القصير، ما يحدث على أسعار السلع وفرصها وما إلى ذلك، لذلك هذا على جانب التصدير.

كما أنشأت مجموعة جديدة تماماً من الموردين، ومجموعة جديدة من المنافسين. لقد وجد عدد كبير جداً من البلدان النامية والناشئة وكذلك البلدان المتقدمة أن الصناعات التي اعتقدوا أنها راسخة ومستقرة قد تفوقت عليها الصين واختفت.

من جهة ثانية، وباعتبار الصين ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم، تعهد البنك المركزي بتوجيه المزيد من الموارد المالية نحو الاقتصاد الخاص، ما يشير إلى إلحاح جديد من بكين لتعزيز الثقة بعد ضعف الزخم الاقتصادي في الآونة الأخيرة.

وعندما نذكر الموقع الاستهلاكي للصين نفطياً، لا بدّ من الانتقال الى ما اوردته رويترز في الثالث من الشهر الحالي تحت عنوان "النفط يرتفع 2 في المئة مع استمرار شح الإمدادات في السعودية وروسيا"، وقالت إن العقود الآجلة لخام برنت 1.94 دولار، أو 2.3 في المئة، لتستقر عند 85.14 دولار للبرميل، في حين ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 2.06 دولار، أو 2.6 في المئة، ليستقر عند 81.55 دولار.

وأدى عدم وجود تحركات كبيرة في الأسعار في الأسابيع الأخيرة إلى خفض تقلبات العقود الآجلة التاريخية أو الفعلية لخام برنت لمدة 30 يوماً إلى أدنى مستوى له منذ شباط /فبراير 2022.

وقالت السعودية إنها ستمدد خفضاً طوعياً لإنتاج النفط قدره مليون برميل يومياً للشهر الثالث ليشمل أيلول/ سبتمبر، مضيفة أنه قد يتم تمديده إلى ما بعد ذلك أو تعميقه، ومن المتوقع أن يبلغ الإنتاج السعودي نحو 9 ملايين برميل يومياً في أيلول/ سبتمبر.

لا شك ان الارتفاع الجديد في أسعار النفط، يمثل بدوره "أنباء طيبة"، إذا صح التعبير، من دون ان ننسى ان الاقتصاد الصيني العملاق يتكل أولاً على نفط الخليج عموماً والسعودي خصوصاً. ولا داعي هنا للتوضيح ان تزايد الطلب على مصادر الطاقة التقليدية والمتجددة في آن، هو مؤشر لعودة عجلة الإنتاج الى الدوران بعد تراجعات فرضها أولاً وباء كورونا، وتالياً الحرب الأوكرانية التي تمضي قدماً وربما نحو الأسوأ.

وعند الكلام عن الاقتصاد السعودي، لا تقتصر "الانباء الطيبة" على ارتفاع أسعار النفط فقط، بل كذلك على موارد غير نفطية. فقد اشارت آخر المعلومات الى ان الجهود التي تقوم بها الحكومة السعودية ساهمت في تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، في تحقيق الإيرادات غير النفطية قفزة نوعية في الربع الثاني من العام الحالي. وأظهرت أرقام الميزانية التي أعلنتها وزارة المالية، أن الإيرادات غير النفطية ارتفعت بنسبة 13 في المئة في الربع الثاني، في مقابل تراجع الإيرادات النفطية بواقع 28 في المئة إلى نحو 180 مليار ريال في الفترة نفسها.

وكان صندوق النقد الدولي توقع أن يظل زخم النمو غير النفطي قوياً في المملكة، وأن يصل متوسط النمو غير النفطي إلى 5 في المئة العام 2023.

وأظهرت الأرقام أن الإيرادات العامة بلغت 314.8 مليار ريال (83.7 مليار دولار) في الربع الثاني، في مقابل مصروفات بقيمة نحو 320 مليار ريال (85.3 مليار دولار)، وهو ما أدى إلى عجز بقيمة 5.2 مليارات ريال (1.4 مليار دولار).

من "الانباء الطيبة" أيضاً ما يتصل بالتطورات الأخيرة في الذكاء الاصطناعي، لا شك في أن الدول الغربية لا تزال في الصدارة من الناحية التكنولوجية، ولكن هناك بالتأكيد منافسة حقيقية أكثر بكثير مما كانت عليه من قبل، لذلك على أبعاد متعددة، نحن نعيش في عالم مختلف جداً عن العالم الذي اعتبرناه أمراً مفروغاً منه قبل أربعة عقود. وهنا نعود مجدداً الى الصين، التي بدأت في العقد الماضي أو نحو ذلك، في إظهار العديد من خصائص الدول الغربية.

ويتسابق حالياً محللو وول ستريت للترويج لأفضل أسهم الذكاء الاصطناعي وسط زيادة في اهتمام المستثمرين، ويدعو المحللون الى البحث عن هذه الأسهم الخاصة بتحسين المنتجات أو اكتساب ميزة استراتيجية، وقد قفز مؤشر ناسداك المركب بنسبة 35 في المئة في العام 2023، لكن بعض أسهم الذكاء الاصطناعي قد تكون في حالة الفقاعة. وأحد الأسئلة الرئيسية للمستثمرين هو ما إذا كان شاغلو صناعة التكنولوجيا سيكونون الفائزين الكبار في الذكاء الاصطناعي، أم هل ستهيمن موجة جديدة من الشركات الناشئة الذكاء الاصطناعي في نهاية المطاف؟

ويستخدم الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا خوارزميات الكمبيوتر. وتهدف البرامج إلى محاكاة القدرة البشرية على التعلم وتفسير الأنماط وإجراء التنبؤات.

وتشمل أفضل أسهم الذكاء الاصطناعي التي يمكن شراؤها، صانعي الرقائق وشركات البرمجيات ومقدمي خدمات الحوسبة وعمالقة التكنولوجيا الذين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي في العديد من التطبيقات.

على أي حال، ربما يحتاج المرء الى التمعن في الآفاق التي يفتحها الذكاء الصناعي الوليد، لكن يمكن القول، إن مسلسل "الانباء الطيبة" سيحمل المزيد في الآتي من الأيام.