كورونا يُنهِك شبكات الاتصالات في السعودية

  • 2020-03-24
  • 19:02

كورونا يُنهِك شبكات الاتصالات في السعودية

  • إياد ديراني

في الوقت الذي كانت فيه "نتفلكس" و"انستغرام" و"فايسبوك" تخفّض جودة مقاطع الفيديو في منصاتها تلافياً لانهيار خدماتها وسط ارتفاع استهلاك مشتركيها في الدول التي لجأت إلى الحجر المنزلي بسبب كورونا، كانت شركات الاتصالات تتحضّر للسيناريو الأسوأ: انهيار الشبكات جزئياً أو كلياً وإطلاق خطط لإدارة الأزمات الناتجة عن كوارث.

في المنطقة، برزت السعودية التي بدأت بتسجيل أرقام استهلاك "فلكية" غير مسبوقة على الشبكات جعلتها تُطلق خطط الطوارئ لمواجهة مخاطر تعرّض الخدمات إلى التوقف الجزئي أو الكلي سواء على شبكة النقال أو الثابت. ويقول مصدر مطلع لـ "أوّلاً-الاقتصاد والأعمال" إن بعض الشركات السعودية بدأت استعداداتها لهذا السيناريو الخطير الأسبوع الماضي، لكن التطورات كانت أسرع منها إذ ارتفع استهلاك الداتا في شبكات الثابت بنحو 100 في المئة مقارنة بالفترة التي سبقت أزمة انتشار الوباء. ومن المعروف أن شبكات الاتصالات حول العالم غير مصمّمة لخدمة نسب كبيرة من مشتركيها دفعة واحدة، البعض لديه القدرة على التعامل مع 50 في المئة، والبعض الآخر مع 70 في المئة. لهذا، فإن الإقبال الكبير من المشتركين الذين عزلهم الوباء في منازلهم على استخدام الانترنت بكثافة، تسبّب في نشر "الهلع" بين إدارات شركات الاتصالات.


34.8 مليون نسمة نصفهم شباب، و32.3 مليون مستخدم انترنت في السعودية 

(إحصاءات الأمم المتحدة والاتحاد الدولي للاتصالات - 2019)   

  

وللمقارنة، فإن ثاني أكبر شبكة اتصالات في العالم وهي "فودافون"، أعلنت عن تسجيل نمو هائل في استهلاك الداتا على بعض شبكاتها، قدّر بنحو 50 في المئة مقارنة بمرحلة ما قبل الأزمة. وقد دفع هذا التطور الشركة إلى اتخاذ خطوات احترازية تمثّلت في تنفيذ خطط خاصة بـ "إدارة حركة بيانات الشبكات" Network Traffic Management بهدف تخفيض حصة بعض "التطبيقات" Apps والمنصات Platforms غير المصنّفة "حساسة" Critical من السرعة والسعة، للتأكد من استمرار تزويد القطاعات الحساسة بخدمات الانترنت المستقرة كالرعاية الصحية والمؤسسات الحكومية إضافة إلى تطبيقات التعلّم والعمل عن بُعد.  

الألعاب الرقمية "تحلّق" عاليا

الضغط الرئيسي على الشبكات في السعودية يأتي من تطبيقات منزلية كالألعاب الرقمية التي ارتفع حجم استهلاكها 115 في المئة مقارنة بالفترة التي سبقت أزمة انتشار كورونا واتخاذ اجراءات الحجر الصحي. وهذه معدلات مقلقة، خصوصا عندما يرتفع الطلب في ذات الوقت على استهلاك الداتا من جانب قطاعات حكومية معنية بإدارة أزمة كورونا. وفي لقاء هاتفي مع كل من نائب رئيس شركة "ساندفاين" Sandvine الأميركية لشؤون المبيعات في المنطقة هاشم عيد وزميله مدير قطاع خدمات القيمة المضافة الدولية وسام مسلماني، يتبيّن أن ما تعانيه شبكات الثابت في السعودية يستدعي الحذر والتصرف بشكل استبقائي. ويقول عيد: "سجّلت عدة شركات سعودية تدير شبكات ثابتة نموا في الاستهلاك بنسبة تقارب 100 في المئة، لكننا لا نزال في بداية مرحلة الحجر الصحي، ولهذا فمن المتوقع أن تتعزّز هذه النسبة في الفترة المقبلة، مع كل ما يعنيه ذلك من زيادة ضغوط على الشبكات الثابتة والنقالة. وهذا هو الوقت الذي يمكن لـ "الذكاء الاصطناعي" Artificial Intelligence أن يلعب دورا مساعدا لقيادات الشركات خصوصا في إعادة توزيع موارد الشبكات على المناطق التي تشهد معدلات طلب مختلفة، وتبعا لأنماط الاستهلاك. ويمكن لاستخدام الذكاء الاصطناعي أن يساهم أيضا في المحافظة على "جودة الاستخدام" Quality of experience لدى المستخدمين".  

 

وسام مسلماني: لاحظنا ارتفاعا "صاروخيا" في الاستهلاك الخاص

بـ "ترقية أنظمة التشغيل" بلغ 250%

 


ويشرح مسلماني الانعكاس المُحتمل للنمو المفاجئ في الاستهلاك، بالقول إن استقرار الخدمة ونوعيتها في شتى نواحي استخدامات الانترنت يصبح مُهددا، ما يتطلب النظر في إمكانية إعادة توزيع سريعة لموارد الشبكة على التطبيقات المختلفة. ويضيف: "لقد لاحظنا ارتفاعاً صاروخياً في الاستهلاك الخاص بـ "ترقية أنظمة التشغيل والتطبيقات" Software Update بلغ 250 في المئة. وهذا النمو المفاجئ يعيق التشغيل الطبيعي لتطبيقات أكثر أهمية. وعادة يمكن من خلال تقنيات إدارة حركة بيانات الشبكات تنفيذ نقل إجباري لتوقيت هذه الترقيات من ساعات الاستهلاك المرتفع أو "الذروة" Peak، إلى ساعات الفجر. لكن المشكلة التي نلاحظها لا تتوقف هنا، لأن كميات الداتا التي يتم استهلاكها على مدار الساعة في الأيام الأخيرة، باتت تشبه إلى حد كبير المستويات التي كانت تسجّلها السعودية في أوقات الذروة. لم يعد هناك اوقات ذروة او "خارج الذروة" في الاستخدام، لأن الشبكة تعيش حالة ذروة متواصلة، وهذه سابقة لا نرى مثيلا لها عادة". 

الاتصالات السعودية

وكان النائب الأعلى للرئيس لوحدة التقنية والعمليات في شركة الاتصالات السعودية هيثم بن محمد الفرج قال في بيان نشرته الشركة، أن الاجراءات التي تم اتخاذها تحت ضغط الأزمة وارتفاع الاستهلاك شملت الشبكات الثابتة والنقالة. وأضاف أن اجراءات "الاتصالات السعودية" شملت ترقية قدرات الشبكات، وعمليات فنّية هدفها ضمان تقديم الخدمات بشكل مستقر لكافة القطاعات. وكشف أن نمو استهلاك المنصات الرقمية التي تم توفيرها مجانا على الشبكة الثابتة بلغ 1000 في المئة في مجال التعلّم عن بُعد و177 في المئة في المجال الصحي، فيما بلغ نمو استهلاك تطبيقات العمل عن بُعد للقطاعات المختلفة أكثر من 567 في المئة. كما ارتفع الطلب على تحميل "التطبيقات" Applications الخاصة بهذه المجالات بنسبة تزيد على 70 في المئة. وذكر أن الألعاب الرقمية حققت نموا في الاستهلاك يناهز 240 في المئة. 

الألعاب الرقمية حققت نمواً في الاستهلاك يناهز 240 في المئة


ثلاثة حلول

ومن الواضح أن أمام شركات الاتصالات السعودية ثلاثة خيارات للتعامل مع التطورات، إما أن تبدأ بتنفيذ مشاريع فورية لترقية قدرات الشبكات أو أن تعمد إلى تنفيذ خطة سريعة لـ "إدارة حركة تبادل البيانات" بحيث تضع أولويات لتخصيص قدرات الشبكة لأجزاء محددة من الاستخدامات كقطاعات الصحة والأعمال والتعليم، أو أن تقوم بخطة تدمج فيها عملية توسيع جزئي للشبكة مع الاستفادة من أنظمة "إدارة حركة تبادل البيانات". لكن المشكلة التي قد تتعاظم إذا طال أمد الحجر المنزلي قد تكون في الـتطبيقات التي يصنّفها التقنيون "تطبيقات جائعة" Hungry Apps كالألعاب الرقمية والاتصالات الفيديوية والأفلام، وهي قد تحرم قطاعات حيوية كالرعاية الصحية والتعليم والعمل عن بُعد من الموارد الضرورية الآخذة في التضاؤل تحت ضغط المستخدمين. 

وحصلت الاقتصاد والأعمال على تقرير حديث يُظهر نسب نمو الاستهلاك المسجّل ضمن بعض التطبيقات على مختلف شبكات الثابت في السعودية، وهذه أبرزها: 

•ترقية التطبيقات وأنظمة التشغيل: 250 في المئة 

•خدمات الـ Peer2Peer: نحو 135 المئة (تضم تطبيقات مثل الاتصالات الفيديوية للتعلّم والصحة والأعمال)

•مجموعات الأخبار News Groups: نحو 123 في المئة (تطبيقات الأخبار وتبادلها)

•الألعاب الرقمية: 115 في المئة (مثل أجهزة بلايستايشن وأكس بوكس)

•الاتصالات الصوتية عبر الانترنت: 110 في المئة (معظمها مُستخدم في العمل عن بُعد)

•التخزين الشبكي: 75 في المئة (مثل خدمة Wetransfer وDropbox)

•منصات فيديوية Streaming: نحو 34 في المئة (مثل منصات نتفلكس و"شاهد" وغيرها)

•الفيديو عبر الانترنت Web Video: نحو 6.5 في المئة  


قرارات ضرورية

إذا استمر الحجر المنزلي لفترة طويلة في السعودية، كما هي الحال طبعا في بلدان أخرى، سيكون على قيادات مشغّلي الشبكات أن تواجه تحديات عدة، أوّلها الدفع باتجاه تغيير أنماط استخدام الشبكات من جانب المستخدمين للمحافظة على توزيع الموارد على الأطراف التي تقوم إما بأعمال متصلة بالرعاية الصحية، أو التعلّم والعمل عن بُعد بالإضافة إلى نشاطات المؤسسات الحكومية، كما سيكون عليها أن تقرر في شأن الاستهلاك غير الطبيعي للألعاب التي باتت تشكل عبئاً على الشبكات، تماماً كما فعلت نتفلكس وانستغرام وفايسبوك وأبل وأمازون وديزني عندما خفّضت من جودة أفلامها، فبدلاً من أن يتم عرض الفيلم بجودة HD باتت تقدمه للجمهور بجودة SD وأحيانا أقل لتخفيف استهلاك الداتا على الشبكات.