مصرف ليبيا المركزي: محافظ جديد في مواجهة الانقسام السياسي وضغوط الدينار

  • 2026-10-26
  • 09:05

مصرف ليبيا المركزي: محافظ جديد في مواجهة الانقسام السياسي وضغوط الدينار

  • كتب فيصل أبوزكي

تسلّم فوزي مصباح أبوخزام مهامه محافظاً مؤقتاً لمصرف ليبيا المركزي، خلفاً لناجي محمد عيسى، في تغيير يعيد إلى الواجهة التحديات التي تواجه إدارة السياسة النقدية في ليبيا، وفي مقدمتها استقرار الدينار، وضبط الطلب على النقد الأجنبي، والتعامل مع الضغوط الناجمة عن الإنفاق الحكومي. وتزداد هذه التحديات تعقيداً في ظل الانقسام السياسي والمؤسسي المستمر، وما يفرضه من صعوبات في وضع سياسات مالية ونقدية متناسقة وتنفيذها، رغم ما تمتلكه ليبيا من موارد نفطية واحتياطيات أجنبية توفر مقومات مهمة للاستقرار الاقتصادي.

وأعلن مصرف ليبيا المركزي في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026 مباشرة أبوخزام مهامه، بعد استكمال إجراءات التسليم، مؤكداً استمرار العمليات المصرفية والوفاء بالتزاماته المحلية والدولية. وجاء هذا التأكيد لطمأنة المواطنين والمصارف والشركاء الدوليين إلى انتظام عمل المؤسسة التي تتولى إدارة الاحتياطيات الأجنبية والإشراف على القطاع المصرفي وتنظيم التحويلات الخارجية.

وجاء تكليف أبوخزام، الذي كان عضواً في مجلس إدارة المصرف، بموجب قرار أصدرته هيئة رئاسة مجلس النواب بقبول استقالة ناجي عيسى من حيث المبدأ، وتكليفه بتسيير مهام المحافظ مؤقتاً إلى حين استكمال الإجراءات القانونية.

وكان عيسى قد قدم استقالته في أغسطس/آب الماضي، مؤكداً صحتها من دون الإفصاح عن أسبابها. وتحدثت تقارير إعلامية عن خلافات وضغوط تتصل بالإنفاق العام والسياسة النقدية وتراجع قيمة الدينار، لكن المحافظ السابق لم يقدم تفسيراً رسمياً لأسباب قراره.

وكان عيسى قد تولى قيادة المصرف في عام 2024 عقب أزمة مؤسسية أثرت في عمله وعلاقاته المالية الخارجية. وساعدت التسوية التي أتاحت تعيينه على استعادة انتظام الإدارة واستمرارية العمليات المصرفية، فيما استمرت التحديات المرتبطة بسعر الصرف والسيولة والإنفاق الحكومي. وقد أظهرت ردود الفعل على تكليف أبوخزام أن التوافق السياسي بشأن قيادة المصرف لا يزال محدوداً، مع صدور مواقف متباينة داخل المجلس الأعلى للدولة حول قانونية القرار وآلية اتخاذه.

الانقسام السياسي يقيّد إدارة الاقتصاد

تجري هذه التطورات في ظل استمرار الانقسام بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في شرق البلاد، والمدعومة من القيادة العامة للقوات المسلحة بقيادة خليفة حفتر. ورغم الجهود الدولية، لم تتوصل الأطراف الليبية بعد إلى اتفاق على توحيد السلطة التنفيذية وإجراء الانتخابات المؤجلة منذ عام 2021.

وسجل المسار السياسي تقدماً مع اتفاق 30 أغسطس/آب 2026 الهادف إلى تحريك العملية السياسية وتهيئة الظروف لتوحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات، لكن الخلافات حول تنفيذه استمرت، وبرزت مجدداً مع رفض المجلس الأعلى للدولة الاتفاق في أكتوبر/تشرين الأول.

وينعكس الانقسام مباشرة على إدارة الاقتصاد، مع تعدد مراكز اتخاذ القرار والإنفاق العام، وصعوبة اعتماد موازنة وطنية موحدة وضمان الالتزام بها. وفي هذه الظروف، تصبح قدرة المصرف المركزي على تنفيذ سياسة نقدية فعالة محدودة عندما تتعارض أهداف الاستقرار النقدي مع قرارات مالية تتخذها سلطات متعددة، أو عندما يغيب إطار مالي واضح يمكن الاستناد إليه في إدارة السيولة والطلب على النقد الأجنبي.

وكانت المبعوثة الأممية هانا تيتيه قد حذرت أمام مجلس الأمن في 14 أكتوبر/تشرين الأول من استمرار تداعيات الانقسام السياسي والمؤسسي على الاقتصاد، داعية إلى تحسين التنسيق بشأن الإنفاق العام وتنفيذ برنامج التنمية الموحد.

وتظهر بيانات مصرف ليبيا المركزي حجم التحديات المالية، إذ بلغت الإيرادات العامة نحو 114.6 مليار دينار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، مقابل إنفاق معلن قدره 88.6 مليار دينار. واستحوذت المرتبات على 60.6 مليار دينار، أي نحو 68 في المئة من إجمالي الإنفاق، فيما بلغ الدعم 14.3 مليار دينار، والنفقات التسييرية 12.1 مليار دينار، والإنفاق التنموي 1.6 مليار دينار.

وتكشف هذه الأرقام الوزن الكبير للالتزامات الجارية ومحدودية الإنفاق التنموي ضمن البيانات المعلنة. ورغم تجاوز الإيرادات للإنفاق، فإن تقييم الوضع المالي يتطلب الأخذ في الاعتبار تعدد الجهات التي تتولى الإنفاق، والالتزامات التي قد تقع خارج نطاق البيانات المنشورة.

ضغوط الدينار وأولويات المحافظ الجديد

تنتقل إلى أبوخزام تحديات نقدية تراكمت خلال السنوات الماضية، أبرزها اتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي للدينار وسعره في السوق الموازية، وما يترتب عليها من ضغوط على الأسعار والقوة الشرائية.

وشهد الدينار تخفيضين في قيمته الرسمية خلال عامي 2025 و2026، في إطار محاولات المصرف المركزي معالجة الاختلالات بين العرض والطلب على النقد الأجنبي. ويمكن أن يساعد تعديل سعر الصرف على تقليص الفجوة مع السوق الموازية، لكنه يرفع أيضاً كلفة الواردات، ما يستدعي إجراءات مرافقة لتحسين توافر الدولار وضبط السيولة.

وبلغ سعر بيع الدولار الرسمي نحو 6.43 دنانير في 25 أكتوبر/تشرين الأول، فيما تجاوز عشرة دنانير في السوق الموازية خلال الشهر نفسه، وفق تقارير محلية. ويشير استمرار هذه الفجوة إلى الحاجة لتطوير آليات توفير النقد الأجنبي عبر المصارف، وتنظيم تمويل الواردات والتحويلات الخارجية، وتعزيز ثقة المتعاملين بالقنوات الرسمية.

وترتبط الضغوط على الدينار أيضاً بطبيعة الاقتصاد الليبي المعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية مصدراً للعملات الأجنبية، مقابل إنفاق حكومي واسع بالدينار وطلب مرتفع على السلع المستوردة. ويؤدي التوسع في الإنفاق المحلي إلى زيادة الطلب على الدولار، مما يجعل التنسيق بين السياسة المالية والسياسة النقدية عاملاً أساسياً لتحقيق الاستقرار.

وفي المقابل، توفر الموارد النفطية الكبيرة والاحتياطيات الأجنبية التي يديرها المصرف المركزي إمكانات مهمة للتعامل مع هذه الضغوط، خصوصاً إذا اقترنت بانتظام الإنتاج والصادرات النفطية وتحسين إدارة الموارد العامة.

وجاء بيان بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، الصادر في 23 أكتوبر/تشرين الأول، ليؤكد ضرورة حماية استقلالية المصرف المركزي ووحدة عملياته وسلامة إدارته. وحذرت البعثة من أن استمرار الضغوط لتمويل الإنفاق الحكومي المتزايد قد يؤدي إلى مزيد من تراجع سعر الصرف وارتفاع التضخم واستنزاف الاحتياطيات الأجنبية، داعية إلى احترام الإجراءات القانونية والمؤسسية المتعلقة بقيادة المصرف.

ابوخزام يؤمن الاستمرارية بانتظار التوافق والاجراءات

ويبدأ أبوخزام مهمته مستفيداً من عضويته السابقة في مجلس إدارة المصرف ومعرفته بملفاته، فيما يبقى وضعه المؤقت مرتبطاً باستكمال الإجراءات القانونية والتوافق على قيادة دائمة. وتتمثل أولوياته المباشرة في المحافظة على انتظام العمليات المصرفية والتحويلات الخارجية، وتحسين إدارة السيولة والنقد الأجنبي، والعمل على تضييق الفجوة بين سعري الصرف الرسمي والموازي.

وتملك ليبيا الموارد المالية والنقدية التي تساعدها على استعادة الاستقرار وتحريك النشاط الاقتصادي، لكن الاستفادة منها تتطلب إدارة أكثر اتساقاً للمالية العامة. وسيعتمد نجاح المحافظ الجديد على كفاءة القرارات النقدية التي تتخذها إدارته، ومدى التعاون مع السلطات المالية، والتقدم نحو معالجة الانقسام المؤسسي الذي أعاق إدارة الاقتصاد الليبي خلال السنوات الماضية.